اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني الذي بدأ في اواخر ابريل الماضي وبقي مفتوحا دون ان يلتئم شمله الى اليوم, كان من اسخن وابرز القضايا التي تناولها موضوع اعلان الدولة الفلسطينية. وبقاء الاجتماع مفتوحا لاكثر من عشرة اشهر سابقة قانونية ووضع ربما فرضته التطورات المتسارعة في المنطقة . لكن مدير مركز جنين للدراسات الاستراتيجية توفيق ابو بكر يروي مشاهداته ويتحدث عن مشاركاته في الاجتماع الذي تناول قصة اعلان الدولة. جاء الأعضاء لاجتماعهم الأخير على شواطئ غزة بحضور 112 عضوا وهو أعلى رقم حضور منذ تشكيل المركزي في النصف الثاني من الثمانينيات, وقد تراجع ضغط إعلان الدولة بالطريقة الدراماتيكية التي كانت مطلوبة في إبريل الماضي, وساد منطق أكثر هدوءا وبقيت بعض الأصوات التي تطالب بإعلان الدولة فورا .. هكذا, وتطالب ببسط سيادة الدولة على الأراضي المحتلة عام 1967 وهذا ما سأناقشه بشيء من التفصيل. جاء قرار المجلس على النحو التالي: "تجسيد سيادة الدولة هذا العام, إذ يؤكد المجلس أن دولة فلسطين هي الحق الطبيعي للشعب الفلسطيني وعلى أساس قرار 181 2/د , وان منظمة التحرير هي المرجع الأعلى لهذا القرار غير القابل للنقض, لقد تبلور توافق دولي على إنجاز التسوية خلال عام, وهذا ما أخذه المجلس المركزي بعين الاعتبار ويكلف اللجنة التنفيذية بمتابعة واستكمال أعمال اللجان بما في ذلك لجنة الدستور, وقد أخذ المجلس بالاعتبار انعقاد الألفية للأمم المتحدة, وأكد ضرورة مشاركة فلسطين كدولة مستقلة في الألفية للجمعية العامة". هذا هو النص الحرفي للقرار, كانت الصيغة المقترحة من لجنة الصياغة تتحدث عن الإعلان في سبتمبر المقبل وهو نهاية فترة المفاوضات النهائية حسب اتفاق شرم الشيخ, ولكن الرئيس عرفات طالب بتعبير أكثر شمولا: "يتحدث عن إعلان هذا العام" دون الالتزام بموعد سبمتبر, وذلك لإبقاء الأنفاس محبوسة ولإبقاء العالم في حالة من احتمال إعلان مفاجآت, وهو القائد البارع في مثل هذه التكتيكات طوال حياته. لم يعترض أحد والقرار سابق الذكر لم يعترض عليه أحد, وإن كان البعض قد سجل المواقف في أثناء الخطابات المطولة التي صبر عليها رئيس المجلس سليم الزعنون بحكمته البالغة وهدوئه العنيد. فالتوافق يتحدث عن تجسيد إعلان الدولة ببناء المؤسسات واستكمال معالم الدولة التي سبق إعلانها في نوفمبر 1988 في المجلس الوطني الذي انعقد في الجزائر وقال عنه في حينه محمود درويش وهو أحد كتاب وثيقة الاستقلال وكاتبها الرئيسي بأننا أعلنا "دولة من لغة", لكنها تتحول الآن إلى دولة من شعب وأرض وبضع مؤسسات تحتاج استكمالا لا يتطلب الاستعجال حتى لا ينهار كل شيء. لا مجال للمغامرة في موضوع من هذا النوع ولا مجال للحديث حول "قلب الطاولة" حين كنا لا نخسر شيئا في عواصم الشتات من مثل تلك السياسات-التكتيكات- فقد تغيرت الدنيا وزلزلت الأرض زلزالها. لقد نقلوا, وناقل الكفر ليس بكافر, عن المفاوض الإسرائيلي عوديد عيران أنه قال للمفاوض الفلسطيني الذي يجلس قبالته: ياسر عبد ربه, إننا لن نمانع حتى لو أسميتم الدولة إمبراطورية إذا كانت ستتم بطريقة وحدود نقبل بها, وهذا ما كنت أكتبه على الدوام. فالإعلان المتسرع لدولة على ثلث أراضي الضفة الغربية يعني أنها دولة بهذه الحدود حتى لو قالت في الإعلان أنها تطالب بما تبقى من أرض ونحن نطالب بذلك منذ عقود من الزمن. تحدث أبو مازن بمنطق دقيق وسهل ممتنع, كعادته, حول موضوع إعلان الدولة, قال أبو مازن الذي لم يشارك في اجتماع المجلس المركزي السابق حيث كانت صيحة إعلان الدولة تطغى على كل شيء, إن الوطن يُبنى رجلا بعد رجل ومترا بعد متر وهي مقولة للزعيم الصهيوني ديفيد بن جوريون الذي يحاول قادتنا, وهم على حق, بأن يدققوا في سياساته البراجماتية التي أدت لانتصاره وإقامة الدولة العبرية, وقد كنت أرى منذ زمن بعيد ولم أزل, أن الكثير من سياسات ياسر عرفات تشكل الوجه الآخر لسياسة خصمه العنيد بن جوريون, وكلنا أمل أن تشكل مقدماتنا نهاية مشابهة لمقدمات ذلك الزعيم الصهيوني الذي يعتبر من أكثر قادة العالم نجاحا في القدرة على اشتقاق التكتيكات واستثمار الظروف ومعرفة اتجاه هبوب الرياح السياسية. حين سألوه ماذا تفعل بعد صدور الكتاب الأبيض عام 1939 والذي حاربه الصهاينة بشدة وقسوة, وكانت الحرب العالمية الثانية على الأبواب ومصلحة الصهيونية تقتضي الوقوف مع بريطانيا صاحبة الكتاب الأبيض. أجاب: نحارب الكتاب الأبيض كما لو أن الحرب العالمية الثانية لم تقع, ونقف مع بريطانيا في الحرب كما لو أن الكتاب الأبيض لم يصدر. وأكمل أبو مازن حديثه بما مضمونه أن الدولة تقام حين يكون هناك اندماج مجتمعي ولا يكون حديث عن عائد ومقيم وعن أبناء ضفة وأبناء غزة وعن مواطن ولاجىء, وحين نبني المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فك الارتباط د. نبيل شعث رأى في حديثه أمام