لا شك أن تقييم النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية في إيران يتوقف بدرجة كبيرة على المنظور الذي نتابع من خلاله التطورات العامة في هذا البلد المجاور، سواء فيما يتعلق بأوضاعه الداخلية أو بطبيعة العلاقات بين أطراف عملية صناعة القرار السياسي والاقتصادي فيه كما يتوقف على ادراك مساحة التغير في الاولويات الإقليمية التي توختها إيران »الثـورة« على مدى العقدين الماضيين، مقارنة بالسياسات الجديدة لـ»الدولة« الإيرانية في المستقبل، والتي ستظل عاملا مؤثرا في المنطقة كما كانت دائما في القرن العشرين. ورغم أن النتائج المعلنة في 195 دائرة إنتخابية، قد كشفت عن فوز كبير لكتلة الإصلاحيين المؤيدين للرئيس محمد خاتمي (141 نائبا) أى أقل بخمسة مقاعد عن الأغلبية المطلقة، وتراجع مقاعد المحافظين الى 44 فقط (120 في البرلمان السابق)، وكذا لتقلص مقاعد المستقلين الى 10 مقاعد (24 في البرلمان القديم)، فان الصورة النهائية لتوزيع المقاعد البرلمانية -والتي لن تتغير كثيرا عن الوضع الحالي- ستتحدد بعد الجولة الثانية للانتخاب في 65 دائرة أخرى، في ابريل المقبل قبل دعوة »مجلس الشورى الإيراني« للإنعقاد في شهر مايو، إلا أن أهم نتائج هذه الانتخابات البرلمانية على الإطلاق قد برزت في صورة »الحالة السياسية الجديدة« التي دفعت بجيل ثان من القادة الإيرانيين، أكثر شبابا من جيل قادة الثورة في 1979 ، وأكثر تحررا من قيود الشعارات الثورية التي حالت دائما دون المشاركة الشعبية الحقيقية في صناعة القرارات السياسية الهامة. ولكي نضع التطورات الإيرانية الأخيرة في موضعها الصحيح تاريخيا، يجب إدراك حقيقة أن التغيير -وربما التراجع- عن التشدد في المسيرة الإيرانية، إنما يعود الى عدة سنوات مضت، وبالتحديد لعام 1993 عندما تم التجديد لرئاسة هاشمي رفسنجاني، عندما بدأت »الثورة« تواجه عمليا مصاعب التحول الى نظام مستقر على اسس مدنية ودستورية جديدة، في ظل أوضاع إقليمية غير مواتية، وعلاقات دولية فرضت الحصار والمقاطعة على المجتمع الإيراني، ودفعته مبكرا للبحث عن مخرج من التناقضات التي تكشفت ملامحها بين النظام الثوري وجماهيره من الأجيال الجديدة. لقد جاءت الخيارات الجديدة للقيادة الإيرانية، إنعكاسا طبيعيا للأزمات التي واجهتها على عدة مستويات داخلية، وإقليمية ودولية، عانت فيها من آثار التآمر، والحروب والتشهير والمقاطعة والحصار الإقتصادي، بالإضافة للتحولات الإقليمية التي فرضت التغيير كحتمية سياسية لاستمرار النظام على اسس اكثر عصرية وتوازنا من المشروع القديم. فعلى المستوى الداخلي، واجهت الجمهورية الإسلامية، ضغوطا شديدة من الفصائل المعارضة لها من الإيرانيين في الخارج، حول قضيتين تحديدا، وهما دور المرأة في المجتمع الايراني، وقضية الحريات العامة، وعلى المستوى الإقليمي منيت إيران بعدة مصاعب منذ البداية، اكتشفت بعدها أنها»محاصرة من محيطها الطبيعي« أكثر منها مرشحة لقيادته، ودوليا فقد ادى الصدام المبكر مع الولايات المتحدة، الى فرض سياسة الاحتواء والحصار الاقتصادي من جانب واشنطن تارة بدعوى مساندة الإرهاب الدولي، وتارة أخرى بدعوى منع طهران من تطوير »أسلحة الدمار الشامل« وأدت تلك الإجراءات الأمريكية -رغم معارضة الأوروبيين لها- الى مصاعب حقيقية للاقتصاد الإيراني، عجز معها عن جذب الاستثمارات الأجنبية (لم تتجاوز 200 مليون دولار أمريكي خلال عشر سنوات) مقارنة بحوالي 200 مليار دولار نجحت تركيا في اجتذابها خلال نفس الفترة. »الإعـــلام« هو