يمكن القول بأن الحالة السياسية السودانية قد اكملت فعلاً دورتها التاريخية الكاملة ولم يعد لديها أي جديد تقدمه, وهذا يفسر ما اسميناه في مقالات سابقة الفراغ السياسي او البديل الغائب, ولكن الاحداث الاخيرة والاوضاع التي يعيشها السودان منذ شهرين اي بعد قرارات الثاني عشر من ديسمبر الماضي , تظهر بما لا يترك مجالاً للشك, ان الأزمة اكتملت والحقبة انتهت. ولا بد من بداية جديدة, ولكن كيف تكون؟ ومن أين نبدأ؟ هذا هو السؤال. هناك حديث عن الطريق الثالث يشغل العالم وتابع ذلك تنظير ومحاولة لقيام كتلة تمثل هذا الطريق وللمفارقة برز هذا الاتجاه في دول رأسمالية تحاول ان توائم بين الفردية والمشروع الخاص من جهة ومدى تدخل الدولة في الاقتصاد والمجتمع وهذه هي الفكرة الأساسية كما أبرزها جيدنز عالم الاجتماع المعروف الذي صار منظر افكار الطريق الثالث ومن المقربين لتوني بلير رئيس الوزراء البريطاني, واهمية نظرية الطريق في السياق غير الاوروبي تكمن في القول بفشل التجربة الاشتراكية الحدية والرأسمالية الحدية ايضاً, فهذا طريق بين الاثنين وجادل العقيد القذافي, بأن الفضل يرجع اليه فهو صاحب النظرية الثالثة قبل الاوروبيين وفي هذا جانب من الحقيقة ولكن النظرية الثالثة هي في جوهرها رفض للغرب باعتبار النظامين الاشتراكي والرأسمالي من نتاج الحضارة العربية. وقد اصبح الحديث عن الطريق الثالث شائعاً في كثير من بلدان العالم. السؤال هل يمكن سحب فكرة الطريق الثالث على السودان بعد ان فشلت التجربة السياسية السودانية خلال نصف قرن؟ من ناحية المبدأ, فإن السودان لا يستطيع ان يدخل المستقبل بهذه التركة الثقيلة من الفشل وخيبات الامل التي اوصلت الوطن الى كارثته الراهنة. ولكن منذ البداية يجب ان نحدد: ما هما الطريقان المرفوضان لكي نبحث عن طريق ثالث؟ او هو طريق بين ماذا وماذا؟ هل هو بين الدولة الدينية والعلمانية؟ هل هو بين الاحزاب التقليدية والاحزاب الحديثة؟ هل هو بين التقليد والحداثة اي الطائفية والقبلية والعشائرية مقابل مؤسسات المجتمع المدني الجديدة والايديولوجيات الكبرى؟ هل هو ايضاً بين الاشتراكية والرأسمالية ام بين الاستقلالية والتبعية؟ هناك صعوبة بالغة تواجه التصنيف حسب التقليدية والحداثة, وعجز الباحثون والمفكرون والسياسيون عن وضع حد فاصل واضح حين نعرف كل فئة: هل هو مستوى التعليم؟ الخلفية الطبقية؟ الاصول الريفية او الحضرية؟ هل هو الايديولوجيا التي يؤمن بها الشخص؟ البرنامج الانتخابي المطروح؟ من ناحية, لا تكفي ثنائية يسار ويمين وبالتالي لا تساعد في اختيار طريق ثالث بينهما, وفي الفترة الاخيرة قد يكون الطريق الثالث ـ بالنسبة لقوى سياسية وافراد ساندوا المعارضة ممثلة في التجمع الوطني الديمقراطي هو في اصلاح كل التجربة السياسية التاريخية بما فيها كل الاطراف. وقد يكون هذا الفهم هو الاكثر واقعية والاقرب الى التطبيق العملي, ولكن هذا الطريق الثالث لا يعني بأي حال من الاحوال موقفاً وسطاً بين النظام والمعارضة الرسمية, ولكن يعارض النظام كاملاً ويساند المعارضة الممثلة في التجمع وفي الوقت نفسه ينقد اسلوب عملها وجوانب قصورها التي تسببت في نجاح انقلاب 30 يونيو ,1989 والآن ساعد اسلوبها في العمل في اطالة عمر النظام رغم قصوره واخطائه, ويختلف هذا الطريق الثالث عن التجمع وبالذات الحزبين الكبيرين في كونهما يعملان على اسقاط النظام والاسراع في قيام انتخابات عامة تعيدهما الى السلطة التي لم يدافعوا عنها بجسارة وانكار ذات حين تم الاستيلاء عليها, فالمهمة مزدوجة في العمل السياسي اسقاط النظام وبناء سودان جديد فيه ضمانات عدم تكرار الدائرة الشيطانية وهذا مشروط بتنفيذ برنامج يحقق التنمية والوحدة الوطنية والسلام بالاضافة طبعاً لديمقراطية متعددة المضامين. بدأت تظهر الآن ملامح البحث عن طريق ثالث او الطريق المختلف المتجاوز, فعلى صعيد المعارضة ظهرت مجموعات في القاهرة والولايات المتحدة الامريكية وبعض البلدان العربية, تحاول تجاوز