في تقرير اعده المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية اشار الى تأكيد مساعد وزير الخارجية الامريكية ادوارد ووكر خلال جولته الخليجية التي بدأها الاسبوع المنصرم على ان واشنطن ترى ان هناك بعض التغييرات التي طرأت على منطقة الخليج, وان هناك تفكيراً جدياً في اجراء بعض التغييرات على السياسة الامريكية تجاه منطقة الخليج, فما هي ابعاد جولة ووكر الخليجية؟ وما هي التغييرات المحتملة في السياسة الامريكية تجاه المنطقة؟ في الواقع ان اهتمام الادارة الامريكية بمنطقة الخليج لا ينحصر في الادارة الامريكية الراهنة, فعلى مدى الادارات الامريكية السابقة وعلى اختلاف الرؤساء الامريكيين الذين توالوا على الحكم في الولايات المتحدة, كان هناك اهتمام ملحوظ بالمنطقة وتحديداً القضايا الامنية فنجد مثلاً الرئيس الامريكي الاسبق نيكسون قد اتبع مبدأ (التدخل العسكري المباشر) في الخليج, بمعنى اختيار قوة اقليمية يوكل اليها مهمة رجل الشرطة في المنطقة, وكانت هذه الدولة هي (ايران الشاهنشاهية) وبسقوط نظام الشاه عام 1979 نتيجة قيام الثورة الاسلامية, تلقت الاستراتيجية الامريكية في المنطقة ضربة قوية افقدتها توازنها وبتولي كارتر الحكم في الولايات المتحدة, اعلن في عام 1980 مبدأ عن أمن الخليج قائلاً (ان اية محاولة لأية قوة خارجية للسيطرة على الخليج تعتبر اعتداء على المصالح الحيوية للولايات المتحدة, ومثل هذا الاعتداء سيرد عليه بأية وسيلة مناسبة بما في ذلك الرد العسكري, وعبر تطور السياسة الامريكية تجاه الخليج ظهرت الكثير من المبادئ والاستراتيجيات التي ارتبطت بأسماء الكثير من الرؤساء الامريكيين, كمبدأ الصراع الاستراتيجي في عهد ريجان, ومبدأ الاحتواء المزدوج الذي اعلنه الرئيس الامريكي السابق جورج بوش في خطابه الشهير يوم 6 مارس ضمن مشروعه للنظام الشرق اوسطي الذي يقوم على: 1 ـ احتواء العراق وايران ومنع ظهور قوة اقليمية جديدة قادرة على تهديد الاستقرار في المنطقة. 2 ـ وضع ترتيبات امنية جديدة لأمن الخليج, والاحتفاظ بتواجد عسكري امريكي مستمر وبصورة دائمة في المنطقة. وعندما تولى كلينتون الحكم لم تحدث تغيرات جوهرية في السياسة الامريكية تجاه الخليج, حيث أكد على ضرورة ردع اي اعتداء او عدوان خارجي يضر بمصالح الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها في منطقة الخليج وخارجها. وقد وجدت هذه السياسة تطبيقاتها في العديد من المظاهر تجاه العراق وايران: * فبالنسبة للعراق شددت واشنطن على اجراءات الحصار الاقتصادي والسياسي, ولم تتردد في استخدام القوات المسلحة ضده كلما حاول الخروج عن الطوق الذي فرضته عليه في الشمال والجنوب من خلال اجراءات حظر الطيران العراقي في منطقتي الاكراد والشيعة. * وبالنسبة لايران فإن سياسة الاحتواء الامريكية ضدها وجدت تطبيقاتها في فرض طوق من العزلة السياسية والاقتصادية حولها, سواء من خلال قانون دماتو الذي يفرض عقوبات اقتصادية على الشركات التي تستثمر في قطاع النفط الايراني بما يزيد عن 40 مليون دولار او من خلال اتهامات بدعم الارهاب والسعي لامتلاك اسلحة الدمار الشامل ومساندة الجماعات التي تعمل على تخريب عملية السلام في الشرق الأوسط. وبعد سنوات من تطبيق هذه السياسة, لم يتحقق اي من اهدافها, فما زال صدام حسين على رأس السلطة في بغداد, كما تزايدت الدعوات المؤيدة لرفع الحصار عن العراق على المستويين العربي والدولي, وبالنسبة لايران فإن قانون دماتو لاقى معارضة شديدة من قبل العديد من الدول الاوروبية وشركاتها النفطية, كما استمر سعي ايران نحو تطوير اسلحتها وخاصة الصواريخ الباليستية بالتعاون مع روسيا وكوريا الشمالية والصين, كما أن العلاقات الايرانية ـ الخليجية شهدت تحسناً ملحوظاً منذ تولي الرئيس المعتدل محمد خاتمي السلطة في ايران عام 1997. وكنتيجة لعدم فاعلية سياسة الاحتواء المزدوج, بدأت ترتفع اصوات داخل الادارة الامريكية منتقدة هذه السياسة, كان ابرزها ذلك التقرير الذي صدر في ابريل عام ,1997 عن مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك, واعده