يتفق أغلب السياسيين على وصف الرئيس الايراني محمد خاتمي برجل الدولة الموهوب على الأقل لحفاظه على التوازن النسبي بين جبهتي الاصلاحيين والمتشددين داخل الجمهورية الاسلامية, لكن للنساء في ايران رأي آخر في الرئيس, قد لا يقل ايجابية عن الوصف السابق وان كان شديد الاختلاف عنه فالايرانيات يصفن خاتمي ذا السبعة والخمسين ربيعاً بأنه (طيب) و(حلو) و(وسيم) بل و(جذاب عاطفياً) , هذا ما اظهرته نتائج احدث الاستطلاعات, ولهذه النتيجة ـ مهما بدت غريبة ـ أهميتها الخاصة, فبفضل اصوات النساء وصل رجل الدين الشيعي المتشح بالاعتدال السياسي الى سدة الحكم في دولة تعد احدى القوى الاستراتيجية في الشرق الاوسط. والحقيقة ان سمات الرئيس الايراني الشخصية تبدو مختلفة الى حد بعيد عن سمات رجل الدين التقليدي, فخاتمي يتقن اربع لغات اجنبية, وهو حاصل على مؤهلين جامعيين, احدهما من جامعة هامبورج الألمانية, كما ان كتابه المفضل هو (الديمقراطية في امريكا) الذي ألفه أليكسس دي توكويفي في القرن التاسع عشر, وشعار الرئيس الايراني الذي لا يمل من ترديده منذ ترشيح نفسه في انتخابات الرئاسة السابقة (بناء ايران لجميع الايرانيين) ولعله يقصد بجميع الايرانيين الشرائح المتنوعة من الشباب والنساء التي تعد اكثر شرائح المجتمع الايراني المحافظ تأييداً له. ومن أجل الاصوات النسائية, يجوب خاتمي انحاء ايران منذ اسابيع استعداداً للانتخابات العامة التي ستبدأ في الثامن عشر من فبراير الجاري, وابرز وعوده لهن: الديمقراطية, والنظام السياسي متعدد الاحزاب, وتنمية المجتمع المدني, والاصلاح الاقتصادي, وكلها وعود تطرب لها آذان الجماهير ـ نساء ورجالا ـ التي تحتشد يومياً لسماع خطبه. لكن وعود خاتمي تلك تبدو ضربا من ضروب الهرطقة من وجهة نظر خصومه من رجال الدين المحافظين (او المتشددين كما يحلو للمراقبين تسميتهم) الذين وقفوا عقبة امام كل خطوة اصلاحية حاول القيام بها منذ توليه الرئاسة. محمد خاتمي هو رئيس ايران..نعم, لكن جانباً كبيراً من السلطة الفعلية في هذه الجمهورية الاسلامية يبقى محتجزاً في قبضة التيار المحافظ بزعامة المرشد الاعلى والزعيم الروحي آية الله سيد خامنئي. الوقائع تؤكد ان حركة الاصلاح التي تبناها خاتمي مضت ببطء بالغ منذ توليه الرئاسة في مايو 1997 بأغلبية 70 في المئة من أصوات الناخبين, وفيما وجه العديدون انتقادات للرئيس الايراني بسبب الوقت الطويل الذي يستغرقه لكي يحقق ما وعد به من تغييرات اصلاحية, وقفت خلفه بقوة المستشارة الرئاسية لشئون المرأة زهرة شوجاي ونائبة الرئيس وزيرة البيئة معصومة ابتكار علاوة على ملايين الايرانيات اللاتي التحقن بحركة (خورداد) التي تمثل عصب مساندة خاتمي وسياساته الاصلاحية, ومن بين مؤيداته الأخريات المتحمسات في الدفاع عنه أزام تاليجاني رئيسة تحرير مجلة بايام هاجار, وشيرين عبادي المحامية الشهيرة في مجال حقوق الانسان. ويدلل الاصلاحيون على ما احرزوه من تقدم بالزيادة الواضحة في نسبة النساء المرشحات في الانتخابات المقبلة والتي تعادل 60 في المئة مقارنة بالانتخابات الماضية, ففي البرلمان الحالي لا يزيد عدد النائبات عن 13 من بين 170 عضوا, لكن الاستطلاعات الاخيرة تتوقع ان يرتفع عدده الى 30 نائبة على الأقل بعد الانتخابات المقبلة, وهناك اكثر من 600 امرأة ايرانية انتخبت بالفعل للمشاركة في المجالس البلدية عبر الجمهورية الايرانية. على مدى الواحد والعشرين عاماً الماضية منذ ثورة الامام الخميني الاسلامية في ايران, استطاعت ايرانيات كثيرات ان توجهن القوانين الدينية الصارمة لفائدتهن, فالحجاب الذي اجبرت بعضهن على ارتدائه اصبح اليوم من ادوات مجاراة الموضة, والعاصمة طهران تزدحم بالبوتيكات التي تبيع اشكالاً وألوانا لا حصر لها من الأقمشة التي تتيح للمرأة الايرانية انتقاء ما يتماشى مع أحدث خطوط الأزياء في العالم. والمراقب للمجتمع الايراني يلاحظ ارتفاع معدل خروج النساء من دائرة المنزل الضيقة الى مجالات التعليم والعمل جنباً الى جنب مع الرجال. اذ تشكل الفتيات اليوم 52 في المئة من اجمالي عدد طلاب الجامعات في ايران, وفيما كان عدد النساء اللاتي يشاركن في انشطة رياضية اثناء العهد الملكي لا يتجاوز 50 الفاً, تمارس اليوم اكثر من مليوني ايرانية انواعاً متعددة من الرياضة بما فيها كرة القدم وركوب الدراجات (انشطة كانت من المحرمات في السنوات الاولى من الثورة الاسلامية) بل ان الخمار الطويل ـ المعروف في ايران باسم الشادور ـ لا يمنع مئات الايرانيات من ممارسة الرياضة في الشوارع والنوادي. انها انجازات ملموسة في بلد تفرض قوانينه الفصل بين الرجال والنساء في حافلات النقل العام وفي قاعات الجامعات والأماكن العامة, واذا كان الفصل بين الجنسين اقل وضوحاً في غرف الأخبار (بالصحف ووسائل الاعلام) وفي مقاهي الانترنت, يبقى العديد من التشريعات المعمول بها غير مقبول من جانب بعض الايرانيات مثل اباحة تعدد الزوجات والعقاب برجم الزانية وتزويج الفتيات في سن صغيرة, وهي ما تراها النائبة البرلمانية فائزة هاشمي (ابنة الرئيس السابق علي اكبر هاشمي رفسنجاني) , (تفسيرات خاطئة للاسلام لا تحترم تقدم الزمن وتطور التقاليد) . طهران ـ أحمد رأفت