تبدأ راكيل برونسون حديثها بالاشارة الى قدم العلاقة بين دول الخليج وامريكا, حيث تقول ان الولايات المتحدة اقامت مرفأ في البحرين عام 1949 باتفاق مع بريطانيا, وكان المرفأ مقرا لقائد القوة الامريكية للشرق الاوسط. وعلى مر الايام تطورت العلاقات بين الولايات المتحدة الامريكية والبحرين , ففي عام 1971 اقام الجيش الامريكي قوة اسناد اداري في البحرين ومكتبا للتعاون العسكري عام 1986, ثم جاءت عاصفة الصحراء لتكون نقطة تحول للوجود الامريكي في البحرين وزادت البحرية الامريكية من تواجدها منذ عام 1991. من مسقط واليها احتفظت الولايات المتحدة بعلاقات مماثلة مع سلطنة عمان, لكنها قطعت في اعقاب حرب اكتوبر 1973 العربية الاسرائيلية. لكن برونسون تضيف ان العلاقات عادت رسميا قبل نهاية ذلك العقد, وفي عام 1980 اصبحت سلطنة عمان اول دولة خليجية توقع اتفاقا مع الولايات المتحدة الامريكية يوفر قاعدة للقوات الامريكية, واليوم ترتبط الولايات المتحدة الامريكية وسلطنة عمان بعلاقات عسكرية مشتركة قوية, ثم تشير برونسون الى ان الجيش الامريكي ظل يتعاون ويقدم المشورة للقوات المسلحة السعودية منذ عام 1952. وقالت برونسون ان الولايات المتحدة رغم تواجدها في الخليج منذ بدايات الحرب الباردة الا انها لم تطور استراتيجية متسقة في المنطقة الى مابعد انسحاب (شرق السويس) البريطاني عام 1971. وخلال السبعينيات اثارت المخططات السوفييتية في المنطقة مخاوف صناع القرار في الولايات المتحدة, خاصة لقرب المنطقة الجغرافي من الاتحاد السوفييتي وضعف القدرات الامريكية للدفاع عنها, ووسط الحرب الباردة لم يكن القادة الامريكيون يسمحون بان تقع المنطقة تحت سيطرة موسكو, ولمنع حدوث ذلك انشأ الرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون (سياسة الدعامة المزدوجة) التي تخطط لان تكون ايران والمملكة العربية السعودية منطقتين للوجود الامريكي, وبسقوط سياسة الدعامة المزدوجة في اعقاب الثورة الايرانية والغزو السوفييتي لافغانستان انشأت هيئة الاركان المشتركة الامريكية قوة الانتشار السريع في نوفمبر عام 1979, واصبحت هذه القوة الاداة الرئيسية في سياسة الرئيس الامريكي جيمي كارتر التي وصفت الخليج في عام 1980 بانه منطقة حيوية للمصالح الامريكية. واضافت برونسون ان التطور البطىء في قدرة الولايات المتحدة على مجرد الوصول الى الخليج تبين خلال الحرب العراقية الايرانية, عندما أدارت الولايات المتحدة ظهرها لايران واتجهت لدعم العراق. ومضت الخبيرة الامريكية الى القول ان واشنطن بدأت تعمل بنشاط مع دول مجلس التعاون الخليجي لانشاء نوع من الدفاع الجماعي, الا ان برونسون اعربت عن اعتقادها بان ذلك الجهد لم يصادف نجاحا كبيرا, لان مؤسسي مجلس التعاون منذ انشائه عام 1981 اعلنوا بوضوح انه منظمة سياسية اقتصادية هدفها تطوير التنسيق والتعاون بين دوله, اما مسائل التعاون العسكري فقد تم تجنبها عن قصد, وفي الثمانينيات قدمت سلطنة عمان خطة لاستخدام اموال النفط لدعم انشاء قوة عسكرية اقليمية, وكانت خطة مهمة لكنها رفضت من قبل دول مجلس التعاون لاسباب مختلفة. التغيير الدرامي وقالت برونسون ان الاعتقاد السائد هو ان التغيير الدرامي في الاستراتيجية العسكرية الامريكية في المنطقة كان خلال حرب الخليج عندما تم ارسال قوات ضخمة الى المنطقة لطرد صدام حسين من الكويت وسط دعم عالمي كبير