بين مطلع العام 1999 الذي شهد اخطر التحولات في سياسة الناتو وبين مطلع العام 2000 نجد تغيرا استراتيجية الناتو, يعزى الى تحديد مفاهيم اهدافه وتوحيدها بين دوله الاعضاء, ويمكن تحديد هذا التغير بايضاح مفردات استراتيجيته وآلية تطبيقها . فقد ركزت استراتيجية العام المنصرم في القرن الماضي على تطوير استراتيجية التسليح داخل الحلف والدول الاعضاء لمواكبة التطورات التقنية ومواجهة التهديدات العالمية دون ايضاح اهداف هذه الاستراتيجية وكيفية مواجهة التهديدات العالمية. كما ركزت على سياسة التوسع دون الاعلان بشكل واضح متى يحدث هذا التوسع وفي اي اطار.. لكنها كانت خطوطا عامة معلنة لسياسة الحلف المقبلة. ونجد ان خلافات كثيرة شهدها صنع القرار لدول حلف الاطلسي بينما استبعد وزير دفاع بريطانيا انضمام اعضاء جدد للحلف تؤيدهم ألمانيا وفرنسا, وقررت امريكيا الاحتفال في قمة واشنطن الاخيرة بتوسع نطاق الحلف مع العمل في نفس الوقت على تجنب التزام علني بمزيد من التوسع. وازدادت الخلافات حدة حول طلب ألمانيا نزع الأسلحة النووية من قوات الناتو.. فقد سارعت واشنطن برفضه بينما كان خافيير سولانا أمين عام الحلف يطالب الدول الاعضاء باعادة النظر في مساهماتها العسكرية لتحقيق الاستراتيجية الجديدة. كانت ألمانيا ترى ان على الحلف ان يخلي جيوشه من الاسلحة النووية كمقدمة لنزع اسلحة الدمار الشامل من دول الحلف والعالم. وكانت تعرف انها بذلك تناطح ثلاث دول كبرى تمتلك اكبر كم متطور من الاسلحة النووية وهي امريكا وبريطانيا وفرنسا, اضافة لألمانيا نفسها, ورغم انها لم تعقد أملا كبيرا على استجابة هذه الدول لكنها كانت تقدم مطلبا للسلام يوفر الامن في ارجاء العالم. كانت وجهة النظر الامريكية تستند الى انه لا ضرورة تستدعي بأن يعدل الحلف سياسته النووية ولكنه لن يكون البادىء باستخدام الاسلحة النووية في حرب. فسياسة الناتو النووية وفق المنظور الامريكي والبريطاني معا جزء لا يتجزأ من مفهومهما الاستراتيجي ويعتقد انها يجب ان تبقى كما هي. سياسة الناتو تجاه الأعضاء الجدد كان تحرك الحلف في سياسته التوسعية منبعثا من منطلق تحركه تجاه حل الازمات الناشبة. منطلق الحركة هذه كان يتخفى تحت ستار (إطار مبادىء الأمم المتحدة) لكنه في الواقع يسعى للانفراد بالقرار خارج اطار الامم المتحدة, اذ ان قوانين الأخيرة تفيد تدخله في سياسات الدول الاعضاء وغير الاعضاء. كانت البداية عندما نظم الحلف صفوفه الداخلية متبنيا استراتيجية لادارة صراعات القرن الحادي والعشرين تحدد دور الأمم المتحدة وتعطي اوروبا الحرية في تنظيم حملات عسكرية في اوروبا باستخدام امكانات الناتو, دون مشاركة الولايات المتحدة.. وهنا بدأت بوادر ازمة متفجرة مع روسيا عندما قرر الحلف فرض حصار بحري على يوغسلافيا لمنع وصول النفط, الأمر الذي رفضته موسكو ملوحة بحرب عالمية ثالثة. وبالطبع دخول موسكو الحلبة يعني دخول واشنطن نفس الحلبة وكأن حلبة الحرب الباردة