المشاركين أن فك الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي هو مقدمة لا غنى عنها لإعلان الدولة, وذلك يعني بناء المؤسسات الاقتصادية حيث بدا متفائلا بحدوث تقدم في هذا المجال يضع اللبنات الصلبة لإعلاء صرح الدولة فقد بلغت نسبة النمو الاقتصادي, ولأول مرة, 5.4% آخذين بالاعتبار رفع الأسعار, ووفر الاقتصاد الفلسطيني 60% من الوظائف الجديدة, وتقلص مستوى البطالة إلى 10% في الضفة الغربية وإن كان قد بقي مرتفعا في قطاع غزة. وتحدث عباس زكي بنفس المنطق المعتدل حين رأى, خلافا لموقفه في الاجتماع السابق والناس تتعلم بالتجربة ومنها, رأى أننا لا نريد إعلان دولة بالصعود للشجرة مرة أخرى حيث يصعب النزول, فالدولة نتاج عوامل ونتاج بناء متدرج في كل المجالات. والدكتور ناصر القدوة ممثل المنظمة في الأمم المتحدة رأى أن اجتماع الأمم المتحدة الأول في الألفية الجديدة والذي سيحضره غالبية رؤساء دول العالم سيكون (مناسبة) لا يجوز تفويتها لتصبح فلسطين أول دولة تدخل الجمعية العامة في الألفية الجديدة عضوا كاملا غير منقوص يصححون به الخطأ التاريخي ويطبقون قرار الجمعية العامة لعام 1947 بإقامة دولتين في فلسطين: دولة عربية ودولة يهودية. ورأى القدوة أن غالبية دول العالم تؤيد هذا الحق الفلسطيني. نحن إذن أمام منطق جديد في هذه الدورة للمركزي ارتفع فيه صوت المنادين بالتعقل وبناء المؤسسات واستكمال الإجراءات السيادية كإقرار الدستور والعديد من القوانين المطروحة أمام المجلس التشريعي واستكمال البنى الاقتصادية وترسيخ الاعتراف العالمي بالسلطة الوطنية التي جاءها العالم في احتفالات بيت لحم, ففي الرابع من ديسمبر الماضي جاء ممثلو ثلاث عشرة كنيسة للقاء ياسر عرفات, وهو أمر يحدث لأول مرة في التاريخ المعاصر, حيث يجلس هؤلاء الممثلون معا أمام رئيس واحد. ولكن صوت المنادين بالاستعجال بإعلان الدولة فورا, و"فورا" سمعناها من ممثلي العديد من الفصائل في موضوع الدولة ووقف المفاوضات وموضوعات أخرى. كلمة "فورا" يجب أن لا تكون جزءا من القاموس السياسي المعاصر فهي كلمة تنتمي لماضي ثوري انحسر وتراجع وراء الأفق السياسي, إنها تعبير مكثف عن الرغبة في حرق المراحل وهو ما دفعت شعوب عديدة في هذا العالم ثمنا غاليا جدا له. إن استخدام هذه الكلمة في مداولات سياسية مسئولة حيث هناك الكثير مما يمكن خسارته خلافا لما كان عليه الوضع في الماضي, يعني استمرار نفس المنطق الذي ساد في عصر الثورة وفي "الشتات" فيما نحن نعيش مرحلة بناء الدولة التي تختلط معها مهمات تحرر وطني, بهذه الدرجة أو تلك, ولكنه استكمال لتحرر عن طريق مفاوضات شاقة وليس عبر الطريق الوحيد الإستراتيجي الذي كان قد تحدث عنه الميثاق الوطني: الكفاح المسلح. يبدو أن البعض منا لم يستوعب الحقائق الجديدة ولا يريد أن يرى بأن بناء الدولة مهمة مختلفة عن إدامة الثورة. الذئب والحمل الأكثر تشددا, وربما تطرفا, في هذه الدورة, في موضوع إعلان الدولة وفورا, كانت الجبهة الديمقراطية, وليس الجبهة الشعبية كما يتوقع المراقب السياسي المتابع لهذه الأمور. قال تيسير خالد ممثل الجبهة وعضو اللجنة التنفيذية (وأنقل بالنص الحرفي): "نحن من أنصار الدعوة لقلب الطاولة, قلب المعادلة بإعلان بسط سيادة السلطة على الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 ووضع الرأي العام العربي والدولي أمام مهمة التدخل حتى لا تتواصل هذه المفاوضات التي قد لا تنتهي, دعوا الذئب والحمل يتفاوضان: أيهما يأكل الآخر هكذا هي المفاوضات. وفي المذكرة المقدمة من الجبهة الديمقراطية كان النص المطالب بإعلان الدولة وفورا أكثر قوة وجاء فيه (وأقتطف من النص): "إننا ندعو المجلس للمبادرة الفورية لاتخاذ قرار يؤكد أن إعلان الاستقلال بات ساري المفعول على كافة أراضي الضفة وغزة والقدس, وأن أي وجود عسكري أو مدني للاحتلال ينبغي إزالته فورا, إن تعجيل الخطوات باتجاه الإعلان يتطلب أن يتخذ المجلس خطوة حاسمة بإعلان السيادة فورا". وهكذا وردت "فورا" ثلاث مرات في هذه الفقرة القصيرة, وقد شارك الديمقراطية هذا الرأي عدد من الفصائل محدودة الوجود والتأثير وكذلك عدد من المستقلين من بينهم سيد بركة أحد مؤسسي حركة الجهاد الإسلامي سابقا الذي طالب هو الآخر (وأنقل نصوصا حرفية) "بقلب الطاولة على رؤوس الجميع كإمكانية قائمة وفتح فوهة النار مجددا في قلب إسرائيل من جهة وصب الزيت على نار التوترات الإقليمية الكامنة وخلط الأوراق التي أنفقت أمريكا الكثير من الجهد والمال لترتيبها في الشرق الأوسط". وتحدث عضو المجلس التشريعي حسن خريشة بمنطق إعلان الدولة وفورا. لقد كان صوت المنادين بإعلان الدولة وفورا "محدودا" وأقل قوة من الاجتماع السابق. لقد اعتدلت حركة "فدا" في هذا الموضوع الحساس بعدما كانت قد طالبت في الاجتماع السابق بالإعلان الفوري مثل إخوانها الآخرين. في هذا اللقاء طالب صالح رأفت أمين