ثلاثة مسئولين سابقين هم زبيجينو بريذنسكي وبرانت سكوكرافت مستشار الأمن القومي في ادارتي كارتر وبوش وريتشارد ميرفي مساعد وزير الخارجية الاسبق لشئون الشرق الاوسط فقد اعتبر التقرير (الاحتواء المزدوج) شعاراً اكثر منه سياسة, وانتقد التعامل مع دولتين مهمتين في المنطقة (العراق وايران) كما لو كانتا غير موجودتين, وخلال جولته الخليجية صرح ادوارد ووكر مساعد وزيرة الخارجية بأن واشنطن لم تعد تتعامل بهذا المصطلح في سياساتها الخارجية, مؤكداً ان ايران قد شهدت العديد من التطورات المشجعة في الآونة الاخيرة, وان السياسة الامريكية من المحتمل ان تشهد بعض التغييرات ازاء المنطقة. أهداف جولة ووكر من متابعة التصريحات التي ادلى بها ادوارد ووكر مساعد وزيرة الخارجية الامريكية, خلال جولته الخليجية الاخيرة يمكن القول انها هدفت الى ما يلي: 1ـ استمرار الشراكة بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي, وذلك من خلال التأكيد على التزام واشنطن بضمان امن الخليج في مواجهة اي تهديدات قد يتعرض لها وخاصة التهديد العراقي والايراني فقد عبر ووكر عن قلقه تجاه التهديد الذي يمثله نظام الرئيس العراقي صدام حسين للمنطقة, مؤكداً ان الخبرات السابقة قد اثبتت ان نيته ليست حسنة دائماً تجاه جيرانه, وبأنه يشكل تهديداً للمنطقة ولجيرانه, وهو الدرس الذي تعلمه الكويتيون والايرانيون والامريكيون على حد تعبيره. 2 ـ التأكيد على استمرار التواجد العسكري الامريكي في الخليج, فقد نفى ادوارد ووكر ان يكون لدى بلاده اية نية لتقليص وجودها العسكري في الخليج, مؤكداً ان حدوث اي تغييرات بخصوص عدد السفن وغير ذلك لا يخرج عن نطاق التنظيم العسكري, وهذا ما أكده وزير الدفاع الامريكي كوهين خلال جولته الاخيرة في المنطقة في شهر يناير الماضي عندما قال (ان بلاده لا تفكر في اي تخفيض لقواتها العسكرية الموجودة في المنطقة, وما يحدث هو اعادة انتشار لهذه القوات) ومشدداً في الوقت ذاته على ان وجود هذه القوات هو ضمانة اساسية لمواجهة اي تهديد عراقي او ايراني لأمن المنطقة. وهذا ما أكده ايضاً قائد القيادة المركزية في الخليج انتوني زيني. 3 ـ التشاور والتباحث مع قادة الدول الخليجية لتقييم السياسة الامريكية تجاه المنطقة, فقد عبر ادوارد ووكر خلال مؤتمر صحفي ان سبب زيارته يأتي في اطار التشاور مع اصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة, لمعرفة وجهات نظرهم حول ما اذا كانت هناك فجوات تستدعي تغيير السياسة الحالية, ومؤكداً في الوقت ذاته على استمرار الحوار لتنمية السياسات والتنسيق المشترك بما يخدم مصالح جميع الاطراف. 4 ـ تعزيز العلاقات الامريكية مع جميع دول مجلس التعاون على مختلف الاصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, فخلال زيارته للكويت اعرب ووكر عن حرص بلاده على تعزيز العلاقات مع الكويت, ورفع الصداقة الامريكية ـ الكويتية الى اعلى مستوى في جميع المجالات, واشار ووكر في الوقت ذاته الى ان بلاده لن تدخر جهداً في محاولة ارجاع جميع الاسرى والمرتهنين الكويتيين الى ذويهم, وانهاء معاناة اهلهم التي بدأت منذ عام ,1990 ومشيراً ايضاً الى التزام بلاده بضمان امن واستقرار الكويت, وخلال زيارته لقطر أعرب ووكر عن رغبة بلاده في تعزيز العلاقات مع الدوحة, مؤكداً ان قطر والولايات المتحدة يعملان سوياً كشركاء من اجل السلام والامن والاستقرار في الخليج. 5 ـ تشجيع دول مجلس التعاون على المضي قدماً في طريق الاصلاحات السياسية والديمقراطية, فقد اشاد ادوارد ووكر بما وصفه بالدور الريادي لقطر في تطويرها الديمقراطية وفي دعم عملية السلام, وقال ان قطر اكتسبت احترام المجتمع الدولي بتنظيمها الانتخابات البلدية العام الماضي ومنح المرأة حق الترشيح والانتخاب. السياسة الامريكية الجديدة هل يمكن اعتبار هذه الزيارة بداية للاعلان عن سياسة امريكية جديدة تجاه الخليج؟ لقد بات واضحاً لدى فريق كبير من المحللين والاستراتيجيين ان سياسة الاحتواء المزدوج قد فشلت في تحقيق اهدافها التي صيغت من اجلها, وانها اضحت شعاراً أكثر من كونها سياسة, وهذا ما أكده بوضوح ادوارد ووكر خلال جولته الخليجية, حيث اكد ان بلاده لم تعد تتعامل بهذا المصطلح (الاحتواء المزدوج) وان هناك تغييرات في المنطقة توجب على واشنطن اعادة التفكير في سياستها ازاء المنطقة. ومن قراءة تصريحات ادوارد ووكر مساعد وزيرة الخارجية الامريكية, ووليم كوهين وزير الدفاع الامريكي, والجنرال انتوني زيني قائد القوات المركزية الامريكية في الخليج, يمكن تحديد معالم السياسة الامريكية الجديدة تجاه المنطقة في الآتي: اولاً: الاعتماد على وجود عسكري مكثف في الخليج, وهذا ما اكده بوضوح كوهين وزيني, وذلك لمواجهة اي تهديد عراقي او ايراني لأمن المنطقة. ثانياً: انشاء منظومة للدفاع ضد الصواريخ الباليستية في الخليج تتقاسم كل من واشنطن ودول المنطقة تكلفتها, وقد عرض كوهين هذا الاقتراح في زيارته الاخيرة, وتهدف هذه المنظومة الى التصدي للصواريخ الايرانية والعراقية. ثالثاً: العمل على استمرار احتواء العراق وايران, ولكن بأساليب جديدة تتماشى مع المعطيات والتغيرات التي شهدتها المنطقة مؤخراً. العراق وايران كان التحول بالنسبة للعراق من الاحتواء شبه السلمي الى الاحتواء العسكري (التهديد باستخدام الاداة العسكرية ضد العراق وقت الضرورة) فقد توصلت الادارة الامريكية الى قناعة بأن الاحتواء شبه السلمي للنظام العراقي لم ينجح في ازالة كل أسلحة الدمار الشامل العراقية او الحد من قدرة العراق التقليدية, وترتيباً على ذلك صار ضرورياً الاعتماد على القوة او التهديد بها لتدمير اسلحة الدمار الشامل, فضلاً عن ضرب القوة العسكرية العراقية بدعوى انها تهدد جيران العراق, وفي هذا الاطار جاءت عملية ثعلب الصحراء في ديسمبر 1998 والعمليات العسكرية اللاحقة خلال عام ,1999 ذلك ان واشنطن اعلنت اكثر من مرة انها لن تكون بحاجة الى الاعلان عن اعتزامها القيام بضربات عسكرية ضد العراق, وانها تملك تفويضاً مسبقاً ومستمراً من مجلس الامن, وانها سوف تقوم بهجومها العسكري اذا أخل العراق من وجهة نظرها بالتزاماته, واذا تجاوز الخطوط الحمراء المحددة له, وهذا ما اعلنه ادوارد ووكر مساعد وزيرة الخارجية الامريكية حيث قال (لدينا خطوط حمراء يعرفها العراقيون جيداً وتؤدي الى عمل عسكري ضدهم) . عملت امريكا على الاستنزاف التدريجي للقدرات العسكرية العراقية مع العمل على تهيئة الاجواء العربية والدولية لهذه الهجمات من خلال سلسلة من الهجمات الجوية محدودة النطاق الجغرافي, ولكن تلك العمليات اليومية مع استمرارها وتراكم آثارها تحدث اضراراً عسكرية بالغة, وعندما تتم تلك الغارات بشكل يومي او خلال فترات تسود حالة من التعود عليها وتصبح نوعاً من الأخبار الروتينية المتكررة التي لا تثير غضباً شعبياً عارماً او احتجاجاً شعبياً قوياً, يؤكد ذلك انه طبقاً لمصادر امريكية, فإن ما تحقق منذ انتهاء عملية ثعلب الصحراء وحتى اليوم يفوق بكثير ما تحقق اثناء تلك العملية نفسها دون ان يؤدي الى ردود فعل رسمية او شعبية عنيفة معادية للغارات الامريكية, فقد اصبحت تلك الغارات اعتيادية وتحدث دون ضجيج الاخبار عن نقل الجنود او اقلاع الطائرات او تحركات لقطع بحرية. وبدأت العمل على تغيير النظام العراقي, ولكن وفق استراتيجية جديدة تقوم على السرية, كان هدف اسقاط نظام صدام حسين هدفاً معلناً للسياسة الامريكية, وظهر هذا واضحاً من خلال دعم المعارضة العراقية وانشاء مقار لها في لندن وواشنطن ونيويورك, بالاضافة الى توفير التدريب والمساعدة وتخصيص الكونجرس الامريكي نحو 99 مليون دولار للانفاق عليها, الا ان تلك الجهود لم تؤت ثمارها, بل ان تصريح وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت مؤخراً امام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الامريكي يؤكد اخفاق هذا البديل حيث اكدت ان (المعارضة العراقية منقسمة على نفسها وما زال امامها شوط كبير ينبغي ان تقطعه) لذا فإن العمل على اسقاط النظام العراقي لا بد وان يتم وفق استراتيجية تقوم على السرية وبدون اثارة توقعات غير ملائمة, وهذا ما اشار اليه المحلل الامريكي كينيث كاتزمان في