ما زالت قائمة لكن الزمان والمكان تغيرا, فأصبح الحلف تتنازعه اطراف ثلاثة: امريكا بهدف الهيمنة عليه لاتخاذه اداة او اذرعا لانفاذ مصالحها, وأوروبا بهدف النهوض بما تسميه قوتها العظمى لمواجهة القطب الأمريكي المنفرد وحماية مصالحها, وروسيا التي بدأت تفقد نفوذها في شرق اوروبا بانهيار الدول الشيوعية بدءا بيوغسلافيا سابقا ومحاولة استعادة دور القوة العظمى. ومما يجعل الناتو يخشى روسيا بعد انهيارها وتفتتها احتفاظها حتى الآن بقدراتها العسكرية النووية. لكن أوروبا والناتو مع شريكه الأمريكي يهمهم ان تنضم دول مثل سلوفينيا ورومانيا, ثم جمهوريات البلطيق وبلغاريا وسلوفاكيا. وهو ليس نوعا من التكريم ينعم به الناتو على الديمقراطيات الجديدة, لكنه خطوة مهمة لقطع الطريق على موسكو في استعادة سطوتها على شرق أوروبا, اضافة لاعادة رسم خريطة العالم وفق المنظور الاوروبي ـ الأمريكي الجديد, وهذا يجعل الغرب متحمسا لمنح ألد خصومه مثل جمهورية التشيك وبولندا والمجر عضوية كاملة في حلف الاطلسي. ورغم ان بريطانيا وألمانيا وفرنسا لا تزال تعارض مجرد التفكير بمزيد من التوسع في عضوية الحلف الا ان هناك من يرحب بالفكرة على انها ضرورة لاعطاء روسيا وقتا كافيا للتأقلم مع الحقائق الجديدة على الارض. فأمريكا التي أعلنت ان الباب للانضمام للحلف سيبقى مفتوحا على مصراعيه اشترطت ان يكون هذا الانضمام ضمن صفقة تتسم بالقوة والمصداقية مؤكدة انها ستبقى احد اهم التحديات التي يواجهها الحلف. الناتو وتفعيل نظام الأمن حاول الأوروبيون خلق نظام أمني فاعل على حساب الناتو. وبرزت الخلافات بين فرنسا وألمانيا من ناحية وبين الولايات المتحدة من ناحية اخرى. دعت أمانيا وفرنسا من وجهة نظرهما الى انتشار (هيكل امني) مستقل عن الناتو, وطرحتا تأسيس فيلق أوروبي واعادة الهيكلة وتوزيع القيادة داخل الناتو وهي الدعوة الفرنسية المسماة (اعادة توزيع المسئوليات في حلف الأطلسي) اضافة للدعوة الفرنسية بضرورة ان تكون قيادة قاعدة الناتو في ايطاليا اوروبية, وهذا ما رفضته امريكا مصرة على مبدأ ان مهمة الدفاع عن اوروبا يقوم بها بالاساس حلف الاطلسي, وفهمت محاولة فرنسا لفصل قيادة قاعدة الناتو في ايطاليا اوروبا على انها دعوة للانفصال. ظلت دول الحلف تتدارس بين تضاعف خلافاتها امكانية توسيع الحلف ومد شبكة آمنة الى دول شرق ووسط أوروبا والبلطيق حتى تم طرح (الشراكة من أجل السلام) وهذا المبدأ ليس جديدا فقد شهدته قمة بروكسل عام 1994 وهو يقر توسيع الحلف على مراحل. وفي 1995 اتفقت دول الحلف على توسيعه طبقا لخطة زمنية تتضمن عدة مراحل تبدأ اولها في يناير 1999 وتوافق احتفال الحلف بمرور 50 سنة على تأسيسه. وهكذا ضم الحلف كخطوة اولى لهذه الشراكة كلا من المجر وبولندا والتشيك في مرحلته الاولى. وتأتي مرحلته الثانية عام 2003 حيث سيتم ضم كل من النمسا وسلوفينيا ورومانيا,والمرحلة الثالثة تأتي عام 2010 حيث يتم ضم جمهوريات البلطيق