لاشك ان الاستراتيجية الاسرائيلية تغيرت ومثلها استراتيجيات امريكا وفرنسا وسوريا ولبنان, كل وفق ما يراه مناسبا للخروج من مأزق المفاوضات المتعثرة. لكن الفعل العسكري بقي اداة اسرائيل الاستراتيجية التي تلازمها منذ بدايات احتلالها والتي تسعى جاهدة لدعمها وتعزيزها وتطويرها لتشكل تفوقا على دول الجوار بالمنطقة . والعمليات العدوانية الاخيرة التي قامت بها اسرائيل ضد لبنان لا تخرج عن جدول اعمالها أو مخططاتها في تركيع المفاوضين للحصول على اكبر المكاسب من عملية السلام, وهذا ليس جديداً, فالجنوب اللبناني يعاني منذ ربع قرن من اعتداءات اسرائيل, واحتلالها واستخدام نزيفه كورقة للحصول على مكاسبها. واسرائيل في مأزق كبير رغم انها تبدو بمظهر المنتصر, ولذلك فهي تنظر للعرب المهزومين وفق قياس قبلي قديم ما زالت تصر على فرضه, علينا ان نمنح الأرض والمال والاقتصاد والتعويض.. مثل الجزية التي كنا نفرضها عندما تنتصر جيوش المسلمين. كيف اتخذت اسرائيل قرار ضرب بنى لبنان التحتية, وتحت اية ذرائع وبأية اسباب موجبة.. وما هي سيناريوهاتها للحل بعد ان اغلقت منافذ السلام.. ما هي مفردات الواقع التي ترسم مستقبل التفاوض مع اسرائيل؟ المقاومة ليست هدفاً وحيداً لم يكن هدف اسرائيل الوحيد هو ضرب المقاومة اللبنانية التي كبدتها أفدح الخسائر وجعلت وضعها الداخلي أمام مواطنيها صعبا للغاية. فالأمان الذي تطالب به دوما لم يتحقق في اسرائيل مثلما لم يتحقق في دول المنطقة, وبدلا من ان ترسم صورتها السلمية التي تتشدق بها, انزاح القناع عن وجودها وبدت أكثر بشاعة ودموية مما تعلن. هدفت اسرائيل من وراء ضرب بنية لبنان التحتية الى اشياء كثيرة تتجاوز الانتقام من حزب الله. فهناك اتفاق ابريل عام 1996 اثر عمليات عناقيد الغضب الشهيرة الذي تعتقده مفيدا لحريتها في استهداف لبنان, وهناك استعادة لبنان دوره كقوة اقتصادية في المنطقة وهناك مفاوضاتها مع سوريا اضافة الى خسائرها الكثيرة التي لم تعد تجد اجابة مقنعة لها. فاسرائيل لا تريد للبنان ان ينهض مرة اخرى كقوة اقتصادية وسياحية منافسة لها في المستقبل, ومن المهم التذكر بأن موانئها لم تأخذ موقعها الدولي أو تتحرك فيها عجلة العمل الا بعد ان تردى الوضع في موانئ لبنان بسبب حرب اسرائيل لها. ولعل أهم أسبابها اضافة الى ذلك وضعها الشائك في الجنوب المحتدم فهي تريد الخروج من جنوب لبنان ولكنها لا تريد الاعتراف بالهزيمة. تريد ان تحمي ظهرها بضمان وجود ميليشيا عميلة لها, أو بجعل سوريا تعمل كشرطي لها. تريد اكبر قدر ممكن من المكاسب عن طريق التعويض واقتسام المياه وغير ذلك مما يمكن ان يجعلها سيدة المنطقة وفارضة الشروط فيها, والقارىء للاستراتيجية الاسرائيلية يرى انها تستخدم اسلوبا تكرره دائما.. انها تنسف التفاوض على وضع قائم بقيامها بعمليات احتلال جديدة أو ضرب اتفاقات سابقة ليتحول الانتباه والتفاوض الى الوضع الجديد. ونستطيع ان نرى انها لإطالة امد التفاوض مع سوريا وتأجيل الانسحاب من الجولان او لتركيع سوريا بالتنازل عن حدود 4 يونيو 67, قامت بما قامت به لتنسف اتفاق ابريل الذي لا يرضيها ولا يطلق يدها أولا, ثم لتجعل سوريا تفاوض على لبنان ثانيا, اي لتضع لبنان ورقة على طاولة التفاوض السورية لا طرفا في المفاوضات. أسباب اسرائيل كثيرة ومشاكلها اكثر.. ولابد من ملاحظة انها تتصرف بانفعال لا سابق له, فقد وجدت نفسها في زاوية حرجة. ونجد ان هناك انقساما بين القيادة السياسية الاسرائيلية والقيادة العسكرية الاسرائيلية فقيادتها السياسية تتحدث عن رغبة في تعديل قواعد اللعبة حتى مع استمرار المفاوضات, بينما تتحدث القيادة العسكرية عن انسحاب فوري فهي لم تعد تطيق الهزيمة المتمادية التي تصيب جيشها في لبنان. والرأي العام