عام الحركة بتشكيل لجنة تتابع تنفيذ الإجراءات السيادية المطلوبة التي تمكن من تجسيد إعلان الدولة. أما الجبهة الشعبية التي تحضر اللقاء لأول مرة, حيث أنذرنا أبو علي مصطفى بأنه سيتحدث مطولا بما يشكل تعويضا لثماني سنوات تغيب فيها عن اجتماعات المؤسسات الفلسطينية, فقد اتخذت موقفا معتدلا وواقعيا من مسألة إعلان الدولة. لم تطالب بالإعلان الفوري بل إنها التقطت مسألة في غاية الأهمية وهي التحذير من "بعض السيناريوهات وبخاصة الإسرائيلية والتي تستهدف مقايضة الاعتراف بالدولة الفلسطينية مقابل معاهدة سلام نتخلى فيها عن القدس وعن حق اللاجئين في العودة وعن أجزاء من الأراضي المحتلة عام 1967". هذا موقف هام ومسئول ويتحدث عن خطر محتمل إذا استمر بعض الأخوة في اعتبار إعلان الدولة بحد ذاته أولوية مطلقة. لا أعرف كيف يتحدث بعض الأخوة عن "قلب الطاولة" وعن منطق يقترب من القول: "علي وعلى أعدائي يا رب". مثل هذا المنطق الغريب يعني أننا لا نمتلك شيئا نخسره, ويعني أننا في حالة من اليأس وذلك أبعد ما يكون عن الصواب, إذ اننا نملك الكثير من المكتسبات التي لا يجوز لقيادة مسئولة أن تغامر بإمكانية خسارتها والعودة للمربع الاول. لم يسبق أن كان العالم كله متعاطفا معنا ومع حقوقنا الشرعية ومع ضرورة حصولنا على دولة مستقلة, كما هو اليوم. في دورة الجمعية العامة الأخيرة حصلنا على عشرين قرارا لصالح فلسطين وبأغلبية ساحقة جدا, دفعت بواشنطن, كما قال د. ناصر القدوة, أن تبتعد عن العمل الديبلوماسي ضد الديبلوماسية الفلسطينية والعربية, وأن تركز على إدخال إسرائيل لمؤسسات الاتحاد الأوروبي, بدلا من سياستها التقليدية السابقة في محاربة مشروعات القرارات ذات الصلة بالشأن الفلسطيني. ولم أتمكن بعد من استيعاب حكاية: "بسط سيادة الدولة" كما لو كان لدينا سجاد نريد أن نفرشه على الأرض. لقد أعلنا منذ زمن طويل حقنا في دولة على أراضي الضفة والقطاع, وقبلنا بمفاوضات ستستمر حتى سبتمبر المقبل وبعدها لكل حادث حديث. الإرادة وحدها لا تصنع المستقبل, دون توفر الإمكانات وكثيرا ما كتبت بأن التاريخ ليس حصانا تضربه بالسياط على قفاه فيسرع الخطى وأن لا أحد يملك أن يجر التاريخ من أنفه ليوقع له على مقولات جاهزة. لا بد في العمل السياسي والجماهيري أن تحتشد القوى لإنجاز ما يمكن إنجازه واقعيا, وقد كان المطلوب والذي التقطته الكثير من القوى السياسية هو التركيز على إنجاز الدستور وقوانين سيادية عديدة واستقلال الفضاء والإسراع في البناء ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب, فالعالم يساعد أولئك الذين يساعدون أنفسهم ونحن في عصر انتصار الوطنيات ولا أحد يريد استثناء "الوطنية الفلسطينية" إلا إذا استثنى الفلسطينيون أنفسهم بأنفسهم, عبر أداء متعثر لا يتناسب مع عالمنا المعاصر الذي يشكل احترام حقوق الإنسان عموده الفقري وكلمة السر لدخول نادي الأمم في القرن الجديد, أو عبر خطوات مستعجلة تؤدي لانهيار البنيان مثل الإعلان عن دولة قبل استكمال استعادة أراضي هذه الدولة. يصبح جزء من هذه الدولة: "دولة من لغة" على حد تعبير محمود درويش مع فارق كبير أننا هذه المرة سندفع ثمنا باهظا لكل كلمة ولغة, فقد تغيرت الدنيا وزلزلت الأرض زلزالها. الوضع النهائي ومن القضايا المهمة التي تناولها اجتماع المجلس المركزي مفاوضات الوضع النهائي. كنت أتمنى أن يأخذ (المركزي) قرارا بعدم الدخول الجدي في نقاش قضايا الوضع الدائم, قبل استكمال استحقاقات المرحلة الانتقالية وفي المذكرة الموزعة من دائرة شئون المفاوضات اتضح أن هناك اثنين وثلاثين استحقاقا انتقاليا لم يتم الوفاء بها وبأكثر مما كنا نعتقد جميعا. بعض ممثلي القوى السياسية طالبوا بالتركيز على إنجاز الانسحاب الثالث (وهو أهم الانسحابات) وبالتركيز على النازحين والأسرى باعتبارها ثلاثة استحقاقات كبرى, ذلك, والحديث لصالح رأفت, لا تستطيع حكومة باراك أن تقدم على انسحابات لثلاثة مسارات تفاوضية: سوريا ولبنان وفلسطين. لقد كانت الثغرة الأكبر في اتفاق شرم الشيخ هي قبول دمج المرحلة الانتقالية بالنهائية فالموافقة على بدء مفاوضات الوضع الدائم قبل إنجاز ما هو مطلوب إنجازه من استحقاقات انتقالية يعني فعليا وواقعيا ورغم كل التصريحات, قبول الدمج, وفي مقابل هذا التنازل الأكبر قدمت حكومة باراك تنازلات صغيرة في العديد من القضايا التي يفاخر صديقنا د. صائب عريقات بأنها تتميز في اتفاق شرم الشيخ عن اتفاقات سابقة. والدكتور عريقات قال أمام المجلس إن المفاوضين الإسرائيليين قالوا له: إذا كنا سننسحب من كل هذه الأراضي ماذا يتبقى إذن للمرحلة النهائية. وهذا هو الفخ الذي وقع فيه مفاوضنا الفلسطيني, وياسر عبد ربه رأى أكثر من ذلك حين قال إن محاولة توسيع بلدية القدس لتضم أحياء جديدة هو خطة لإعادة سحبها خارج المدينة في مفاوضات الحل النهائي باعتبار ذلك نهاية المطاف, وأن الإبقاء على