الحل و هذه المرحلة التي تعرف تاريخيا »بنقطة الانقلاب« في تاريخ الثورات، سبق أن واجهتها عدة بلدان من العالم الثالث وفي منطقة الشرق الأوسط بوجه خاص، إذ عانت فيها من مأزق التحول من مرحلة الإنطلاق بعد تحقيق أهدافها العاجلة بتغيير قمة السلطة، الى مرحلة بناء المجتمع الجديد، دون امتلاك مشروع مكتمل الصياغة للبديل السياسي والاقتصادي، أو بدون تبلور البرامج العملية المناسبة لإقامة المجتمع الذي سبق للثورة التبشير به. لقد نجحت القيادة الإيرانية مبكرا ومنذ إدراكها لهبوب رياح التغيير، في السيطرة على تفاعلات مرحلة الانتقال من النظام الثوري الى الدولة الدستورية، وذلك من خلال مراهنتها على محور »التجديد الديمقراطي« من داخل المؤسسة الحاكمة وباستخدام نفس الوسيلة التي قادت بها عملية الثورة من قبل (الإعــلام) لتحريك وفرز مختلف القطاعات الفاعلة والتي ستخوض لاحقا معركة تجديد النظام والتحول الآمن الى الدولة، وهى التجربة التي نجحت في المرحلة الاولى، بانتخاب الرئيس محمد خاتمي (أحد رموز النظام من رجال الدين) كرئيس تنفيذي، باعتباره مجددا مدنيا وداعية للإنفتاح الإعلامي والسياسي، ثم في المرحلة الثانية، باجراء اكبر عملية إحلال تاريخية لنواب الثورة على قاعدة عدم التناقض معها وتجديد دم البرلمان ديمقراطيا، عندما تبنت »كتلة المشاركة الاسلامية في ايران« المؤيدة للرئيس شعارات مثل »إيران لكل الإيرانيين« والذي اشاع مناخا لم تعرفه البلاد طيلة 21 عاما من الصدام المستمر بلا هواده مع أعداء في الداخل والخارج، وهى التجربة التي جعلت كثيرا من المراقبين يضعون الجمهورية الإسلامية في المرتبة الثانية »ديمقراطيا« بين دول منطقة الشرق الاوسط. تحولات منهجيـة تكشف النتائج الأخيرة للانتخابات الايرانية، والتي نجحت كتلة الإصلاح المؤيدة للرئيس خاتمي في الفوز بأغلبية مريحة من مقاعدها يرجح أن ترتفع في انتخابات الإعادة (65 دائرة) في إبريل المقبل، عن عدد من التحولات في توجهات القيادة التي لم تتخل -رسميا حتى الان- عن خطابها الثوري كمصدر لشرعية الحكم، أولى تلك التحولات تتعلق بالموقف السياسي التقليدي للثورة الايرانية من الولايات المتحدة الامريكية، والتي توصف في الادبيات الحديثة بـ »الشيطان الأكبر« فقد تحول الموقف من واشنطن حسب المواقف المعلنة من قيادات »جبهة المشاركة« الفائزين في الجولة الاولى من الانتخابات، الى وعود بتبني »معالجة أكثر براجماتية« في تحديد المواقف السياسية والتي ستختلف من دولة لأخرى، وحسبما نقلت إحدى الوكالات العالمية عن وزير الداخلية السابق عبد الله نوري، الإصلاحي والمؤيد لكتلة الرئيس، فان »عدم الإتصال بدولة ما ليس حسنا في ذاته، كما ان الاتصال بدولة أخرى ليس خطيئة«. التحول الثاني الذي كشفته تلك النتائج الانتخابية، هو التراجع عن الموقف التقليدي والمتشدد من الانفتاح على الإعلام الغربي، والذي تعتبره المراجع الإيرانية إحدى وسائل التخريب الثقافي والسياسي للأجيال الجديدة، فمن الواضح أن قضية »تحرير الإعلام الداخلي« سواء بإطلاق حرية إصدار الصحف، أو السماح بنشر الأطباق المستقبلة للإرسال الفضائي، كانت واحدة من التعهدات الانتخابية لجبهة الإصلاح، بما يعني التخفف من القيود التي فرضتها الدولة في السابق بدعوى »الثورة الثقافية« وحماية المواطن من دعوى التغريب والتخريب الحضاري، التي سيطرت على مفاهيم قادة الدولة طوال العقدين الماضيين. التحول الثالث يرتبط بجوهر الجدل حول شرعية النظام الجديد في إيران، ورغم إتفاق جميع الأطراف على استمرارية مبدأ »ولاية الفقيه« كمرجع أعلى للنظام الإيراني الحالي، فإن جدية الإنتقادات لتلك النظرية ـــ التي لا يجمع عليها كل رجال الدين الشيعة ـــ واستمرار طرحها في المستقبل، خاصة من خلال نواب محسوبين على معارضين لها، سيدفع بالنقاش الديمقراطي الى حدود وآفاق جديدة لمراجعة تلك النظرية، بنفس المنطق الذي نجح في ادارة الحوار الديمقراطي حول اعادة تعريف مسلمات الثورة السابقة (الموقف من واشنطن والاعلام الغربي..