على الرغم من ان الحركة اليمينية في أوروبا تشهد نشاطا ملحوظا منذ عشرة أعوام مضت أو أكثر بقليل إلا اننا نرى ان ما يحدث في النمسا الآن رغم ارتباطه بصعود اليمين في أوروبا لا يعد مؤشرا حقيقيا على تقدم اليمين على الساحة الأوروبية, وذلك نظرا للخصوصية التي تتميز بها النمسا بشكل عام واليمين النمساوي بشكل خاص وسط الحركة اليمينية في أوروبا فمنذ ظهور النظام العالمي الجديد الذي حل محل نظام الاستعمار التقليدي السابق في أعقاب الحرب العالمية الثانية, وبروز الولايات المتحدة الأمريكية كقوة مهيمنة على الساحة الدولية في مواجهة الزحف الشيوعي القادم من الاتحاد السوفييتي, وسعي واشنطن بجدية لدعم أوروبا الغربية وتأمينها اقتصاديا وعسكريا لتصبح حديقة الأمن الخاصة بها على الشاطئ الأيمن من الأطلسي, لم تحظ النمسا كدولة مستقلة في قلب الغرب بالاهتمام والوضع المتميز الذي كانت تنعم به قبل الحرب العالمية الثانية, ولم تقم النمسا بأي دور فعال وحيوي على الساحة الأوروبية والدولية بعد الحرب, هذا في الوقت الذي يشعر فيه الشعب النمساوي بنزعة قومية قوية تجعله يعتقد انه شعب متميز عن باقي الشعوب وجدير بالهيمنة والسيادة على غيره, وهو الشعب الذي أنجب أشد الزعماء القوميين تطرفا ويمينية في العصر الحديث, وهو أدولف هتلر النمساوي المولد, والذي كانت شعاراته النازية الرنانة التي تميز شعبه عن باقي شعوب الأرض تلعب دورا كبيرا في غرس النزعة القومية وتؤججها في نفوس النمساويين والألمان باعتبارهم قومية واحدة. صعود اليمين ويأتي الاهمال والتهميش الواضح للنمسا بعد الحرب ليؤجج النزعة القومية في نفوس الشعب النمساوي ويصل بها إلى حد التطرف ويساعد بشكل كبير على ظهور قوى يمينية قومية متطرفة ظلت سنوات طويلة في أعقاب الحرب العالمية الثانية تخفي هويتها خشية من الغضب العارم على النازية في العالم, وتتحين الفرصة للظهور على الساحة, وقد بدأت الفرصة تحين لها بعض الشيء في الستينيات مع ظهور الديجولية في فرنسا باستقلال أوروبا عن واشنطن, وفي السبعينيات مع زيادة حدة الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي, و بعد الحرب الفيتنامية التي أسقطت بعض الأقنعة عن وجه الرأسمالية الحديثة, ومع الأزمات الاقتصادية بدأت النمسا تعاني من مشاكل كثيرة كان على رأسها البطالة التي هددت الشباب الألماني وزاد من حدتها زيادة هجرة الأجانب إلى النمسا وخاصة من الشرق. وبسبب الجهود الكبيرة التي كان يبذلها الاتحاد السوفييتي في ألمانيا الشرقية لم تحظ النمسا أيضا باهتمام من المعسكر الاشتراكي, وهو الأمر الذي ساعد على عدم نمو الحركة الاشتراكية هناك بالقدر الكافي لاستغلال هذه الظروف الداخلية, وقد تضافرت كل هذه الظروف وغيرها لتدفع باليمين المتطرف في النمسا إلى الأمام, ولم تكد (البيروسترويكا) تظهر في الاتحاد السوفييتي في منتصف الثمانينيات وينحسر المد الشيوعي ويبدأ مسلسل انهيار الأحزاب الاشتراكية في أوروبا الشرقية حتى طرح حزب الحرية اليميني النمساوي نفسه كقوة سياسية على الساحة الداخلية في النمسا بقيادة زعيمه (يورج هايدر) المولود لأبويين نازيين والمتعصب للقومية النمساوية ومبادئ النازي, والذي تولى رئاسة الحزب عام 1986 بعد نضال طويل داخل