اذا كانت التسوية الشرق اوسطية تعني, من وجهة النظر العربية, انسحاب اسرائيل من الاراضي العربية المحتلة, بالطرق السلمية, وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.. فإن للتسوية معنى آخر تماماً من وجهة النظر الامريكية والاسرائيلية. فجوهر التسوية بالنسبة للولايات المتحدة يعني اعادة رسم خريطة المنطقة بصورة تضمن بسط الهيمنة الامريكية عليها سياسيا واقتصادياً وعسكرياً , وحماية المصالح الاستراتيجية الامريكية في المنطقة, وفي مقدمتها ضمان تدفق النفط, وضمان امن اسرائيل باعتبارها الركيزة الاولى للولايات المتحدة في الشرق الاوسط, وشريكتها الصغرى في السيطرة عليه.. يلي ذلك تعزيز دور الركيزة الاقليمية الشريكة الصغرى الثانية في المنطقة.. نعني تركيا الموكول إليها, علاوة على ذلك ادواراً اخرى كأداة للسياسة الامريكية في القوقاز وآسيا الوسطى. وطبيعي ان يكون للشركاء الاصغر اهدافهم ومصالحهم الخاصة في التسوية وهي اهداف تتعاظم قابليتها للتحقيق بقدر ما تنسجم مع الاستراتيجية الامريكية العامة من جهة.. وبقدر ما تسمح بذلك علاقات القوى في المنطقة من جهة اخرى. وهي علاقات تتسم بالاختلال الواضح لغير صالح الاطراف العربية بصورة تفاقمها حالة التشرذم العربي المستمرة منذ عقد اتفاقيتي كامب ديفيد ثم بدرجة اكبر بعد اقدام نظام صدام حسين على غزو الكويت. ويترتب على هذا بالضرورة ان تكون شروط التسوية مجحفة بالاطراف العربية, ومحققة لاهداف اسرائيل. وبديهي ـ والحال هكذا ـ ان تذهب ادراج الرياح المناشدات العربية (للراعي الامريكي) بأن يقوم بدوره (كراع وشريك نزيه) !! وان يضغط على اسرائيل لالزامها باحترام الشرعية الدولية... الخ.. الخ.. فمادامت الاطراف العربية عاجزة عن اتخاذ اي موقف يهدد المصالح الامريكية ـ او الاستقرار الذي يهم الولايات المتحدة ـ فليس لدى صانع القرار الامريكي دافع للضغط على اسرائيل, حتى لو كانت خطواتها التوسعية لا تدخل بالضرورة في اطار المواقف الامريكية. بل ان واشنطن غالباً ما تنتقل الى تبني المواقف الاسرائيلية والضغط على هذا الطرف العربي او ذاك حتى يستجيب لها!! فالضغط على الضعيف دائماً اسهل... ودور اللوبي الصهيوني الامريكي في تحديد ملامح سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الاوسط امر غني عن التعريف. الذراع الطويلة المتتبع لمواقف الولايات المتحدة تجاه الصراع العربي ـ الاسرائيلي منذ قيام الدولة الصهيونية حتى مفاوضات (شيردز تاون) سيلاحظ على الفور الانحياز الامريكي الصارخ الى جانب اسرائيل, ربما باستثناء لحظة وحيدة في تاريخ هذا الصراع, اثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956, حينما دفعت رغبة الولايات المتحدة في وراثة الامبراطوريتين المتداعيتين البريطانية والفرنسية واشنطن الى اتخاذ موقف مضاد للعدوان, ومطالبة اسرائيل بالانسحاب من سيناء. واذ ادرك زعماء الدولة الصهيونية طبيعة التغير الجاري في علاقات القوى الدولية وانعكاساته على الشرق الاوسط فقد سارعوا منذ اواخر الخمسينيات الى وضع دولتهم في خدمة الولايات المتحدة واستراتيجيتها في المنطقة. ولأن حركة التحرر الوطني العربية بزعامة مصر الناصرية كانت تشكل اكبر خطر على المصالح الاستعمارية الامريكية في العالم العربي, فقد كان ضرب تلك الحركة, وفي القلب منها مصر اهم اهداف السياسة الامريكية في المنطقة, وهو ما تحقق بواسطة اسرائيل في 5 يونيو عام 1967ر كما حقق العدوان في الوقت نفسه, عدداً من اهم اهداف الدولة الصهيونية ضرب اكبر دولة عربية وتحطيم الجيشين المصري والسوري وكسر شوكة حركة التحرر الوطني العربي, واحتلال بقية فلسطين (الضفة الغربية وغزة) بالاضافة الى سيناء والجولان. وفضلا عن ذلك فقد اصبح