للتحرك الامريكي, لكن بالنظر الى اعداد القوات واماكن تمركزها اليوم نلحظ تراجعا كبيرا عن ما كان موجودا في الخليج بعد عام 1991. وذلك للاعتقاد بان صدام حسين تلقى هزيمة نكراء وان مسألة الاطاحة به مسألة وقت, وحزم الامريكيون والآخرون امتعتهم ورحلوا, وجاء التغيير الحقيقي في تمركز القوات الامريكية, والذي قاد الى وجود اكبر للقوات الامريكية في المنطقة في عام 1994 مع عملية (المحارب اليقظ) . وتروي برونسون انه في يومي الثالث والرابع من اكتوبر 1994 رصدت المخابرات كتيبة من قوات الحرس الجمهوري تتجه جنوبا لتنضم الى كتيبتين اخريين بدأتا الاتجاه نحو الحدود مع الكويت. نحو 70 الف جندي اي بزيادة اكثر من 20 الف جندي عن القوات المتمركزة هناك عادة, تحركوا باتجاه الحدود الكويتية, المواطنون العراقيون ايضا تظاهروا على طول الحدود الكويتية. وامتزجت طبيعة التحرك بحقيقة انه جاء في اعقاب العديد من الحوادث الجوية المعادية, ففي الثاني من اكتوبر حلقت طائرة (ميج) عراقية فوق طائرة انذار مبكر امريكية وفي الثالث من اكتوبر تعرضت طائرة استطلاع لكشافات صاروخ (ارض ـ جو) بالقرب من بغداد. وقالت برونسون ان البنتاجون اعلن في التاسع من اكتوبر عن ارسال قوات برية الى الخليج, كما دفعت فرنسا وبريطانيا بقواتهما ايضا الى المنطقة في ما عرف بعملية (المحارب اليقظ) . ردع صدام ومضت الى القول بان الولايات المتحدة بدأت بعد تلك العملية الاعتماد على المزيد من الوجود على الارض. واشارت الى انهم وضعوا المزيد من المعدات على الارض على طول المنطقة في .. الكويت وقطر والسعودية والبحرين .. كان الدرس من تحرك عام 1994 هو انه بدون وجود قوات ضاربة في المنطقة, سيعود صدام مرة اخرى. لقد فعل ذلك ليس في عام 1990 وحده, بل مرة اخرى عام 1994, السؤال اذا, كيف تبنى قوة ضاربة لردع صدام ومنعه من التحرك جنوبا دون التأثير سلبا على الحياة في المنطقة؟. وقالت برونسون ان الوجود العسكري الذي نتحدث عنه اليوم ليس نتيجة ما حدث عام 1990 بل هو نابع من المشاكل المتكررة عامي 1990 و 1994, وقد بذلت الجهود لنشر القوات في كل المنطقة حتى لا تصبح دولة واحدة بحاجة للابقاء على كامل قوة الوجود الامريكي, واعربت عن اعتقادها بان هناك طرقا اخرى يمكن بها تحقيق المزيد من الخفض للتواجد الامريكي. لكن برونسون اجلت الحديث عن هذه الطرق لتشرح كيفية تطور الوجود العسكري الامريكي مستخدمة في ذلك جداول ايضاحية تبين تواجد القوات الامريكية في كل منطقة الشرق الاوسط وجنوب آسيا. وخلصت من ذلك الى ان الوجود الامريكي يتركز في منطقة الخليج , ثم استخدمت رسما بيانيا آخر للتواجد الامريكي في العالم ظهر معه الوجود في الخليج ضئيلا وهنا قالت ان القادة الامريكيين عندما ينظرون الى العالم, يسهل ان نفهم لماذا يتعجبون في بعض الاحيان من الحديث عن كثافة القوات الامريكية في الخليج, ثم اضافت انها استخدمت البيانين لانها رأت انهما يساعدان على توضيح شيء من المأزق في فهم الدور الذي تلعبه العسكرية الامريكية في السياسة المحلية. مبادرة كوهين وقالت برونسون ان الجهد العسكري الذي تبينه الرسوم كان موجها الى وقت قريب نحو الهجوم التقليدي, لان الحرب التقليدية كانت الاكثر شغلا للاهتمام الفوري وكذلك لانها الحرب التي يبدو ان لدينا جميعا المقدرة على مواجهتها, صحيح ان اسلحة الدمار الشامل كانت محل اهتمام ومصدر