مقالة في مجلة (ميدل ايست ماجازين) في عدد فبراير الحالي, حيث قال (ان استراتيجية او سياسة السرية من الممكن أن تفقد صدام حسين توازنه بدرجة اكبر من الاستراتيجية الحالية, وذلك لأنه في هذه الحالة سوف تصبح انشطة الولايات المتحدة ودعمها لبعض الجماعات اقل عرضة للملاحظة, بالاضافة الى ان هذه الاستراتيجية قد تساعد واشنطن في العمل مع جماعات اخرى داخل العراق أو بعض قادة الأمن الذين قد يقومون بتنظيم انقلاب ضد صدام ومن ثم الاطاحة به) . وبالتالي فإن الحكم على نجاح السياسة الامريكية الجديدة تجاه العراق مرهون بقدرتها على تحقيق أهدافها كاملة وفي وقت قصير, وقبل أن تبدأ الآثار السلبية لهذه السياسة في الظهور, وبالطبع فإنه لا يوجد حتى الآن اي دليل على قدرة الولايات المتحدة على تحقيق أهدافها بسرعة, الأمر الذي يضع هذه السياسة موضع الشك. تغير متوقع نحو ايران اما بالنسبة لايران فقد اعلن ادوارد ووكر خلال جولته الاخيرة ان ايران شهدت العديد من التطورات المشجعة في الآونة الاخيرة وانه من المحتمل ان تكون هناك تغييرات في السياسة الامريكية تجاهها والواقع ان الادارة الامريكية بدأت تدرك ان الحوار مع ايران بات ضرورة ملحة وقد اشارت بعض التقارير الصحفية الى ان الادارة الامريكية ومنذ مجيء خاتمي حرصت على فتح قنوات للحوار مع ايران عبر قنوات دبلوماسية وسيطة ومنها سويسرا انطلاقاً من الاعتبارات التالية: ـ تصاعد الأصوات داخل الولايات المتحدة والداعية الى ضرورة اعادة النظر في السياسة الامريكية تجاه ايران, فقد قال زيجينو بريجنسكي مستشار الامن القومي السابق في ادارة كارتر (ان الولايات المتحدة لا ينبغي ان تمضي في عزل ايران, فنحن نحتاج الى علاقة استراتيجية معها في المدى البعيد اذا كنا ننشد الاستقرار ليس فقط في الخليج وانما ايضاً في آسيا الوسطى) . ـ تعرض الادارة الامريكية لعدة ضغوط من قوى سياسية واقتصادية تشجع على تطبيع علاقاتها مع ايران مثل مؤسسات النفط الامريكية وشركات تصنيع الأسلحة. ـ أهمية ايران الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة حيث اصبحت واشنطن تدرك ان استراتيجيتها للسيطرة على مناطق الطاقة في الخليج وآسيا الوسطى ستظل تفتقر الى الاستقرار في غياب التفاهم مع ايران وحفظ دورها الاقليمي بذراعيه الغربية في الخليج. ونتيجة لهذه المعطيات, بدأت الولايات المتحدة ترسل اشارات تقاربية الى ايران منها على سبيل المثال: * تم تعديل الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة على تجارتها مع ايران بحيث اصبح من المسموح به بيع الغذاء والدواء لايران وذلك في يوليو 1999. * تم ازالة اسم ايران من قائمة اكبر الدول انتاجاً للمخدرات في ديسمبر 1998. * قيام وزارة الخارجية الامريكية بتصنيف المنظمة المعارضة الايرانية الرئيسية كإحدى المنظمات الارهابية. * اعتذار الرئيس الامريكي بيل كلينتون لايران عما تعرضت له من ظلم السياسات الامريكية والغربية على مدى نصف قرن, ويعني هذا الاعتذار تحولاً جذرياً في السياسة الامريكية تجاه ايران, ويعبر عن رغبة امريكية صادقة في اجراء حوار فعال مع ايران, بهدف اشراكها مستقبلاً في الترتيبات الامنية في المنطقة. قيود امريكية لقد تعاملت الاستراتيجية الامريكية الجديدة مع ايران في ضوء مستجدات الوضع السياسي للمؤسسة الحاكمة وخاصة منذ وصول خاتمي الى السلطة في ايران, ولكن مضي الادارة الامريكية في اجراء حوار مع ايران يصطدم بالقيود التي تفرضها واشنطن نحو اتمام هذا الحوار, فالولايات المتحدة الامريكية تربط بين الانفراج في العلاقات مع ايران وبين ضرورة تخليها عن دعم حزب الله وعرقلة مساعي التسوية مع اسرائيل والتوقف عن امتلاك اسلحة الدمار الشامل. ولكن مع هذا كله فإنه من الملاحظ ان السياسة الامريكية الراهنة تجاه ايران تشير الى استخدام واشنطن للغة دبلوماسية شفافة ذات أهداف استمالية, توضح الأهمية التي تتوقعها الولايات المتحدة لمستقبل العلاقة الايجابية بينها وبين ايران, بما يخدم مصالحها الاستراتيجية في المنطقة والتجارية والاقتصادية داخل ايران. مما سبق يمكن