رؤوس المستوطنات التي أقامها شارون في أواخر عهد حكومة نتانياهو هو جزء من تفكير إسرائيلي لإزالتها مع بعض المستوطنات الصغيرة في مفاوضات الحل النهائي. اتفاق الاطار لقد رأى مفاوض المرحلة النهائية ياسر عبد ربه أن الوفد الفلسطيني الذي يرأسه لن يوافق على اتفاق إطار فضفاض, فالذي اخترع فكرة اتفاق الإطار, والحديث لياسر عبد ربه, يقصد أن يكون مرجعية للاتفاق النهائي بما يعنيه ذلك من إلغاء للمرجعية التي تقوم عليها المفاوضات وهي قرارات ,242 338 الصادرة عن مجلس الأمن الدولي, ولهذا يرى المفاوض الفلسطيني ضرورة تحقيق اتفاق مفصل لكل قضايا الوضع النهائي دون تأجيل أي موضوع لأن التأجيل خطير, كما يجب أن يحتوي اتفاق الإطار على جداول زمنية وعلى خارطة واضحة للانسحابات النهائية, إذ اننا لن نقبل تحديد نسب في اتفاق الإطار ولا بد من توفر آليات للتنفيذ وسنقبل بترتيبات -فقط ترتيبات- للسلام النهائي, وكل هذه (الينبغيات) السابقة لصديقنا ياسر عبد ربه الذي لم يوضح لنا لماذا إذن وافق الجانب الفلسطيني على اتفاقية الإطار في شرم الشيخ وكان هذا البند غير موجود في الاتفاقات السابقة, إذا كان الأمر بمثل هذه الخطورة, وكيف سيجبر إسرائيل على تنفيذ كل هذه المطالب الفلسطينية, بالقوة الذاتية دون إعادة هيكلة التفاوض عربيا, خاصة أن المتحدثين المطلعين جميعا قالوا إن إدارة كلينتون لن تكون قادرة على المواجهة مع إسرائيل فيما تبقى من شهور قليلة لإدارته وحيث تأخذ الحسابات الانتخابية الداخلية الأولوية المطلقة, وهذا ما يتضح الآن من جولة دينيس روس الأخيرة إذ يبتعد تماما عن ممارسة أية ضغوط. يبدو أن الأخوة السوريين قد وقعوا في نفس الخطأ حين وافقوا على ما تسميه إسرائيل اتفاقية النواة Core Agreement وهو تعبير قريب في مضمونه من اتفاقية الإطار. رئيس اللجنة العليا للمفاوضات أبو مازن بدا متشددا في قضايا مفاوضات الحل النهائي حين تحدث عنها مطولا, خلافا للصورة السائدة عن اعتداله الشديد وعن إيمانه بالحلول الوسط فقد قال إنه لا مجال للخطأ في هذه القضايا التي ستحدد مصير الشعب الفلسطيني لأجيال قادمة, إذ ان التعامل بها ومعها كمن يتعامل مع صناعة المتفجرات: الخطأ يؤدي للموت والخطأ الأول هو الخطأ الأخير. الانسحاب من كافة الأراضي المحتلة بما في ذلك القدس هو المساومة والمصالحة التاريخية التي قبلنا بها وبموجبها تنازلنا عن أغلب فلسطين, ولا أحد يعمل مساومة على المساومة. عودة اللاجئين والتعويض على من يرغب أو لا يرغب في العودة هو موقفنا الذي تسنده الشرعية الدولية, والعودة لديارهم وليس لوطنهم فهذا هو الموقف المطلوب بدقة, دعوا ما تسمونه وثيقة أبومازن ـ بيلين, فهذا هو موقفنا النهائي وخطوطنا الحمراء, لقد أصدرنا تعليمات لمفاوضينا أن لا يشاركوا في أية ندوات أو مؤتمرات حتى لا يسجل عليهم الطرف الآخر ما قد ينطقون به في مثل هذه المنتديات. لقد نال أبو مازن إعجاب الحضور بهذا التشدد حتى ان مسئولا في الجبهة الشعبية قد قال لي إن ما قاله أبو مازن نقبل به وثيقة إجماع وطني شريطة الالتزام الدقيق بكل كلمة فيه, ملمحا إلى أن النزول عن هذا الحد المعلن هو احتمال قائم. لقد قال صالح رأفت إن أحد أسباب التشدد الإسرائيلي هو تجربتهم مع المفاوض الفلسطيني الذي يقدم التنازلات المطلوبة في نهاية المطاف. اغراء المساومة كنت أود أن أسأل أبا مازن عن إمكانية تحقيق أي طرف في المفاوضات كافة مطالبه المعلنة وهل حصل ذلك في أية مفاوضات في عالمنا المعاصر, ففي علم المفاوضات هناك ما يسمونه إغراء المساومة Temptation of Compromise حيث يدخل كل طرف بمطالب الحد الأقصى ثم تبدأ المساومات والتنازلات والحلول الوسط, وحين يصعب على المفاوض الخروج وإعلان الفشل, لأن ذلك يتطلب رحيله ومجيء قيادة جديدة تتبنى خطا آخر, وهذا أمر نادر الحدوث. لقد ذهب أنور السادات للقدس بخطاب المطالب المعروفة ووصل لاتفاق فيه نزول عن الكثير من تلك المطالب, باستثناء إصراره على الاستعادة الكاملة للأراضي المصرية, لكن ذلك كان ممكنا منذ البداية إذا تخلى عن الموضوع الفلسطيني وذلك ما فعله في نهاية المطاف, وهي سابقة لا يمكن القياس عليها إذ أن إسرائيل مستعدة دوما للانسحاب من الأرض العربية للاستفراد بالأرض الفلسطينية, و هذا ينقلني لأغرب ما سمعت في المجلس المركزي وهو أن إنجاز الانسحاب من الجولان سابقة لمصلحة المفاوض الفلسطيني. الانسحاب من سيناء تبعه الاستفراد بالثورة الفلسطينية وسوريا وتبعه إعلان ضم القدس وإعلان ضم الجولان, وليس العكس, والانسحاب من الجولان سيكون مقدمة للاستفراد بالأرض الفلسطينية وهذا ما قال به ايهود باراك واوري ساغي في مذكرتهم الإستراتيجية أواخر عهد اسحق رابين, بصراحة ووضوح متناهيين. لم أصدق ما سمعت حول هذا الموضوع من قادة أذكياء أعرفهم منذ عقود من الزمن, وكدت أصل لاستنتاج أنهم يتبنون التحليل السابق حتى لا يقدموا تنازلات في