قلق حقيقي لكن كان هناك القليل من الافكار الجيدة حول كيفية ادارتها, ومؤخرا سمعنا عن البنتاجون المزيد عن (مبادرة التعاون الدفاعي) كمجموعة من الاجراءات للتعامل مع خطر اسلحة الدمار الشامل. وفي شرح لمبادرة التعاون الدفاعي قالت برونسون انها تنقسم الى اربعة عناصر: 1ـ دفاع ايجابي , 2ـ دفاع سلبي, 3ـ ادارة الحالة, 4ـ انذار مبكر مشترك ضد اي هجوم بأسلحة الدمار الشامل. واوضحت ان وزير الدفاع الامريكي كوهين اعلن هذه المبادرة عام 1998, ونشرها مرة اخرى في مارس 1999, وفي مايو 1999 وصل فريق اسناد الى منطقة الخليج. وقالت برونسون ان عنصر الدفاع الايجابي يركز على فكرة منصات الصواريخ الدفاعية التقليدية والتي تتبعها الولايات المتحدة بنشاط مع العديد من الدول في مختلف انحاء العالم, والدفاع الايجابي هو العنصر الاكثر كلفة في البرنامج لانه يتطلب شراء آخر انجازات التطور التكنولوجي. وتضيف الخبيرة الامريكية ان العناصر الثلاثة الاخرى لا تقل اهمية رغم تركيز الكثيرين في المنطقة على العنصر الاول, لان الدفاع السلبي يوفر التدريب ونظرية حول كيفية القتال والعمل في بيئة ملوثة, كما يوفر التدريب للجيوش المحلية على طريقة الاستعداد عند استلام انذار بوقوع هجوم وشيك. اما عنصر ادارة الحالة, فتقول برونسون انه يشجع على المزيد من الاهتمام باستجابة المدنيين للهجوم بأسلحة الدمار الشامل, ويتضمن زيادة التنسيق بين الحرس الوطني والقوات المسلحة التقليدية ووزارة الداخلية والخدمات الصحية وغيرها. وقالت برونسون ان العنصر الاخير في المبادرة والخاص بالانذار المشترك, كان الموضوع الرئيسي للزيارة التي قام بها كوهين للخليج مؤخرا, واضافت ان نظام الانذار المبكر المشترك سيربط دول مجلس التعاون الخليجي بالاقمار الاصطناعية للمخابرات الامريكية التي يمكن ان ترصد اختبارات الصواريخ والاستعدادات لاطلاقها, ويساعد النظام في حماية دول مجلس التعاون والاعداد الكبيرة من القوات الامريكية في المنطقة من الهجمات الصاروخية. وقالت برونسون ان الولايات المتحدة بتقديمها برنامجا من اربعة عناصر تستطيع المساعدة في البرنامج الذي يناسب كل دولة حسب قدراتها. اما الهدف الثاني فهو تشجيع التعاون بين دول المجلس الخليجي. واضافت ان انضمام الاردن ومصر الى مبادرة التعاون الدفاعي سيجعل منها مبادرة اقليمية تضع المشرق والخليج في اطار هندسة امنية مشتركة. وختمت بالقول في هذه النقطة انه بقدر ما تعمل دول مجلس التعاون الخليجي لنفسها, بقدر ما تصبح الولايات المتحدة اقل حاجة للوجود والنشاط في المنطقة. وتحدثت برونسون حول العلاقات الامريكية الخليجية في ضوء ما تقدم, فقالت ان الولايات المتحدة راضية نسبيا عن العلاقات الراهنة مضيفة ان العلاقات يمكن ان تتحسن دائما وانه يجب العمل على منعها من التدهور. بواعث الرضى وقالت ان من بواعث رضى واشنطن انتقال القيادة مؤخرا بصورة سلسلة (قطر) وان القيادة المستقبلية يبدو انه تم تحديدها بوضوح, ثم هناك الانتخابات البلدية في قطر وحل مجلس الامة الكويتي وعودته للانعقاد عبر اجراءات دستورية. واعربت برونسون عن اعتقادها بان عدم السعي لتنمية برامج غير عسكرية بين الولايات المتحدة ودول الخليج كان قصورا كبيرا, واشارت الى انه خلال الحرب الباردة اكد صناع القرار الامريكي على ضرورة العمل على شركاء من اجل تطوير القوة الاقتصادية والنفسية والعسكرية, وعندما