الجيش الاسرائيلي اقوى جيوش المنطقة بلا منازع. ولا شك ان حرب اكتوبر 1973 قد مثلت هزيمة اكيدة لنظرية الامن الاسرائيلية, ولا سطورة الجيش الذي لا يقهر.. لكن المؤكد ان اسرائيل تظل اقوى دول المنطقة عسكرياً.. والاكثر من ذلك ان الولايات المتحدة تضمن لها (التفوق النوعي) على الجيوش العربية مجتمعة.. ومن الضروري ان نتحفظ هنا بأن هذا (التفوق النوعي) مرتبط بظروف محددة, وانه ليس قدراً يستعصى على التغيير.. لكن هذا حديث ذو شجون... خلاصة ما قصدنا إليه من ذلك السرد التاريخي هو ان اسرائيل كانت اداة الولايات المتحدة في حماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة, وذراعها الطويلة لضرب حركة التحرر الوطني العربية, وخلق الشروط الضرورية لاخضاع المنطقة العربية للهيمنة الامريكية. بأشكال مختلفة, وعلى جبهات شتى, وبخطوط متفاوتة من النجاح. ولان اسرائيل اثبتت قدرتها على القيام بدور الذراع الطويلة للولايات المتحدة في المنطقة, ولانها اقوى اقتصادياً وعسكرياً من اية دولة عربية.. ولانها تمثل امتداداً عضويا للغرب, فقد كان طبيعياً ان تتقدم للعب دور الركيزة الاساسية للمصالح الامريكية في المنطقة, والقاعدة العسكرية الاكثر اهمية للحفاظ على هذه المصالح.. وبالتالي لدور الشريك ـ وان يكن الاصغر ـ وليس التابع للولايات المتحدة. وليست اتفاقات (المشاركة الاستراتيجية) و(التحالف الاستراتيجي) بين البلدين إلاً احد التجسيدات البارزة لتلك العلاقة. واذا كانت الولايات المتحدة تتبنى مفهوماً (للسلام) في الشرق الاوسط باعتباره تأكيداً لسيطرتها السياسية والاقتصادية والعسكرية على المنطقة, فمن الطبيعي ان تكون (التسوية السلمية) تعبيراً عن (السلام الامريكي) وان تكون اسرائيل اهم ركائز هذا (السلام) .. وان يكون لها دور قيادي متميز في الخرائط الجديدة (الامريكية) للشرق الاوسط. وليس غريباً ـ والحال هكذا ـ ان يكون من اهم شروط الولايات المتحدة (لتطبيع) علاقاتها مع ايران مثلا وهي البعيدة عن اسرائيل ـ ان تمتنع طهران عن معارضة (التسوية السلمية) في الشرق الاوسط, وعن تشجيع ما تسميه واشنطن (بالارهاب) .. اي حركات المقاومة اللبنانية والفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي, فضلا عن الامتناع عن تطوير صواريخ ايرانية يمكن ان تصل الى اراضي الدولة الصهيونية. الشريك التركي اما بالنسبة للحليفة الاستراتيجية الثانية للولايات المتحدة في الشرق الاوسط.. اي تركيا.. فهي عضو في حلف (الناتو) وحليف قديم لامريكا منذ زمن الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي. ودورها في السياسة الامريكية في المنطقة معروف, وخاصة فيما يتصل بتهديد وحدة العراق وسلامته الاقليمية, سواء من خلال انطلاق الطائرات الامريكية منها (قاعدة انجيرليك) لضرب منطقة الحظر الجوي, او الانتهاك المستمر للحدود العراقية من جانب الجيش التركي في حربه مع المقاتلين الاكراد. وقد مارست تركيا ضغوطاً عنيفة ضد سوريا اثناء السنوات الماضية, بهدف حمل دمشق على الرضوخ لشروط ومقتضيات التسوية الامريكية ـ الاسرائيلية. فقامت انقرة ببناء شبكة من السدود والخزانات لتخزين مياه نهري دجلة والفرات, بتمويل غربي, غير عابئة بحرمان سوريا والعراق من نصيبهما المشروع من المياه, ورغم وجود فائض من المياه لدى تركيا, دارت المفاوضات بشأن بيعه الى اسرائيل!! وبعد تحرشات مستمرة بسوريا حشدت تركيا جيشها على الحدود بين البلدين مهددة بشن الحرب على دمشق بدعوى ايوائها للزعيم الكردي عبدالله اوجلان. ومثَّل اتفاق (التحالف الاستراتيجي) بين تركيا واسرائيل في السنوات الاخيرة تتويجاً للعلاقات الوثيقة بين البلدين على مدى فترة طويلة. كما وضع هذا التحالف سوريا بين فكي كماشة