استنتاج ما يلي: اولاً: تأتي جولة ادوارد ووكر مساعد وزيرة الخارجية الامريكية في اطار الاستراتيجية الامريكية الرامية الى تأكيد الالتزام الامريكي بضمان امن الخليج, واستمرار التواجد العسكري الامريكي في المنطقة, مع امكانية اعادة النظر وفقاً للمتطلبات الامنية. ثانياً: يمثل اعلان ادوارد ووكر ان الولايات المتحدة لم تعد تتعامل بمفهوم (الاحتواء المزدوج) اسقاطاً لهذه الاستراتيجية, ودليلاً على فشلها, وان الادارة الامريكية بدأت في تغيير سياساتها الخليجية وخاصة تجاه العراق وايران وفقاً للمعطيات والتغيرات التي شهدتها المنطقة في الآونة الاخيرة. ثالثاً: هدفت جولة ووكر الى تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون وتعميق اواصر التعاون في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية. اجتماعات اعلان دمشق من المقرر ان يقوم وزير الخارجية المصري عمرو موسى بتوجيه الدعوات رسمياً الى وزراء خارجية الدول العربية السبع الاعضاء في تجمع اعلان دمشق خلال الأيام القليلة المقبلة, على أمل ان يلتقي مسئولو الدول الثمانية على هامش اجتماعات مجلس الجامعة العربية المزمع انعقاده في الفترة من 12 الى 13 مارس المقبل بمقر الجامعة بالقاهرة, هذا في الوقت الذي تكثف فيه الاتصالات بين العواصم العربية الثماني لتحديد جدول اعمال الدورة المقبلة التي ستركز كما هو منتظر في المقام الاول على تطوير آليات التعاون بشأن مجالات الاعلان الثلاثة السياسية والاقتصادية والثقافية الاعلامية. وتمثل هذه الاجتماعات ـ في حال انعقادها ـ اهمية جوهرية لاحياء اعلان دمشق الذي استمر تجميد العمل به لمدة ثلاث سنوات متصلة, كما انه ينتظر ان تطرح خلاله ورقة عمل خليجية تم الموافقة عليها واقرارها بالاجماع في قمة مجلس التعاون الخليجي الاخيرة التي انعقدت في الرياض في شهر نوفمبر الماضي وتتعلق بتنشيط واحياء فعاليات الاعلان وتكثيف التعاون والتنسيق في المجالات السياسية والأمنية بهدف الوصول الى صيغة ملائمة لتصورات الترتيبات الامنية في الخليج والتعاون السياسي بشأن جوهر وشكل العلاقة بين دول الاعلان الثماني مع ايران وتوحيد الرؤى بشأن العراق ووضعيته وسبل التعامل مع أزمته الحالية في المحافل العربية والدولية والموقف النهائي بشأن جميع التحركات العربية لتحقيق المصالحة العربية, كذلك فإن الاجتماع المقرر انعقاده في مارس المقبل سيعطي دفعة قوية في اتجاه التأكيد العربي على الرغبة في ازالة الخلافات الجانبية الثنائية ودعم مسارات التسوية السورية اللبنانية الفلسطينية, لا سيما في ظل تلك الاجواء التي سادت لفترة وقيل خلالها ان قطيعة بين الجانب المصري من جهة والسوري والسعودي والكويتي والاماراتي من جهات اخرى نتيجة بعض المشكلات التي لا تخلو منها المنطقة, الامر الذي يعزز الطرح المصري ـ وخاصة بعد جولة مبارك الخليجية في الشهر الماضي وزيارته لدمشق على اثرها ـ لتطوير وتفعيل مجالات التعاون والتنسيق بين دول الاعلان, لا سيما ما يتعلق منها بتوحيد المواقف بشأن عدد من التطورات العربية الشرق اوسطية المهمة وفي مقدمتها عملية السلام وتوفير الدعم للطرفين السوري والفلسطيني بالاضافة الى مستجدات الازمة العراقية والوضع في الخليج والعلاقات العربية الايرانية. كما تأتي اهمية الاجتماع المنتظر في ظل وصف حُسب على وزير الخارجية المصري لفترة ليست بالقليلة عندما قال ان اعلان دمشق (مغشي عليه) فيما اعتبره بعض المراقبين انعكاساً لتزايد الاحتقان المصري من عدم تفعيل التجمع والتزام اجندته كما كان مقرراً حين تأسس غداة تحرير الكويت. الأمر المثير للانتباه ان الوصف الاخير لموسى الموجه لاعلان دمشق والذي اعتبر انه مغشي عليه, جاء في وقت كان مقرراً فيه ان يعقد وزراء خارجية دول التجمع اجتماعاً لهم في اكتوبر الماضي ,1999 لكن المحللين القوا باللائمة على بقية دول الاعلان لأنها لم تحسم امرها في جدوى الاعلان ومدى رغبتها في ضخ دماء جديدة في شرايينه, لا سيما ان نتائج القمة الاخيرة لدول الاعلان التي استضافتها الدوحة قبل 20 شهراً لم يتم تفعيلها حتى الآن خصوصاً