مصالحة ضرورية مع دمشق لإعادة ربط المسارات وربط قضايا المرحلة النهائية مع المسار السوري وفي إطار وفود عربية حول اللاجئين والقدس. قوة الدفع الذاتية الفلسطينية تقترب من تحقيق أقصى ما تستطيع تحقيقه ولا بد من تحريك الخيال السياسي الفلسطيني لإبداع اقتراحات جديدة تخرجنا من المأزق المقبل. لقد رأى البعض ضرورة تفعيل النشاط السياسي في أوساط الفلسطينيين في الشتات وفي أوساط العرب, الذين تحدث عنهم أقل القليل من المتحدثين مع الأسف الشديد, إذ ان عروبة القضية والعودة بها للعمق العربي قد جاءت في حديث عدد محدود وبشكل سريع ومقتضب, ورأى البعض, وخاصة حزب الشعب الفلسطيني, ضرورة وجود فعاليات شعبية ضد الاستيطان تسند المفاوض وضرورة وجود فعاليات خارج الوطن حول حق العودة أيضا. لماذا لا تكون هناك عريضة المليون من اللاجئين الذين يصرون على حقوقهم كاملة. تلك كلها اقتراحات صائبة ولكنها بنتائجها المحتملة لا ترقى لمستوى إجبار الطرف الآخر على التسليم بالمطالب الفلسطينية. موقف مختلف كان هناك موقف مختلف من قضايا الحل النهائي لبعض القوى السياسية, وتبادلت الجبهتان: الشعبية والديمقراطية, المواقف ففيما اتخذت الشعبية موقفا معتدلا وواقعيا من قصة إعلان الدولة, خلافا لموقف الديمقراطية, فقد عاد صديقنا أبو علي ليطالب بوقف المفاوضات الجارية وفورا ومطالبة إسرائيل ضرورة الالتزام بقرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية منذ القرار 181 عام 1947 والقرار 194 لعام 1948 وحتى يومنا هذا وعدم السماح باستمرار استخدام عامل الزمن للصالح الإسرائيلي". لقد قدمت الجبهة الشعبية من خلال نائب أمينها العام أطروحة قوية ومتماسكة قد يؤدي تلخيص مضمونها لشيء من التشويه وربما الإساءة, ورغم أنني لا أتفق مع استنتاجات هذه الأطروحة ولا مع مقدماتها. مضمون الموقف أن التسوية ما كان يمكن لها أن تتقدم خطوة واحدة للأمام لو رفض الفلسطينيون المشاركة بسبب اختلال موازين القوى, وقد كان أبو مازن قد قدم إجابة مسبقة على هذا التحليل وقبل أن يعتلي أبو علي مصطفى المنصة, حين قال إن السوريين قد أبلغونا أنهم ذاهبون لمدريد أيا كان الجالسون على الطاولة الفلسطينية وأنهم أبلغونا, والكلام لأبو مازن, بأنهم لن ينتظرونا خمس سنوات, كما تنص على ذلك شروط المرحلة الانتقالية, إذا تمكنوا من التوصل لاتفاق مع إسرائيل. ترى الجبهة الشعبية ما مضمونه, أن الذين ذهبوا لمدريد وأوسلو برروا موقفهم بضرورة استعادة ما يمكن استعادته من الأرض قبل أن يقضمها الاستيطان, ولكن السنوات الخمس منذ أوسلو وحتى اليوم قد سادها استيطان واسع. ليس لدي إحصاءات دقيقة حول هذا الأمر وما إذا كانت السنوات الخمس (1988-1993) أو (1982-1987) قد كان الاستيطان فيها أقل أو أكثر من سنوات ما بعد أوسلو, ولكن الأمر لا يتلخص بهذا الموضوع وحده, ففي السنوات الخمس الأخيرة استعاد الفلسطينيون الوجود الجغرافي واستعادوا بعض الأرض وبنوا معالم كيان وطني يتعامل معه العالم كله من أقصاه لأقصاه, وأسقطت سياستهم المعتدلة بدخول عملية السلام اثنين من أقصى اليمين في إسرائيل الذين استلموا الحكم في تل أبيب. أسقطوا اسحق شامير حين أصرت واشنطن على عدم إعطاء حكومته ضمانات قروض بعشرة مليارات دولار, إذا لم يوقف استخدام هذه الأموال في الاستيطان داخل الضفة والقطاع, رفض الموقف الأمريكي ودفع ذلك اليهود السوفييت للتصويت ضده وإسقاطه لأنهم يريدون هذه المليارات من أجل استيعابهم في المجتمع الإسرائيلي, وتحدث شامير في مذكراته بكثير من الألم عن هؤلاء اليهود القادمين من بلاد السوفييت والذين أسقطوه. لو لم تكن هناك مدريد لربما بقي شامير رئيس وزراء فترة طويلة أقام خلالها عشرات المستوطنات وأسقطوا بنيامين نتانياهو حين وقع اتفاق واي ريفر, ولم يستطع تنفيذه تارة ولم يستطع التخلي عنه تارة أخرى فأغضب كافة حلفائه الذين قرروا إسقاطه والذهاب لانتخابات مبكرة. لو لم تكن هناك واي ريفر, لربما استمر نتانياهو في السلطة فترة أطول ووسع من دائرة الاستيطان بما يفوق كل التوقعات. والأمانة العلمية تقتضي القول ان الجبهة الشعبية كانت الفصيل الوحيد الذي رأى مخاطر في نجاح المفاوضات على المسار السوري, في الوقت الذي صمت فيه الآخرون. لقد صاغوا موقفهم النقدي بكثير من الحذر والعبارات الدقيقة, لقد تحدثوا عن احتمالات عديدة لهذا المستجد وهو استئناف المفاوضات السورية الإسرائيلية على الواقع الفلسطيني, ولكنهم حملوا السياسة الفلسطينية مسئولية جزء من هذه التداعيات حيث جاء في مذكرتهم: "إن الاحتمالات هي أيضا تداعيات لسياسة قاصرة قامت على اتفاقات تنازلية أدارت الظهر للإجماع الوطني وبرنامج م.ت.