عرض العضلات العسكرية الذي مارسه ايهود باراك بقصفه محطات الكهرباء في لبنان, قابله عرض ارادات سياسية مارسه حسني مبارك بزيارته المفاجئة الى لبنان, وهي الاولى لرئيس جمهورية مصر. بهذه الزيارة ـ الحدث اعاد حسني مبارك التوازن الى لعبة الشرق الاوسط, رفع سقف التضامن العربي مع لبنان ازاء التضامن الامريكي مع اسرائيل , وبسط مظلة عربية واقية في وجه نوايا اسرائيل في الاعتداء على لبنان, في لحظة يمارس فيها اللاعبون سياسة شفير الهاوية. قد يكون احيانا التوقيت في الحركة بأهمية الحركة نفسها, فقد جاءت هذه الزيارة في اوج التوتر العالي بين لبنان واسرائيل: ايهود باراك يدمر البنى التحتية اللبنانية ووزير خارجيته يهدد (بحرق) لبنان وحكومته تشكل (ترويكا) وزارية للرد الفوري على (حزب الله) , واميل لحود يتهم اسرائىل (بالنازية) ويعلن استعداد الجيش اللبناني لضرب المدنيين والمنشآت المدنية في اسرائىل في حال ضرب الجيش الاسرائيلي المدنيين والمنشآت المدنية في لبنان. كما جاءت الزيارة عقب كسر الجليد بين القاهرة ودمشق. فقد اراد حسني مبارك ان تعود مصر الى المشرق العربي من البوابة اللبنانية, غير انه لا يريد ان تحل مصر محل سوريا في لبنان, ولو اراد هذا الامر فانه يدرك صعوبته حتى لا نقول استحالته. فالرئيس المصري يعمل على اساس ان مصر قوة مساندة لسوريا في لبنان, وليس قوة بديلة او موازية لها. وهو يدرك ان الثقل السوري في لبنان لا يضاهيه اي ثقل آخر. يعرف بداهة ان سوريا تحتاج الى الثقل المصري في الشرق الاوسط. فكما فرنسا, ومعها المجموعة الاوروبية, ترغب في ان تلعب دورا مساندا للولايات المتحدة الامريكية في الشرق الاوسط , فان مصر, ومعها مجموعة عربية, ترغب في ان تلعب دورا مساندا لسوريا في لبنان, ولا ادل على هذا الامر من حرص الرئيس المصري على الاتصال بالرئيس السوري قبل وصوله الى بيروت, وحرص بيروت والقاهرة على استصدار بيان مشترك يتضمن فيما يتضمن التأكيد على تلازم المسارين اللبناني والسوري ومطالبة اسرائيل بالانسحاب من لبنان حتى الحدود المعترف بها دوليا, ومن الجولان حتى حدود الرابع من يونيو 1967, بالاضافة الى دعم المقاومة في وجه الاحتلال الاسرائيلي وحق عودة الفلسطينيين الى ديارهم. تأتي مصر الى لبنان لتؤكد اهتمامها بالمسارين اللبناني والسوري الى جانب اهتمامها المزمن بالمسار الفلسطيني, لا تأتي لصالح طرف داخلي ضد طرف داخلي او لتنافس دولة ضد دولة, فهي تأتي لتجمع كل الاطراف اللبنانيين حول دولتهم, ولتجمع كل العرب حول لبنان المتحد. وما من شك ان حسني مبارك التقط النبض العربي المكبوت, ولا سيما النبض المصري الذي عبرت عنه تظاهرات الطلاب في جامعات القاهرة, ليستعيد وهجا فقدته مصر منذ توقيعها معاهدة كامب ديفيد. اسرائيل رأت في هذه الزيارة (اعلان حرب) عليها وخروجها عن اتفاقية الصلح معها, اما حسني مبارك فارادها لمنع اشتعال حرب جديدة وخطوة على طريق العودة الى (تفاهم نيسان) واحياء المسارين السوري واللبناني, ولا يفوتنا ان لمصر علاقات خاصة بالولايات المتحدة الامريكية, وان الادارة الامريكية تستمع بكثير من التأني الى نصائح القاهرة وتنظر بكثير من الاهتمام الى سلوكياتها, مصر لا تزايد على احد ولا تحابي احدا, لا تفتش عن شعبية رخيصة ولا تخرج عن قواعد اللعبة التي باتت معروفة لديها بشكل تفصيلي. لقد فهمت اسرائيل الرسالة المصرية فغضبت, لكنها سارعت الى ايفاد كبير مستشاريها الامني داني ياتوم الى مصر فور عودة رئيسها من بيروت بغية شرح موقفها من لبنان, لكن الشروحات لم تنفع فما تفعله اسرائيل بلبنان (غير منطقي) و (غير مقبول) على حد قول الرئيس المصري. ان الحكم العربي على اعمال اسرائيل بات مبرما. وتشاء الصدف ان تتزامن الزيارة المصرية للبنان مع حدثين, الحدث الاول يتعلق بالماضي, ففي شهر فبراير 1958 اعلنت الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا برئاسة جمال عبدالناصر . والحدث الثاني يتعلق بالحاضر, ففي شهر فبراير 2000 زار البابا يوحنا بولس الثاني مصر ولاقاه من لبنان البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير. واذا ما سأل سائل عن العلاقة بين الحدثين, لاجبت بداهة انها العلاقة الخاصة التي تربط لبنان بكل من سوريا ومصر والفاتيكان, ما تقوله مصر بلبنان يقوله الفاتيكان فيه. وهموم مصر تتقاطع وهموم الفاتيكان في ازمة الشرق الاوسط, ولا سيما في لبنان والتاريخ لا يتوقف.