الاسرائيلي لم يعد قادرا على التكيف مع متطلبات حكومته وعسكره. فهم رافضون لأية تنازلات مؤلمة كثمن للاتفاقات, أو (مع الرغبة في انجاز الهروب الاخير من وحل لبنان) . وهكذا بات جنودها لا يحترمون مهامهم الموكلة اليهم, خائفون من موت يلاحقهم حتى ما وراء حدود لبنان, ولم تزل ذكرى الصواريخ العراقية كابوسا يجثم على صدورهم, وما يؤجج هذه الذكرى حقيقة منظومة الصواريخ السورية التي قد تشعل ليل تل ابيب بنيران الموت. وهكذا يمكن ان نجد ان ضرباتهم التي لم تكن عشوائية من ناحية دقة التصويب كانت ردود فعل عنيفة دلت على لحظة ضعف لدى الجيش الاسرائيلي كان يفترض استخدامها, وهي تجعل المقاومة اللبنانية في لحظة تفوق لم يستطع أي نظام في المنطقة استثمارها, بل يمكن القول ان هذه اللحظة مكنت المقاومة من البحث عن حد للقوة التي باتت تجعلها تتحكم بمصير جيش اسرائيل المحتل. لقد أدركت اسرائيل منذ فترة ليست قصيرة ان الوقت قد حان للتعبير عن رفضها الفعلي والدائم لموجبات (تفاهم ابريل) والبنود التي تريد تعديلها هي تلك التي تحول هذا التفاهم (من اتفاق ينظم عملية اطلاق النار في الجنوب الى اتفاق على وقف لاطلاق النار) . واسرائيل ترفض حتى هذه اللحظة الجلوس الى طاولة مجموعة مراقبي ابريل, وتسعى لتحويل النقاش على هذا (التفاهم) الى مسئول سياسي وليس أمنيا بما يقود عمليا الى تعديله او الى إلغائه, انها تريد تحويل اتجاهات السير وتعديل الانظمة المعمول بها, بهدف اعادة ترتيب جدول اعمالها مع المفاوض السوري, ولتجعل سوريا ترضى بتأجيل اجتماعات لجنة الحدود, ولا تناقش في أول اجتماع جديد سوى ملف لبنان. مآزق اسرائيل ولبنان وسوريا اسرائيل اذن في مأزق ناجم عن امور عدة مترابطة: * أولها: تصاعد خسائرها في لبنان. * ثانيها: رغبتها في الانسحاب منه بشروط يرفضها لبنان. * ثالثها: قرارها التوصل الى تسوية سلمية مع سوريا تسمح لها بتنفيذ هذا الانسحاب وفتح ابواب المجتمع العربي امامها. * رابعها: رفض سوريا شروطها وإصرارها على استرجاع كل اراضيها المحتلة عام 1976. * خامسها: عجز اسرائيل لسبب أو آخر عن قبول الشروط السورية. * سادسها: عجزها عن البقاء مكتوفة حيال المقاومة المدعومة من سوريا وإيران. سابعها: عجزها في الوقت نفسه عن شن حرب مباشرة على سوريا لرفض المجتمع الدولي ذلك. * وأخيرا وليس آخرا عجز باراك وحكومته عن البقاء في السلطة في حال لم يحقق السلم أو يشن الحرب. كل ذلك يدفع اسرائيل الى ردود افعال متهورة وعشوائية الاتجاه بهدف اصلاح وضعها الداخلي والتفاوضي وهي تقود بالتالي الى وضع مربك داخليا لا يعرف أحد مداه أو نتائجه التي قد تنعكس ايضا على وضع المنطقة. على الطرف الآخر تقف لبنان وسوريا على تل من المآزق التي لا تقل خطورة عن مآزق اسرائيل. فرغم ان سوريا موجودة في لبنان لحمايته الا ان هذه الحماية لم تتوفر, وفق اللبنانيين انفسهم, بينما كانت اسرائيل تغرق لبنان بالظلام والنار.. لقد تداول الجميع الرسالة الاسرائيلية على انها انتقام أو رد ثأري على هجوم قوات حزب الله أو المقاومة على المواقع العسكرية الاسرائيلية لكن الواقع يطرح جملة مشاكل وأزمات يحاول اللبنانيون والسوريون عدم ابرازها بشكل علني. ونجد ان لبنان الرسمي لم يستطع الاحتجاج والشكوى خوفا من ان تدعم دول الغرب حجة اسرائيل بانتهاك المقاومة لتفاهم ابريل, رغم ان هذه الدول نفسها قد اكدت في اوقات سابقة ان حزب الله لا يضرب اهدافا مدنية اسرائيلية بل عسكرية محتلة وهو ما لم يمنعه تفاهم ابريل. ولم يستطع اللبنانيون الرد على العدوان بعمل عسكري يردعه مثلما لم تلجأ المقاومة للكاتيوشا الجاهزة للاستعمال, ولم يفهم احد سبب احجام المقاومة لكن اسباب لبنان في عدم الرد على العدوان بعمل عسكري معروفة.. فشبح حرب