ف وقرارات مؤسساتها". لقد رأوا في استئناف المفاوضات على المسار السوري إنجازا كبيرا للإدارة الأمريكية بما يؤدي لاندفاع دول عربية عديدة (تقف في طابور الانتظار) للتطبيع مع إسرائيل وستتصرف الحكومة الإسرائيلية مع الطرف الفلسطيني بالمزيد من العنجهية وإدارة الظهر للاتفاقات الموقعة معه (على رداءتها) تحت قول: "أن ليس لكم إلا الاستجابة لما نقرره نحن وليس كما تريدون أنتم", وهذا في رأيي بيت القصيد الذي يتطلب موقفا فلسطينيا لمناشدة سوريا أن لا تتخلى عن القضية الفلسطينية, وتقديم كل تنازل ممكن لإعادة ربط المسارات, والعودة لما كنت قد كتبت عنه مرات عديدة: التوقيع النهائي, معا وعلى طاولة واحدة وبنفس القلم". لقد رأى الكثير من المتحدثين أن الخلافات بين الفصائل حول قضايا المرحلة النهائية تكاد تكون محدودة, وأن نتائج حلول هذه القضايا سترتب نتائج طويلة الأمد على أجيال الشعب الفلسطيني مما يتطلب مشاركة الجميع في تحمل المسئولية وهذا ما نادى به الجميع تقريبا وما تضمنته القرارات من ضرورة إيجاد مرجعية وطنية عليا لقيادة هذه المفاوضات تحت إشراف اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. السلطة والاصلاح بحث الاجتماع ايضا الاصلاحات الضرورية في السلطة والمنظمة حيث ابدى رئيس المجلس درجة عالية من الديمقراطية حين أعطى وقتا مطولا لكل المتحدثين من قادة الفصائل وكذلك عدد من المستقلين البارزين, واستمع الرئيس ياسر عرفات بإصغاء شديد ودون مقاطعة في أغلب الحالات لكل ما وجهوه من نقد قاسٍ لأداء السلطة وتجاوزات أجهزتها, وحين تحدث جمال الصوراني في بداية الجلسات, وهو ضيف على المجلس, حول تجاوزات الأجهزة, لم يقاطعه أبو عمار بل قال له: (تحدث بكل ما لديك وأخرج كل ما في قلبك وعقلك) كان أبو علي مصطفى الأشد قسوة في النقد وقال ما يريد قوله في فقرة قاسية مكتوبة ودون مقاطعة من أحد, ومما جاء في تلك الفقرة, وأنقل بالنص الحرفي: (بعد أن أصبحت السلطة تتولى مسئولياتها على بعض الوطن وبعض المجتمع الفلسطيني, أصبحنا نعاني من تدمير جسور الثقة بين الجمهور والسلطة والقيادة, لأنها, أي السلطة, قدمت نموذجا مليئا بالثقوب والفجوات بحيث أصبحت مفردات الفساد والإفساد والتسيب وغياب القانون والقضاء هي السمة التي تطبع الوضع العام, فبدلا من أن تعوض الفجوة السياسية القائمة وعدم تحقيق تقدم جدي على طريق الاستقلال في الواقع القائم, جرى تبديد الطاقات الذاتية وعناصر قوتها الشعبية, الأمر الذي أدى إلى انتشار مناخات اللامبالاة والإحباط والتذمر) . فقرة قاسية من غير شك, ولكنها دليل على إمكانات وجود معارضة قوية داخل المؤسسات إضافة لخارجها تستطيع أن تقول ما تريد وأن تحشد القوى لأخذ القرارات المطلوبة للتصحيح إذا حازت على الأغلبية, إذ لا بديل عن الأغلبية والأقلية في العمل الديمقراطي, وقد تمكنت الجبهة الشعبية, من إحداث تعديل ما في القرار المتعلق بتشكيل المجلس الوطني القادم لصالح موقف وتوجه أكثر ديمقراطية, ولو بحدود معينة, مما يعني لأولئك الذين يقاطعون المؤسسات تحت حجة أن لا أمل في التغيير درسا بليغا. هذا الطريق, طريق التصحيح عبر المؤسسات, ليس مفروشا بالورود, ويمر عبر تقدم وتراجع, ولكنه طريق لا بد من المرور فيه واستثمار إمكاناته ما دام لا يتعارض مع العمل السياسي, خارج قاعات الاجتماعات وفي أوساط الجمهور. لقد تركز الحوار حول عدد من القضايا المتعلقة بالمنظمة وبالسلطة التي تتبع نظريا لمنظمة التحرير فقد تشكلت بقرار من المجلس المركزي في آخر اجتماع له في العاصمة التونسية ونص القرار أن المنظمة هي مرجعية السلطة. في التنفيذ وعلى أرض الواقع تبدو الأمور مختلفة تماما. فالسلطة هي الأساس وهي التي تملك المؤسسات والوجود فوق الأرض ويعيش ما تبقى من مؤسسات للمنظمة في الخارج من ميزانيات تتبع السلطة الوطنية, بشكل أو بآخر, وقد وصل الأمر في المجلس المركزي السابق أن قدم تقرير اللجنة التنفيذية للمجتمعين عضوان من السلطة لا علاقة لهما باللجنة التنفيذية وهما : د. صائب عريقات ود. نبيل شعث. أستطيع القول, بقليل من التحفظ, أنه كان هناك إجماع بين مختلف القوى السياسية, في السلطة والمعارضة على حد سواء, على عدد من القضايا المتعلقة بالتصحيح. ثمة إجماع على ضرورة عقد اجتماعات منفصلة لكل من اللجنة التنفيذية ومجلس وزراء السلطة, وأن تكون اجتماعات التنفيذية منتظمة ولها جدول أعمال محدد يتعلق بمجمل قضايا الشعب الفلسطيني, في الوطن وفي الشتات, وذلك لتمارس دورها كمرجعية للسلطة. لقد اتخذ المجلس قرارا بهذا الصدد, وهو نفس قرار الدورة السابقة وبنفس الكلمات تماما. ثمة إجماع على ضرورة عقد دورات منتظمة للمجلس المركزي مرة كل ثلاثة شهور, كما ينص على ذلك نظامه الداخلي وصدر قرار بهذا الصدد. بعض الأخوة طالبوا بانعقاد شهري للمجلس خلال الشهور الستة المقبلة الحاسمة, وهي مطالبة لم تلق ما يكفي من القبول لإقرارها, والجبهة الديمقراطية طالبت بانعقاد المركزي مرة داخل الوطن ومرة في الخارج لضمان حضور المتغيبين, وهو مطلب لم يلق هو الآخر التأييد المطلوب, إذ أن عدد المتغيبين هو خمسة عشر عضوا فقط, وغالبيتهم