صفوفه منذ دخوله الهيئة التنفيذية عام 1974. الحرية وهايدر وقد استطاع هايدر ان ينهض بحزب الحرية اليميني في النمسا مستغلا الظروف الداخلية والخارجية على الساحة الدولية وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتقهقر الاشتراكية التي تعد المنافس القوي للقومية في أوروبا, واستطاع حزب الحرية تحت قيادة هايدر ان يضاعف عدد أنصاره ومؤيديه داخل النمسا حتى أصبح يسيطر ويوجه 30% من القاعدة الشعبية هناك, وأكثر من نصف مؤيدي وأعضاء حزب الحرية الآن هم من أنصار التوجه الاشتراكي سابقا ومن الشباب النمساوي الذي يعاني البطالة والفقر. وفي الوقت الذي لم تحقق فيه الأحزاب اليمينية والقومية نجاحا كبيرا في دول أوروبا إلا القليل منها الذي قدم تنازلات كثيرة وغير من هويته وتوجهاته, استطاع حزب الحرية في النمسا وبدون تنازلات, بل على العكس بمزيد من الشعارات النازية, استطاع ان يحقق نجاحا كبيرا في انتخابات اكتوبر الماضي ليحصل على المركز الثاني بعد الحزب الاشتراكي ويتقدم على حزب الشعب المحافظ, ويعود الفضل في هذا الانجاز الكبير لزعيم الحزب هايدر الذي أصبح يتمتع بشعبية كبيرة في النمسا. القوميون ضد الاشتراكيين ونظرا لاستحالة التوافق بين الاشتراكيين والقوميين بسبب التباعد الشاسع بينهما في الأهداف والمبادئ وخطط العمل والنفور الدائم بينهما بسبب الخلاف الجوهري في الأيديولوجية الفكرية بين الأممية الاشتراكية عدوة القوميات, والنزعة القومية اليمينية, وبسبب الاعتقاد الراسخ لدى القوميين المتطرفين والألمان منهم خاصة بأن الاشتراكيين والشيوعيين هم الذين حالوا دون انتصار الامبراطورية النازية وسيطرتها على العالم في القرن العشرين, بسبب كل هذا ولأسباب أخرى تكتيكية لم يشأ (هايدر) ان يقترب من الاشتراكيين ويتحالف معهم, خاصة انهم الأكثر في البرلمان, وسيكون نصيبهم الأكبر, وآثر (هايدر) التحالف مع حزب الشعب المحافظ ليتقاسم مع الحكومة الجديدة ويحصل منه على أهم الوزارات مثل الدفاع والمالية والعدل والشئون الاجتماعية ومنصب نائب الرئيس ووزير البنية الأساسية, وبذكائه وخبرته الطويلة لم يشأ (هايدر) ان يتولى بنفسه أي منصب في الحكومة الجديدة لأنه يعلم ان المناخ في النمسا على الساحة الأوروبية لم يتهيأ بعد لقبول شخص مثله في رئاسة دولة أوروبية غربية, إلى جانب ان المد المستمر والنمو المتزايد للقاعدة الشعبية لحزب الحرية اليميني في النمسا يجعل زعيمه (هايدر) ينتظر دورة أخرى يضمن بعدها الفوز الساحق في الانتخابات ليأتي بدون مساومات أو تنازلات إلى رئاسة الحكومة النمساوية. ردة الفعل الهيستيرية وتأتي ردة الفعل القوية التي وصفتها بعض الصحف العالمية مثل (الفايننشيال تايمز) بالهيستيرية من قبل اسرائيل والدوائر اليهودية على دخول حزب الحرية اليميني في الائتلاف الحكومي الجديد في النمسا, وتتحرك هذه الدوائر بقوة داخل الاتحاد الأوروبي لتدفعه للتورط في مخالفة تقاليده ومبادئه الأساسية التي تنص على عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأعضاء, وفي هذه الفترة الحرجة التي يعاني فيها الاتحاد من مشاكل داخلية كثيرة, وهو ما انعكس بشكل واضح على تصريح رئيس اللجنة الأوروبية (رومانو برودي) الذي قال فيه ان (الاتحاد