الخ) بحيث يمكن دفع الحوار الوطني مستقبلا الى آفاق جديدة تنتقل من مرحلة انعدام »معصومية المواقف السياسية« والتجرؤ على مراجعتها، الى مرحلة عدم »عصمة القادة السياسيين« والإحتكام للمبدأ الديمقراطي في حسم كافة القضايا، بدءا من اختيار النواب في البرلمان والمحليات، الى اختيار القائد الاعلى وتحديد الخيارات الاستراتيجية للوطن، بدون مصادرة للرأي الحر. من جانب آخر، فان هناك العديد من التحديات التي تواجه البرلمان الجديد والتي لا تبدو في الافق القريب توقعات بتجاوزها، وفي مقدمتها الركود الإقتصادي وضرورة مواجهة الفساد الإداري، وارتفاع نسبة البطالة بين الشباب التي تجاوزت نسبتها 21 % من القوى العاملة، بالاضافة الى التحديات الدستورية، والتي تشير بوضوح الى أهمية إصلاح الخلل القائم حاليا في آلية صدور القرار السياسي، والتي تقلص كثيرا من دور البرلمان المنتخب، وتعطي الكلمة الاخيرة في قراراته لمجلس صيانة الدستور ومجلس الخبراء، وهى هيئات غير منتخبة، فضلا عن دور »المرشد الأعلى للثورة« في حسم التوجهات السياسية والقرارات »الفنية« التي تصدر من الجهات المعنية في كافة التخصصات، ومن الطبيعي أن يبحث المجلس التشريعي الجديد مسألة التنسيق بين المؤسسات الوطنية على قاعدة المساواة والتكامل، لتأسيس آلية جديدة قادرة على التعامل مع الاولويات العاجلة سياسيا واقتصاديا وبكفاءة تتناسب مع أولوية كل قضية في المستقبل. أيضا، هناك قضية العلاقات مع واشنطن، والتي توقفت منذ حادث إحتلال السفارة الامريكية بعد الثورة، حيث مازالت الولايات المتحدة تعارض في مبدأ منح طهران تسهيلات إئتمانية أو قروضا من البنك الدولي، وتطلب منها تقديم المزيد من التنازلات السياسية لرفع اسمها من لائحة الدول الراعية للإرهاب الدولي كشرط لإعادة تأهيلها للحصول على القروض التي تحتاجها عمليات التنمية الداخلية، وفي هذا الصدد تضيف واشنطن إتهاما لإيران بضرورة تعديل مواقفها من معارضة إتفاقات السلام في الشرق الاوسط، والتوقف عن إستكمال برنامجها لما تسميه »تطوير اسلحة الدمار الشامل« بل إن الرئيس الأمريكي تقدم للكونجرس في الاسبوع الماضي، بقانون يسمح له بتقديم تقرير نصف سنوي عن اوضاع إيران وموقفها من قضية دعم الارهاب الدولي، وحقوق الانسان، وتطوير الاسلحة الشاملة، بعد أن كان التقرير يتم تقديمه مرة واحدة سنويا. إن احتمالات تعديل المواقف السياسية الايرانية من قضية ما، لا يتوقف بالضرورة على عوامل التغيرات المحلية والداخلية فقط، وإنما أيضا على عوامل القوة والضغط الإقليمي التي تمارسها القوى الأخرى لحماية مصالحها والدفاع عن حقوقها القومية الثابتة، ولعل التحولات المتوقعة في المواقف السياسية الايرانية، تمهد الطريق لحوار اكثر جدية وفعالية مع الكتلة العربية التي يؤمل ان تلتقط الخيط لتؤسس صيغة حل لمشكلة الجزر الاماراتية الثلاث يتناسب مع استراتيجية التوصل لبرنامج فعال لأمن الخليج بمشاركة جميع الاطراف المطلة عليه، وبما يتناسب مع العدالة للجميع ولصالح كل الشعوب.