الكاسحة من قوى المعارضة السياسية من فصائل ومستقلين, وليسوا مستعدين لحضور المجلس حتى لو انعقد في القاهرة أو تونس. كان هناك إجماع أيضا على ضرورة أن تعقد الاتحادات الشعبية مؤتمراتها العامة خلال هذا العام, وقد صدر قرار بهذا الصدد وأظن الأمر ملحا ولا يحتمل أي تأجيل, إذ بدأت هذه الاتحادات تفقد وجودها الشرعي في الاتحادات العربية والدولية أو تقترب من ذلك, بسبب عدم إجراء انتخابات لقياداتها منذ زمن طويل, وقال أمين عام اتحاد عمالنا إن الاتحاد الدولي في دورته الأخيرة في دمشق شكك بوجود عمال فلسطين في الاتحاد وطالبهم بتصحيح أوضاعهم طبقا للوائح الاتحاد, وكان الاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب قد جمد عضوية فلسطين لسبب مشابه, ومع ذلك ورغم تحديد موعد للمؤتمر العام لكتاب فلسطين وصحفيي فلسطين إلا أنه لم ير النور بعد. خلافات واضحة وإذا كان هناك إجماع على القضايا سابقة الذكر, فقد كانت هناك خلافات واضحة في عدد آخر من القضايا, وفي المقدمة منها ثلاث قضايا: إعادة تشكيل المجلس الوطني, والاستفتاء الشعبي, والاعتقالات السياسية. في موضوع (المجلس الوطني المقبل) رأت العديد من الفصائل السياسية وجود ضرورة ملحة لإعادة التشكيل من خلال انتخابات عامة, حيثما كان ذلك ممكنا, فالمجلس الوطني الحالي يضم أعضاء جرى تعيينهم في مراحل سابقة, ولاعتبارات سياسية وجغرافية ولم يعد أغلب تلك الاعتبارات قائما, وفي المجلس أعضاء يجلسون في مقاعدهم منذ عقود من الزمن وهو وضع لا يتلاءم مع المرحلة الجديدة ويحجر على الأجيال الجديدة دخول هذه المؤسسة التشريعية إذا لقي أي منهم التأييد الشعبي الكافي لذلك. نحن في عالم الديمقراطية الذي لم يعد يقبل إطلاقا أن يقرأ الناس مع قهوة الصباح وفي صحف الصباح أسماء ممثليهم والذين سينطقون باسمهم دون أن يعرفوا في غالب الحالات من هم هؤلاء الرجال. ومرحلة الدولة لا تشابه مرحلة الثورة وتحتاج لرجال من نوع آخر ومؤسسات من نوع آخر أيضا. لقد كاد هذا الأمر أن يفجر الاجتماع حين احتج أبو علي مصطفى على محاولات تغيير مشروع قرار بهذا الخصوص نص في المسودة المقدمة من لجنة الصياغة على: (تشكيل لجنة خاصة تعد لمجلس وطني طبقا للمادة الخامسة من النظام السياسي) . والمادة الخامسة تعنى (الانتخابات) وقد نصت على: ينتخب أعضاء المجلس الوطني عن طريق الاقتراع المباشر من قبل الشعب الفلسطيني بموجب نظام تضعه اللجنة التنفيذية, ورأت الشعبية أن هذا جزء من التوافق مع حركة فتح في حواراتها التي سبقت المجلس المركزي وهو أحد مبررات مشاركتها في لقاء المجلس. في نهاية الأمر صدر قرار جرت صياغته بدقة ويحتمل أكثر من تفسير, وخبراء الصياغة لدينا بارعون في مثل هذه (التخريجات) و قد جاء في النص النهائي: يكلف المجلس المركزي اللجنة التنفيذية ورئاسة المجلس الوطني تقديم دراسة لتشكيل المجلس الوطني القادم وفقا لمواد النظام الأساسي وقرارات المجلس الوطني بهذا الصدد. وهو نص أرضى نصفه الأول المطالبين بانتخابات كما تنص على ذلك بعض مواد النظام الأساسي وخاصة المادة الخامسة, وإن كانت المادة السادسة تعطي مجالا للتهرب من الانتخابات ونصت على: إذا تعذر إجراء الانتخابات الخاصة بالمجلس الوطني, استمر المجلس الوطني قائما إلى أن تتهيأ ظروف الانتخابات , وأرضى نصفه الثاني المطالبين بالتعيين إذ ان المجلس الوطني له قرارات عديدة بشأن التمديد لنفسه وإضافة أعضاء جدد لعضويته. أود القول ان المسألة ليست قانونية فقط, إذ ما زال البعض يرى عدم إمكانية إجراء انتخابات لأبناء الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده, والبعض يختفي وراء هذه الصعوبات لأنه لا يريد مثل هذه الانتخابات, وربما يخشى نتائجها. لقد وقّع مع كاتب هذه السطور أكثر من مائتي مثقف وسياسي وناشط وطني فلسطيني في أماكن مختلفة من العالم وذلك أواخر عام 1989 وتقدمت يومها بالعريضة للجنة خاصة كانت تبحث إعادة تشكيل المجلس الوطني ورأى الموقعون ضرورة إجراء انتخابات ديمقراطية , حيثما أمكن ذلك, لاختيار أعضاء المجلس الوطني, وأذكر يومها أن الذين اعترضوا داخل تلك اللجنة, كانوا من اليساريين أكثر من أي لون سياسي آخر مع الأسف. الآن تغيرت المواقف وآمل أن تثبت الفصائل المطالبة بالانتخابات على موقفها وأن تقوم بتحركات سياسية واسعة من أجل انتزاع هذا المطلب الديمقراطي. لا صحة للقول باستحالة إجراء مثل هذه الانتخابات, إذ ان إجراءها متاح داخل الوطن حيث يعيش أكثر من 40% من أبناء فلسطين, ويمكن أخذ قرار من الجامعة العربية بالإشراف على هذه الانتخابات في الدول العربية, كما يمكن إجراؤها بسهولة مطلقة خارج الوطن العربي الذي يقدس الانتخابات ويعتبرها مفتاحا سحريا للديمقراطية, وهو على حق في ذلك, لا أحد يفتي باستحالة الانتخابات دون أن يقوم بمحاولات واضحة لتحقيق ذلك ثم يأتي للمؤسسة التشريعية ويقدم خلاصة لما قام به من خطوات