الأوروبي لا يتحمل هذه الأزمة الكبيرة في هذا الوقت بالتحديد, وانه يخشى على البناء السياسي الداخلي للاتحاد من التصدع بسبب ما يحدث) . سقوط الأقنعة وتعود أقنعة الديمقراطية الغربية للسقوط مرة أخرى أمام هيمنة واشنطن ونفوذ اليهود المتغلغل في الغرب والذي يشكل صعود اليمين النمساوي للسلطة بالنسبة لهم تهديدا كبيرا يمس بشكل مباشر الأساطير الكاذبة التي بُني عليها الكيان الصهيوني وخاصة منها أسطورة (المحارق) التي أعدها هتلر لليهود, والتي على أساسها اكتسبت اسرائيل عطف وشفقة الغرب طيلة نصف قرن مضى وجمعت عليها المليارات من التبرعات من مختلف أنحاء العالم. ردة الفعل اليهودية القوية هذه لم تكن لتحدث لو كان هذا الصعود لحزب يميني قومي متطرف في دولة أخرى غير النمسا أو ألمانيا, لأنه يعني بالنسبة لإسرائيل واليهود مثلما تعني عودة الشيوعية لروسيا بالنسبة لواشنطن والغرب خاصة ان النزعة النازية شهدت نموا ملحوظا وسط الالمان والنمساويين في العقدين الماضيين, وفي النمسا بالتحديد الظروف أكثر تهيؤاً من غيرها, ونتذكر هنا الحملة الشرسة التي شنتها واشنطن وتل أبيب في عام 1987 ضد الرئيس النمساوي والسكرتير العام الأسبق للأمم المتحدة (كورت فالدهايم) والذي اتهموه فيها بالتعاون مع النازي ضد اليهود في الحرب العالمية, وقد نجح فالدهايم في مواجهة الحملة ورفض أن يقدم استقالته من رئاسة النمسا ورفض حتى الرد على التهم الموجهة إليه أو الدفاع عن نفسه ضدها, ووصفها آنذاك بقوله: (انها أكاذيب ملننا من الاستماع إليها سنوات طويلة) . إنهاء الاحتكار وها هو هايدر يعود ويكرر ما قاله فالدهايم منذ اثني عشر عاما مضت ويقول: (لقد مللنا من الاعتذار عن الجرائم السابقة ولم نعد نطيق اجبارنا على الاعتذار عن أشياء لم نفعلها) ويبلور هايدر توجه اليمين النمساوي في قوله: (ان حزبنا ظاهرة نمساوية واقعية ولدت من الحاجة إلى إنهاء احتكار قوى دخيلة لبلادنا بعد الحرب العالمية الثانية. ويبقى السؤال: هل يصمد هايدر وحزبه أمام هذه الحملة الشرسة وأمام العقوبات التي تنوي واشنطن والاتحاد الأوروبي فرضها على النمسا؟ يقول الخبراء والمحللون ان هذه الحملة لن تستمر كثيرا وسوف يخرج منها حزب الحرية النمساوي وزعيمه هايدر أكثر قوة وأكثر شعبية, فقد عبر الشعب النمساوي عن رأيه صراحة في استطلاع الرأي الذي أجري هناك مؤخرا والذي أيد فيه 73% من المشاركين اشتراك حزب الحرية في الحكومة, بينما اجري استطلاع رأي آخر في ألمانيا عبر فيه 76% من المشاركين عن معارضتهم ورفضهم لموقف الاتحاد الأوروبي من الحكومة النمساوية الجديدة ويقول (وولفجانج باشماير) مدير مركز (أو جي إم ) لاستطلاعات الرأي في فيينا ان ما يحدث الآن سوف يزيد بشكل كبير من شعبية حزب الحرية وزعيمه هايدر وسوف يدفع النمساويين للتصويت بحماس لهم في المرة المقبلة, وقد عبرت الحكومة الفرنسية عن استيائها لتصريح السفير النمساوي في باريس والذي قال فيه ان الشعب النمساوي كله متعاطف بشدة مع حزب الحرية اليميني. كل هذا يعني ان اليمين النمساوي سوف يصمد ويقوى وتزداد شعبيته, وهو ماأعلنه هايدر نفسه مؤخرا, حيث قال: (سوف يجبرون جميعا على الجلوس معنا على مائدة واحدة وإلا فلن يكون في أوروبا قرارات موحدة) .