الثمانينيات ما زال قائما, اضافة الى انه لن يسمح بأن يكون ساحة للمنازلة السورية ـ الاسرائيلية, وجيشه غير مستعد تماما لمثل هذه الحرب التي لن يدعمه فيها ايضا لا السوريون ولا العرب ولا الغرب. ربما كان الرفض اللبناني وإحجام المقاومة سببه عدم تصعيد الحرب, لكن ذلك يعطي اللبنانيين انطباعا بأن دولتهم تنصاع بالعصا لطاولة المفاوضات. لبنان يعرف من مشاوراته الدولية ان ما جرى في يوليو الماضي وفجر عدوان امس ليس الا عينة من الذي تعتزم اسرائيل القيام به في حال تدهور الوضع اكثر, بمعنى ان اسرائيل التي دمرت معامل انتاج الكهرباء ومحطات التحويل قادر على تدمير جسوره ومرافقه الاخرى بالغة الحيوية. ويعرف لبنان ايضا انه لا يستطيع (اقناع المجتمع الدولي بفرض التزام تفاهم ابريل على اسرائيل أو تنفيذ القرار 425 الداعي لانسحابها من الاراضي اللبنانية المحتلة دون قيد أو شرط رغم عدالة موقفه وأحقيته) . كما انه لا يستطيع الاتكال على الوضع العربي لتحقيق مطلبه. ومأزق لبنان الآخر انه ضعيف لذا فلا مصلحة في التوجه الى اسرائيل بشكل منفرد لتأمين انسحاب اسرائيلي ناجح من ارضه, فهو يعرض حينها استقراره الداخلي ووحدته الوطنية للخطر. ولذا فهو يدرك ان عليه تحمل الضربات الموجعة جدا حتى تقرر اسرائيل اعادة الحقوق السورية واللبنانية معا, ولذلك فهو يرضى بأن يكون شريكا لسوريا في وفود المفاوضات (الثنائية) على ان يكون فريسة سهلة لاسرائيل, رغم ان هذا قد يحدث او قد لا يحدث. من مآزق لبنان الأخرى, مقاومته اللبنانية وركيزتها (حزب الله) الذي تدعمه سوريا وإيران كما هو معروف. هذه المقاومة تتنازعها رغبتان أولاهما في الاستمرار بعملياتها ضد اسرائيل حتى تحرير الاراضي اللبنانية, وثانيهما رغبتها بالاستمرار بالمقاومة حتى تحرير المقدسات في فلسطين. تتنازع هذه المقاومة استراتيجيتان: سورية وايرانية اسلامية. فاذا قررت الاولى الدخول في سلام وفق مصالحها, تقرر الثانية ان لا مصلحة لها في السلم مع اسرائيل, وهو شعار تدعمه حكومات ايران المتعاقبة. والمقاومة قد تواجه وضعا صعبا اذا ما وضعت في كفة ميزان مع قدرة احتمال اللبنانيين اذا ما نفذت اسرائيل تهديدها باحراق لبنان مع افتراض ان المجتمع الدولي لن يمنعها من ذلك.. هذا الأمر سيضع على المقاومة عبء تحمل المسئولية مثلما يتحمل لبنان وسوريا مسئولية التشدد في المفاوضات. المأزق السوري لا يقل خطورة عن مأزق لبنان. فالجميع يحمل سوريا مسئولية ما آل اليه لبنان, وهي لا تستطيع في واقع الأمر حماية لبنان من اسرائيل لاعتبارات موضوعية, ومن هنا تأتي المسئولية الملقاة على عاتقه. واذا ما فشلت واشنطن في معاودة المفاوضات على المسار السوري فقد تتحمل مسئوليات كثيرة وليس آخرها دعمها للمقاومة واستخدامها اياها كورقة ضغط على اسرائيل, اضافة الى ان سوريا قد تفقد موقفا متفهما امريكيا عندما تضطر الولايات المتحدة لتغييره بعد اشهر عندما تدور عجلة انتخاباتها الرئاسية. ومأزق سوريا الاخر انها يجب ان تستعيد الجولان لتستعيد مياهها في عصر الجفاف الذي تعيشه وعصر التهديد الذي يشكله الوجود الاسرائيلي على ارضها. وهكذا نجد ان لبنان وسوريا مضطران لقبول ضربات اسرائيل الموجعة وقبول مبرراتها التي يعرفان مسبقا انها غير صحيحة من اجل الخروج من المآزق الخطيرة التي يعيشها الثلاثة على حد سواء. ونجد ايضا ان دعواتهما انحصرت في اعادة اسرائيل الى (تفاهم ابريل ـ نيسان) بهدف كسب نصر معنوي بسيط على حساب خسارة فادحة قد تزداد اذا ازدادا تعنتا. والواقع ان اسرائيل, كما يرى الجميع ويعرف الجميع لن تعود الى ارض أو ورقة أحرقتها.. وهذا واضح من لهجة التأييد الامريكية لمطالب تعديل الاتفاق النيساني والتي قد تكون بداية لإلغائه فيما بعد. عرض: لهيب عبدالخالق