على الصعيد الاقتصادي, وجرت اتصالات لعقد الاجتماع التالي في الكويت في اغسطس 1999 قبل ان يتم التوافق على نقله الى القاهرة ليعقد في اكتوبر من العام نفسه ومن ثم تأجيله ليعقد في مارس المقبل, ولا يدري ان كان سيتم التأجيل مجدداً ام لا, لكن عدم تحديد وزراء خارجية دول الاعلان موعد دورته المقبلة عبر الاتصال بالدولة المضيفة يعكس رغبة في التأجيل وهي التجربة التي تسبق في العادة كافة الانتقادات التي وجهها موسى قبلاً الى دول الاعلان نتيجة لذلك. ازمات ومشكلات وعلى الرغم من ان الاعلان منذ توقيعه في مارس 1991 قد تعرض للعديد من الأزمات والمشاكل التي هددت بعضها بوأده في مهده مثل تغيير بعض بنوده والخلافات بين دوله, الا ان ايا من هذه الازمات لم يؤد الى تأجيل اجتماعاته وتجميد نشاطاته بالصورة التي تعرض لها منذ العام قبل الماضي لاعتراض دول الاعلان على استضافة قطر لمؤتمر الدوحة الاقتصادي الذي حضرته اسرائيل وما تلى ذلك من تصعيد للتوتر بين القاهرة والدوحة, الامر الذي ادى الى سيادة عدة انطباعات ذات دلالة اهمها: ـ الاحساس بعدم اهمية الاعلان سواء على الساحتين الرسمية والشعبية وخاصة ان بياناته الروتينية والمكررة وغير المرغوب في تفعيلها منذ انشائه وحتى الآن وعدم تضمينه لأي آليات محددة لتنفيذ الاهداف الطموحة والبرامج المأمولة, جعل من الصعوبة بمكان ان ينمو احساس عربي شعبي ورسمي بضرورة الاعلان واعتباره مجرد مظهر من مظاهر التحرك العربي لا يسمن من جوع ولا يغني من خوف ـ على حد وصف بعض المحللين ـ. ـ واذا اخذنا في الاعتبار تلك الخلافات التي انطوت عليها توجهات دول الاعلان الثماني وخاصة على صعيدي الترتيبات الامنية المنتظرة والعلاقات مع العراق ـ حكومة او شعباً ـ فقد اسفر الوضع عن تراجع الآمال العربية التي برزت حوله عند ظهوره, وساد انطباع بأن حالة التشرذم العربي قد تجاوزت في وطأتها حد الاختلاف حول القضايا المطروحة على الساحتين الاقليمية والدولية وعدم القدرة على اتخاذ موقف موحد تجاهها الى حد عدم القدرة على مجرد الاتفاق لعقد الاجتماع والالتقاء للتشاور بشكل منتظم, بحيث اصبح الاتفاق على ذلك انجازاً في حد ذاته بصرف النظر عن الموضوعات التي ستتم مناقشتها او المواقف التي ستتخد تجاهها. ـ كان متصورا ان تكون الخلافات بين دول الاعلان سببا في اثارة النزاع حو جدواه ولكنها تجاوزت ذلك الى عدم الالتزام بالمبادىء العليا التي تحكم هذا العمل وهي التضامن وعدم تغليب المصلحة القطرية الامنية علي المصلحة القومية الاستراتيجية المشتركة, وكان من المؤمل ان يمثل الاعلان قوة دفع في قاطرة العمل العربي الموحد وخاصة باعتباره الصيغة الجامعة ـ الامنية والسياسية والاقتصادية ـ الوحيدة التي ظهرت بعد حرب الخليج الثانية, لكن فشل اجتماعات التجمع وصعوبة عقد بعضها وعدم قدرتها على الاجتماع سواء بشكل منتظم او حتى بشكل طارىء لمعالجة قضايا التوتر العراقي الامريكي الذي وصل الى حد العمل العسكري شبه اليومي ومن ثم تصاعد القوة الايرانية في المنطقة والخلافات التي نجمت بين بعض دول الخليج بسبب التقارب مع طهران والتهديد الناجم عن التحالف التركي الاسرائيلي وتهديد انقرة باستخدام الخيار العسكري ضد سوريا ـ كل ذلك ـ جعل من قصور اداء الاعلان عن القيام بدوره المناط به حقيقة ماثلة امام الاعين تستلزم البحث في جذورها وعلاج اسباب هذا القصور. ـ وبالفعل وبناء على مراحل الترنح ومن ثم الاحتضار والغيبوبة وغير ذلك من اوصاف اتهم بها الاعلان, فقد وجدت دوله ضرورة في استرجاع واستيعاب الحقيقة الماثلة بهدف تفعيل دور ومسيرة الاعلان وتجنيب حالة الانعكاس العربي المتردي للاوضاع على دول الاعلان, خاصة بعد فشل عقد القمة الشاملة والتعثر في الجهود المبذولة لاقامتها بشكل منتظم وتحديد جدول اعمالها وصفة المشاركين وآليات وبرامج التنفيذ, وذلك استنادا الى المقولة التي تفيد انه ليس من المصلحة العامة في ظل الوضع الحالي ان يتم انهاء اي تجمع عربي لا الخليجي ولا التجمع المغاربي ولا اعلان دمشق باعتبار ذلك ـ وخاصة الاخيرة ـ بمثابة (شعرة معاوية) التي يجب