الثلاث (استونيا وليتوانيا ولاتفيا) ودول محايدة مثل فنلندا والسويد. وتبقى قضية روسيا التي تعارض بشدة خطط الحلف التوسعية, وقد اتفق وزراء دفاع الحلف مع روسيا عام 1996 بتشكيل اطار مشترك وقيادة جديدة تشارك فيها روسيا, وتوصلوا في محاولة لحل هذه المشكلة الى وثيقة تأسيسية عام 1997 تضمنت تعهدات متبادلة ومجالات تعاون بين الطرفين. وتبنى الناتو مفهوما استراتيجيا جديدا يحول مهمته من مجرد الدفاع عن الجغرافيا الاطلسية والفضاء الأطلسي كمجال جغرافي رئيسي للحلف, الى تحالف للدفاع عن مصالح شركاء الحلف عبر العالم كله, وهذا يعني اسقاط الحدود الجغرافية وما تمثلها من الحواجز على المجال الأمني للحلف. ويوضح هذا أحد أهم أهداف الحلف لممارسة مجالات نشاطه في مناطق جنوب البحر المتوسط وشمال افريقيا, آسيا الوسطى, البلقان, القوقاز, الشرق الأوسط, وأي مكان في العالم يكون فيه لأعضاء الحلف مصالح حيوية تتعرض للتهديد, بما يعني عقيدة سياسية ودفاعية جديدة للحلف الأطلسي. ونرى ان هذه الصيغة أمريكية من حيث (عولمة الناتو) اذ تسعى وفق رؤية أمريكية لاحداث مواجهة استراتيجية لهدف الناتو, فتغير هويته من تجمع لعدد من الدول ضد عدو واضح له بعد جغرافي واقليمي محدد الى حام لمصالح الدول الغربية في سياقها الكوني, وهذا يعطيه صبغة (الكونية) . ونجد ذلك واضحا فيما قاله خافيير سولانا سكرتير عام الحلف اذ أشار الى ان (عولمة الناتو تستهدف الدفاع عن المصالح في مختلف البقاع والمناطق وتجاوز حدود الأمن الجيوبولتيكي الى مفاهيم جديدة للأمن تتضمن المصالح الاقتصادية والسياسية) . نستطيع الوصول الى خلاصة هذه الاستراتيجية ومضمونها في الآتي: * ان الرؤية الأمريكية لعولمة الناتو تنطلق من عقيدة عسكرية للدفاع في المستقبل. * ان الواقع المتجه اليه الحلف فرضته التغيرات التي احدثتها امريكا بسياستها الانفرادية. * ان المفهوم الأمريكي الجديد يواجه معارضة اوروبية لكن هذه المعارضة لا تستطيع الفكاك من القبضة الامريكية فمفهوم أوروبا للأمن والمصالح ينطبق مع مفهوم أمريكا للأمن والمصالح معا. * ان أية محاولة للانفصال عن الناتو مستحيلة لتشابك العلاقات والمصالح وارتباط الغرب بشراكات عنكبوتية لا فكاك منها. * توسع الناتو ضرورة ولكن بشروط, وكذلك بموافقة وانضمام روسيين ولكن بلا قدرة فيتوية لروسيا. ويمكن ان نرى ان نظام الأمن الأوروبي ركز على خمسة مواضيع: * انهاء الصراع في البوسنة والهرسك لما يشكله من خطر على خطط الناتو. * توسع الناتو والاتحاد الأوروبي نحو الشرق. * الشراكة عبر الأطلسي يضمنها التمثيل الأمريكي في أوروبا والدعامة الأوروبية في حلف الأطلسي. * التطورات في روسيا (حرب الشيشان والصعوبات الاجتماعية والاصلاحات الراديكالية وسياسة الاصلاح الداخلية). * مبادرة الحوار التي أطلقتها منظمة الأمن والتعاون الأوروبية (OSCE) من أجل تشكيل الأمن الأوروبي للقرن الواحد والعشرين ووضع صيغ لها. عرض: لهيب عبدالخالق