الركود والشتات الذي يعيشه التجمع هذه الايام, اذ رغم ان الظروف مهيأة للوصول الى حل جذري للأزمة سواء عن طريق الحل السلمي الشامل او الانتفاضة الشعبية السلمية ايضاً, ظل التجمع غائباً تماماً كذلك في القاهرة, اصدرت مجموعة من الشخصيات الوطنية من اكاديميين وكتاب وصحفيين, وسياسيين, بياناً دعت فيه التجمع لأن يكون مسئولاً ويتعامل مع الاحداث الاخيرة بقدر من الفاعلية, وطالبوا التجمع بأن يخاطب جماهيره في الخارج بتوصيل وجهة نظره في الاحداث وتقييمه ثم اتخاذ خطوات مناسبة للعمل ضمن المعطيات الجديدة, كما طالبوا بتنشيط العمل الاعلامي. فالتجمع ليست لديه صحيفة ولا نشرة لمتابعة اخباره وتحليلاته للوضع السياسي, وهنا ضرورة اصدار نشرة دورية تربط التجمع بقواعده كما دعوا الى حملة تبرعات لدعم التجمع في الداخل, وفي واشنطن كونت, مجموعة من المثقفين منبراً فكرياً يلاحظ فيه التمثيل القوي للجنوبيين والاقباط والمرأة, فهو يركز على الوحدة الوطنية من خلال مخاطبة القضايا الثقافية التي قد تثير الخلافات بين ابناء الوطن الواحد. تحركت مجموعات داخل وخارج السودان داعية الى ما اسمته وحدة القوى الحديثة او وحدة اليسار, هذا شكل آخر للطريق الثالث ولكن يخشى ان يكون من مخلفات الحرب الباردة والتقسيمات الايديولوجية الدوغمائية؟ ونحن بالسؤال عن تحديد اليسار واليمين كما ان هذه المرحلة يمكن ان يتوحد الناس فيها بالاتفاق حول برامج حد ادنى وليس بالايديولوجيات المشتركة, وقد أثبتت التجربة صعوبة وحدة التنظيمات اليسارية, فهي رغم وجود اسس ايديولوجية كثيرة مشتركة الا انها تخضع لنزوات المثقفين الذين لا يعترفون ببعضهم وتحكمهم نرجسية قاتلة تجعل كل واحد يظن ان هذه الكرة الارضية تدور حوله هو فقط وتصطدم الذوات المتضخمة مع بعضها لكي تمنع اي تقارب او لقاء ويحاول كل زعيم (مفترض ان يقلل من قيمة زملائه وبالتالي فشلت وستفشل كل المحاولات لأسباب ذاتية بحتة, فالخلافات مصطنعة وغير موضوعية. ان الساحة السياسية في حاجة حقيقية لقوى سياسية تمثل الطريق الثالث او الآخر المختلف, خاصة وان كل الاحزاب القائمة قد تشققت بفعل الزمن والجمود, اذ نجد احزاباً اتحادية والحزب الشيوعي انشق وحتى انشقاقه انشق, الجبهة الاسلامية الآن مجموعة من الاخوة الاعداء, حزب الأمة مليء بالتيارات ولا يجمعه غير وجود الصادق المهدي, حزب البعث اكثر من حزبين وهكذا من ناحية اخرى, نجد مجموعات كبيرة من الرافضين للحزبية لمختلف الاسباب. وما قوائم المحايدين والمستقلين في الجامعات والمعاهد العليا, الا الدليل الواضح على هذا التوجه الجديد. يتهيب اصحاب فكرة الطريق الثالث ظروف السودان ويرى البعض استحالة تجاوز الواقع الحالي, ولكن تبدأ الاحلام صغيرة وبعيدة وسرعان ما تكون حقيقة, لقد عاصرت حزب الخضر في نهاية السبعينيات بألمانيا وهو بؤر صغيرة لانصار البيئة وليس له اي تأثير مع وجود الحزب الاشتراكي الديمقراطي والاجتماعي المسيحي (حزب كول) . ولكنهم بعد اقل من عقدين كانوا شركاء في السلطة, وتحالف غصن الزيتون في ايطاليا تجمع اصحاب الدعوة للخروج من الأزمة الايطالية وفي سنوات قليلة كانوا اغلبية. فالسودان يحتاج الى قوة ثالثة فعلاً لم تتلوث بالممارسات السياسية التي عرفناها منذ الاستقلال وان تمثل وتضم اساساً الشباب والاجيال الجديدة, واتمنى ان يتبنى المبادرون بفكرة الطريق الثالث قراراً يمنع كل من تجاوز عمره الاربعين او الخامسة والاربعين من تقلد اي منصب دستوري او تنفيذي ومن هذه العناصر تنبت وتزدهر قوى الطريق الثالث لانهم يمثلون المستقبل وقد تموت هذه الفكرة لو تربع على قيادتها الجيل الذي اضاع الفرص التاريخية وساهم رغم كل الادعاءات في الانهيار الحالي, فقد ادعى الحداثة والتقدمية ولكن في ممارسة رؤيته كان جيلاً ممعناً في التقليدية وانعدام الخيال والابتكار. يتمنى المرء حقيقة ان يخرج السودان نهائياً من هذا النفق الذي دخله منذ الاستقلال ودعنا نأمل خيراً في بديل جديد مهما كانت التسمية.