الابقاء عليها لتعمل تحت مظلة الجامعة العربية (العباءة الام) طالما انها تعزز ولو نسبيا التضامن العربي. افكار لتفعيل الاعلان ولذلك طرحت العديد من الافكار لتفعيل الاعلان وتجنيب الخلافات التي تسببت في تعطيل دوره وخاصة على صعيد تجاوز محنته الحالية ومسيرة الركود والاخطاء السابقة او على الاقل وأد محاولات تجميده من جانب البعض بوعي او دون وعي وضخ دماء جديدة لجسد الاعلان عبر تعديل كامل لجميع بروتوكولات التعاون وآليات العمل, وتبني احدى دوله الكبرى لمبادرة جديدة وعاجلة تعيد الحيوية والنشاط للاعلان. ويبدو ان المحاولة المصرية تصب في هذا الاطار خاصة انها تترافق مع طرح خليجي مشترك وحاجة سورية ملحة لتفعيل هذا التجمع والدور الذي يمكن ان يؤديه في المستقبل. ويضم الاعلان الركائز الاساسية ـ في نظر البعض ـ لتحقيق ما تصبو اليه شعوب ودول المنطقة, فاستنادا الى مبادىء الجامعة العربية وميثاق الامم المتحدة واحترام حسن الجوار وعدم التدخل في شئون الغير وتعزيز اوجه التعاون المختلفة لمواجهة التحديات التي تتعرض لها الامة امنيا واقتصاديا وسياسيا, تضمن الاعلان عدة جوانب للعمل والتفاعل اهمها: أـ الجانب الامني: اذ ينص الاعلان على احقية دول الخليج في الاستعانة بقوات مصرية او سورية او اي قوات اخرى وفق تفاهم ثنائي. ب ـ الجانب الاقتصادي: ويفترض الاعلان تعزيز المقومات الاقتصادية وتبني سياسات موحدة من شأنها تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة تمهيدا لاقامة تجمع اقتصادي عربي وتشجيع القطاع الخاص في الدول العربية على المشاركة في عملية التنمية. ج ـ الجانب الثقافي: حيث اكد الاعلان على اهمية دعم دور مراكز البحث العلمي وتسهيل عملية الاتصال فيما بينها والاستفادة من الخبرات والموارد البشرية في مجال التبادل الثقافي والعلمي مع مراعاة احترام قيم الدول المشاركة وتقاليدها وعدم التدخل في شئونها الداخلية. وعلى هذا المنوال كانت الرغبة في تعزيز التضامن المشترك حيث أعربت الوثيقة عن استعداد دولها للاستمرار في القيام بدورها في تحقيق الامن والاستقرار واقامة السلام في المنطقة, وعكست الوثيقة ايضا رغم الازمات التي مرت بها ربطا جيوستراتيجيا ما بين دول الخليج والوطن العربي الشامل في صورة مشاركة مصر وسوريا وهو ما يجسد نظاما امنيا واحدا يجمع مابين الموقع الحيوي والوزن الاستراتيجي والعمق الطبيعي للاطراف المشاركة فيه. ومن غير المتصور ان تغفل الاطراف الثلاثة في دول الاعلان عن هذه الميزات التي يحققها ومن ثم فانه من الطبيعي ان تفعل ادواته وتوجد السبل لزيادة متانته واواصر دوله, على الرغم من الغموض والتردد الذي اكتنف بعض بنوده وخاصة على صعيد اساليب وآليات التنفيذ وخطوات تحقيق ذلك البناء الكبير من العمل الامني المشترك. اسباب التعثر ولا غرو في هذا الشأن ان تطرح مجموعة من الاسباب والعوامل التي ادت الى تعثر الاعلان منذ انشائه وحتى الآن وتصب معظمها في: 1ـ عدم تحديد الاعلان اجراءات واقعية بتحويل الرؤية القانونية الواردة في ميثاقه الى واقع عربي ملموس ممثلا في نظام أمني مقترح, اذ احال الوضع المأمول الى مرجعية قانونية اقليمية قديمة وهي معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي المبرمة عام 1950 دون ان يتلمس طريقه بمفرده ودون ان يدرك ان هذه الاحالة كانت على وضع لم يحقق شيئا يذكر طوال نصف قرن على الاقل فقد كان من الاجدر به ان يضع بنودا وآلية معينة قد تستلهم الجماعية العربية والا تقفز على المنجزات التي تحققت في هذا الشأن ولكنها لابد ان تراعي الواقع الجديد. بما فرضه من اوضاع ومستجدات. ونتيجة لذلك بدأت التناقضات تدب في صفوف دول الاعلان اذ ظهر الانقسام فيما بين الرؤية المصرية والرؤية الخليجية للترتيبات الامنية الواجب ان تحقق في المنطقة. 