اخرج جورج كيان سياسة الاحتواء شدد على ان سهولة اختراق دول اوروبا الغربية يعد نقطة ضعف رئيسية بالنسبة للولايات المتحدة, واصبح هدف كينان بناء نظام دولي يتألف من مراكز قوى مستقلة, تكون فيها الدول الخاضعة للضغط السوفييتي لديها القدرة والارادة لمقاومة ذلك الضغط وتعتبر القوة العسكرية, مبدئيا على الاقل, امرا ثانويا تقريبا, ووفرت الولايات المتحدة الغطاء الامني في وقت افاقت فيه اوروبا من الحرب وعززت هويتها واقامت مؤسسات اقتصادية وسياسية قادرة على منع القوة السوفييتية من التسرب الى مراكز صنع القرار. واوضحت برونسون ان الولايات المتحدة لم تعط اهتماما مماثلا في علاقاتها مع دول الخليج, ولم تضع استراتيجية سياسية مناسبة في المنطقة, مكتفية بالتركيز على الجانب العسكري, وكشفت الخبيرة الامريكية عن ان صناع القرار في امريكا يقولون انهم حاولوا فقوبلوا بالصد على كل الجبهات وكانت الرسالة التي تلقوها من المنطقة هي ان العنصر العسكري في العلاقات هو الوحيد الذي يجد اهتماما مشتركا. ودعت برونسون الى المزيد من الاهتمام بالجانب غير العسكري في العلاقات وابتداع اساليب خلاقة في هذا المجال. وقالت برونسون ان هناك امورا كان بامكان الولايات المتحدة القيام بها بطريقة مختلفة, ففي الجانب العسكري مثلا كان ممكنا التركيز على مواقع بحرية للمعدات العسكرية بدلا من القواعد البرية, واشارت الى ان مناقشات قد بدأت في الاوساط العسكرية الامريكية حول القدرة على الانتشار السريع للقوات والمعدات عن طريق اعادة تنظيم القوات المسلحة, وشددت على انها من المؤيدين لهذا الاتجاه لانه يناسب حاجات الولايات المتحدة لهذا القرن. لكنها اشارت الى ان عملية اعادة التنظيم ستستغرق وقتا بسبب قناة اجراءات نقل الاسلحة. وقالت برونسون ان وجود آخرين للمساعدة في ردع صدام حسين سيساعد في خفض الوجود العسكري الامريكي في المنطقة, واضافت ان عدم تعاون فرنسا في عملية المراقبة في منطقة الحظر الجوي يجعل الوجود الامريكي اكثر بداهة وانتظاما, واضافت انه بقدر ما تحصل الولايات المتحدة على اجماع دولي بشأن العراق والخليج بقدر ما تكون المصلحة للجميع. وقالت برونسون ان مبادرة التعاون الدفاعي اعطت على الاقل بعض الافكار حول القيام بمبادرات للعمل الجماعي مع المنطقة كلها. وقالت الخبيرة الامريكية ان افتقار دول الخليج الى التعاون العسكري فيما بينها يمثل مشكلة, واضافت انه كلما ازداد التعاون العسكري الخليجي كلما قل الوجود العسكري الامريكي. لا مبالاة وتحدثت عن قلقها لحالة اللامبالاة في المنطقة رغم وجود تهديد امني في المنطقة, ودعت الى اخذ الامر بجدية لانها مشكلة كبيرة, وقالت ان رفاقها في واشنطن ونيويورك يتطلعون بشغف الى سماع حلول جديدة في مجال التعاون العسكري بين دول الخليج خاصة قوات درع الجزيرة, التي قالت انها لم تحقق اي خطط كبيرة رغم ان برنامجها الراداري يعتبر ايجابيا. ورددت برونسون مرة اخرى ان زيادة القوة العسكرية الخليجية تعني انكماش الحاجة للوجود الامريكي. وفي الختام اشارت برونسون الى ان هناك آراء عديدة في واشنطن غير ان ما قالته يمثل وجهة النظر الرسمية , وتحديدا سياسة ادارة كلينتون. وقبل ان تغادر برونسون المنصة اشارت الى تطورات الاحداث في باكستان ووصفت بانها مثيرة للقلق ودعت الحاضرين الى التفكير فيما يمكن ان تمثله تلك التطورات من مشاكل للمنطقة.