على هذا الطريق: طريق الانتخابات. وإذا كانت هناك عقبات موضوعية تمنع إجراء مثل هذه الانتخابات التي باتت مطلوبة بقوة في بلد مثل الأردن على سبيل المثال, فإنه يكون "الاستثناء" وليس القاعدة, وعندها يمكن البحث عن وسائل انتخابات غير مباشرة وللأمر مداخل عديدة نعرفها جميعا, أما حكاية التعيين لممثلي الشعب فإنني واحد من الذين يناشدون قيادتنا بأعلى الصوت بضرورة إغلاق مثل هذا الباب, باب التعيين الذي لم يعد موجودا في العالم كله بما في ذلك ألبانيا: أحد أكثر الأنظمة الشمولية السابقة مركزية في العالم المنهار, أوافق الذين قالوا في مداولات المجلس بأن الاختلال الواسع في موازين القوى بيننا وبين إسرائيل نستطيع تخفيف سطوته من خلال بناء وضع ذاتي قوي وسليم, وذلك يتطلب قيادات يختارها الشعب بملء إرادته وتكون قادرة على إحداث انطلاقة سياسية واجتماعية واقتصادية واسعة النطاق, وأضيف لذلك القول بأن حاجتنا لتأييد العالم وقواه السياسية ومؤسساته الدستورية ومنظماته الإنسانية هي اليوم اكثر من أي وقت مضى ونحن ندخل مفاوضات الوضع النهائي وظهرنا للحائط وأوراقنا محدودة (رغم أنها ثمينة), وعالم القرن الحادي والعشرين يقف مع الشعوب المظلومة ويساعدها في الوصول لحقوقها إذا رأى أنها تستحق وقفة العالم معها, ولذلك شروط في مقدمتها تأسيس لديمقراطية حقيقية وأداء سليم واختفاء كامل لزوار الفجر وشفافية واضحة المعالم وتعددية مرئية بالعين المجردة. وما ينطبق على إجراء انتخابات ديمقراطية, أراها لازمة جدا في هذه المرحلة وفي كل مرحلة, ينطبق على ضرورة إجراء استفتاء للشعب الفلسطيني على أية حلول سياسية قد يصل لها المفاوضون حول قضايا الحل الدائم. من يملك حق إلزام هذا الجيل والأجيال القادمة من بعده بحلول قد لا تصل مستوى العدالة المطلوبة دون العودة للجمهور. ليس في الأمر تقليد لما سيقوم به ايهود باراك وحيث رأى بعض المتحدثين أنه قد تورط في الدعوة لاستفتاء متناسين أن الكنيست قد اتخذ قرارا بهذا الشأن. في الأمر تقليد محمود لما يقوم به القادة في كل مكان من العالم حول خطوات أقل أهمية ومصيرية من حلول مصالحة تاريخية لصراع قرن كامل, في أوروبا امتنعت الدانمارك بداية عن دخول الاتحاد الأوروبي حين صوت الناس في ذلك البلد, بأغلبية ضئيلة جدا, ضد الانضمام لذلك التجمع الأوروبي, والقول إن الاستفتاء, مثل الانتخابات, غير ممكن التحقيق, قول تعوزه الأدلة وتعوزه المحاولات الجادة وضرورات استنفادها, وهذا الاستفتاء سلاح بيد المفاوض الفلسطيني لأنه يعرف أن حلولا قاصرة لن تجد التأييد ويعرف الطرف الآخر أنه إذا كان جادا في التوصل لحلول تاريخية لا تلد حروبا ولو بعد حين وأن هذه الحلول سيتم عرضها على الشعب الفلسطيني فإنه قد يخفف من شروطه على مفاوضنا الذي سيتشدد هو الآخر حين يعرف أن حلوله ستحتاج لموافقة الشعب وأنه سينتهي سياسيا إذا صوت الجمهور ضد ما توصل له من اتفاقات. سمعت رأيا في المجلس صفق له بعض القوم يحرم الاستفتاء لأن الحلول التي ستكون بالضرورة فيها تنازل عن حقوق تاريخية يجب أن تبقى ملزمة لمن توصل إليها, ولا يحق أخذ موافقة الشعب كله على هذه التنازلات, وهو موقف أختلف معه تماما لأننا نريد حلا حقيقيا ينهي الصراع بالفعل. نريد سلاما ولا نريد هدنة. المتطرفون في إسرائيل يقولون إن الفلسطينيين والعرب ينحنون مؤقتا لزوبعة السلام لأنهم ضعفاء وسينقلبون على كل الاتفاقات حين يصبحون أقوياء. يجب أن نشتبك سياسيا وبشريا مع هذا المنطق وفي عقر دارهم حتى يزداد دعاة السلام ومعسكر السلام لديهم, لأن الاتفاقات ستحتاج لموافقة أغلبية في صفوفهم, ولكن السلام سيكون هدنة بالفعل إذا كان سلاما مفروضا بقوة وجبروت الطرف الإسرائيلي, انه سيلد حروبا ولو بعد حين وهذا ما يجب أن يستوعبه بعيدو النظر في الساحة الإسرائيلية الحريصون على مستقبل أجيالهم والذين يعرفون بالتجربة التاريخية العالمية أن القوة المجردة غير قابلة للاستمرار إلى أبد الآبدين. وتحريم الاعتقال السياسي كان محل توافق واضح. لم يكن هناك قرار مباشر حول هذا الأمر ولكن الفقرة المتعلقة بتعزيز البناء الوطني تحدثت عن احترام استقلالية القضاء وتطوير الجهاز القضائي وسيادة القانون وصون الحريات العامة للمواطنين. لقد اشتكى المعارضون من وجود أكثر من أربعمائة وخمسين معتقلا سياسيا وقال حسن خريشة, أحد أعضاء المجلس التشريعي الموقعين على بيان العشرين, إن نيلسون مانديلا كان يأخذ كبار الزوار لبلده إلى الزنزانة التي قضى فيها شطرا طويلا من حياته, ونحن لا نستطيع أن نفعل ذلك لأن زنازيننا ما زالت مزدحمة بالرجال وقد رد عليه الطيب عبد الرحيم بأن عدد المعتقلين في سجون السلطة لا يتجاوز ستين معتقلا, ليس بينهم من هو معتقل بسبب آرائه السياسية. لقد جرت نقاشات حساسة حول هذا الموضوع ليس من المصلحة الوطنية الحديث حولها في الصحافة. وبقيت الحقيقة محل خلاف بين وجهات النظر.