2ـ ظهر نوع من التناقض بين اطراف الاعلان في موقفهم تجاه كل من ايران والعراق, فبينما رفضت مصر اي دور قوي او مؤثر لايران في ترتيبات الامن في الخليج بعد الحرب معتبرة ان اي شكل من اشكال الدور الايراني لابد ان تكون في اطار معين ومحدد ووفق شروط تحد من امكانيات الهيمنة وتتصدى لنمو بذور الاطماع الاقليمية, واعتبرت ان هناك وسائل اخرى يمكن التعامل بها مع حقيقة المسألة العراقية كعامل من عوامل التوازن العربي وعنصر استراتيجي خليجي لا يمكن اغفاله في الترتيبات الامنية المنتظرة, لكن الدول الخليجية تراوح موقفها من الجارين اللدودين ما بين مرحب للدور الايراني ومؤيد من حيث المبدأ او متحفظ الى رافض لوجود استمرار نظام الحكم في بغداد. 3ـ النكوص العملي والتراجع الواقعي عن اعلان دمشق وذلك بعد ان اعلن عن تعديلات جوهرية في ميثاقه في 19 يوليو 1991 مما افقد الاتفاقية روحها وفحواها والاهداف الحقيقية المبتغاة منها, اذ تم التراجع عن فكرة قوة السلام العربية كنواة لضمان امن وسلامة دول الخليج, وكذلك الامر ايضا بالنسبة للتعاون الاقتصادي, فرغم ان الصياغة الاولى للاعلان لم تتضمن نصوصا ملزمة محددة في هذا المضمار, فان الصياغة الجديدة جعلت الامر اكثر مرونة حيث نصت على تبني الدول الاطراف لسياسات اقتصادية تجميعية تمهد لاقامة التكامل الاقتصادي المنشود دون اشارة الى عناصر او مقومات ذلك التنسيق والتعاون الواجب اتباعه لاقامة التكامل الاقتصادي. 4ـ لا يخفى على كثير من المتابعين تعدد الخلافات الثنائية بين دول الاعلان وبعضها البعض واثرها على تماسك هذا التجمع, ومنها على سبيل المثال لا الحصر الخلاف بين قطر ودول المجلس ومصر بسبب استضافة الاولى مؤتمر الدوحة الاقتصادي, الخلاف المصري السوري بسبب استئناف الاخيرة لمسار السلام دون التشاور مع القاهرة التي دعت الى ضرورة الانتهاء اولا من المسار الفلسطيني, الخلاف بين القاهرة والرياض على اثر تدخل الاخيرة في حل قضية لوكيربي محتلة بذلك مكانة الاولى في احد ملاعبها الرئيسية, الخلاف البحريني القطري والاماراتي السعودي بسبب تقارب الاخيرة مع ايران على حساب قضية الجزر الثلاث في الخليج المتنازع عليها بين الاولى والاخيرة .. هذا بخلاف كم من التباينات حول قضايا السلام وأمن دول الخليج والتطبيع مع اسرائيل والشأن الاقتصادي وغير ذلك. معالجة التناقضات ولا يمكن انكار حقيقة حدوث تقارب بين دول الاعلان الثمانية وخاصة في الفترة التي تلت جولة مبارك الخليجية, لكن هذه الجولة لم تقض على الخلافات والتباينات في مجملها وما زال جوهر التناقض قائما او على الاقل منطق مصلحة كل طرف يتغلب على مصلحة الآخرين, حيث تهدف دول الخليج الى الابقاء على الاعلان تحسبا لحدوث اي ازمة اخرى في الخليج على غرار تلك التي حدثت في اغسطس 1990, اما سوريا فانها تريد مساندة الاعلان لها في مواجهة اسرائيل وتركيا بالاساس, بينما تنظر مصر اليه على انه اطار اقليمي لحركتها في ظل عدم انتمائها الى اي تجمع اقليمي عربي. وتطرح عودة اجتماعات اعلان دمشق في القاهرة في الثاني من مارس المقبل تساؤلا رئيسيا مفاده: هل يستطيع هذا التجمع بمثل حالته الحالية واوضاعه المتردية والتحديات التي يواجهها ان يتجاوز المحنة الراهنة وهل يمكن ان يقدم شيئا خلال المرحلة المقبلة حتى لو توفرت لدى دوله الرغبة في الابقاء عليه وتفعيله (نسبيا) والاجابة على ذلك التساؤل تتطلب من دول الاعلان مبادرة لاصلاح ذات البين وتجسيد العمل المشترك وفق ارضية محددة وضمانات معينة, ولن يتم ذلك الا باعادة تعريفه وتحديد وظائفه الجديدة والاطار السياسي والاقتصادي الذي يتحرك فيه وكيفية التعامل مع الانفتاح الايراني الحالي والمنتظر في حال فوز الاصلاحيين في الانتخابات التشريعية المقرر اجراؤها خلال هذا الشهر, وشكل التعاطي مع عراق صدام اذا استمر على رأس السلطة في بغداد, ومدى النجاح في موازنة الافكار الامريكية والغربية عموما التي تؤكد ان المنطقة تواجه بخطرين ـ ايراني عراقي ـ يجب مواجهتهما وهو ما يعني ان على دول الخليج ومصر وسوريا مراعاة اصرار اطراف اخرى غيرها على المشاركة في صياغة امن المنطقة وتوجهاتها المستقبلية, علما بان تلك الاطراف الاخرى تختلف رؤاها شكلا ومضمونا ليس فقط عن رؤى كل من مصر وسوريا ودول الخليج الست في مجموعها بل تختلف بين كل من القاهرة ودمشق وعواصم دول الخليج الفردية كل على حدة.