بالغة الخطورة طرفاها اسرائيل من الجنوب وتركيا من الشمال, الامر الذي يجعل سوريا واقعة تحت ضغط عنيف سواء وهي تجري مفاوضات التسوية الآن في (شيبردز تاون) او في حالة رفضها لشروط التسوية المطروحة, او ما يمكن ان تعتبره اسرائيل او امريكا تراجعاً من جانب دمشق عن شروط التسوية بعد ابرامها. وتمثل العلاقات العسكرية بوجه خاص بين تركيا واسرائيل نموذجاً للتعاون العسكري والامني الشرق اوسطي المرغوب فيه من جانب الولايات المتحدة التي حثت اكثر من دولة عربية على المشاركة في المناورات الاسرائيلية ـ التركية المشتركة في البحر المتوسط, قبالة السواحل السورية واللبنانية. ولم يقبل المشاركة الا الاردن بصفة مراقب. كما تعتبر تركيا دولة محورية في الاستراتيجية الامريكية في الشرق الاوسط بمعناها الواسع, والذي يشمل القوقاز وآسيا الوسطى, ودول المغرب العربي (في شمال افريقيا) الى جانب دول المشرق العربي وتركيا وإيران واسرائيل, التي تمثل الشرق الاوسط بمفهومه التقليدي. وتعتبر انقرة حلقة مركزية في مسعى امريكا للسيطرة على بترول بحر قزوين الذي تريد واشنطن ان تجعل منه منافساً لبترول منطقة الخليج. وقد حضر الرئيس الامريكي كلينتون بنفسه لنقل بترول بحر قزوين الى البحر المتوسط عبر الاراضي التركية (خط باكو ـ جيهان) الامر الذي يوضح اهمية الخط المذكور بالنسبة للمصالح الامريكية. الشرق أوسطية... ليست حلما.. والواقع ان قليلاً من التأمل في الاستراتيجية الامريكية تجاه المنطقة يحملنا على القول بأن الدعوة الى (الشرق اوسطية) التي تطرحها كل من الولايات المتحدة واسرائيل بحماس كبير ليست مجرد حلم طوباوي, وإنما هي مشروع مطروح للتنفيذ. والهدف الرئيسي لهذا المشروع هو تذويب النظام الاقليمي العربي في إطار اوسع, يفترض الداعون اليه ان ما ينبغي ان يربط بين اطرافه هي شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والترتيبات الامنية تحت اشراف امريكي محكم, وبدور قيادي اساسي لكل من اسرائيل وتركيا. ووفقا للتصور الامريكي ـ الاسرائيلي فان مفهوم الشرق الاوسط (الكبير) يشمل المنطقة الممتدة من آسيا الوسطى والقوقاز الى المشرق والمغرب العربيين, متضمنا, بالطبع, اسرائيل وتركيا (وايران في وقت لاحق.. بعد تغيير نظامها او احتوائه) . وقد مثلت المفاوضات متعددة الاطراف في اعقاب مؤتمر مدريد (1991) النواة الاولى لهذه الفكرة, حيث دعيت اليها دول اسيا الوسطى والقوقاز بالاضافة الى تركيا والدول العربية واسرائيل, وكذلك دول اوروبا الغربية واليابان, المدعوة الى (تمويل عملية السلام) وبالطبع تحت رعاية امريكا, مع دور شكلي لروسيا.. الراعي الثاني الرسمي (لعملية السلام) ... لكن هذه المفاوضات كان من الطبيعي ان تتعثر وان تلقى اعراضاً واضحاً من جانب الدول العربية, لان التسوية السياسية نفسها كانت تتعثر بشدة. ولم تكن قد تمت بالفعل الا بين مصر واسرائيل. ولم يكن ممكناً بالتالي مناقشة قضايا كالمياه والاستغلال المشترك للموارد الطبيعية, والاستثمار والتجارة, ونزع السلاح... الخ.. بين الدول العربية والدولة الصهيونية. وهكذا تم وضع المفاوضات متعددة الاطراف (في الثلاجة) حتى اشعار آخر. ويبدو ان الولايات المتحدة قررت ان هذا (الاشعار الآخر) قد حل اوانه, باستئناف المفاوضات بين سوريا واسرائيل. فقد تم توجيه الدعوات بالفعل لاستئناف المفاوضات متعددة الاطراف في موسكو اوائل الشهر القادم (فبراير 2000) لكن سوريا ولبنان اعلنتا انهما لن تحضراها... وهذا امر لم يكن خارج التوقعات على ضوء ان المفاوضات (المستأنفة) لاتزال في بدايتها, بينما لم تبدأ بعد على المسار اللبناني. وفي اتجاه اخر كانت الولايات المتحدة قد انتهزت فرصة مناخ التفاؤل الذي بعثته الاتصالات بينها واسرائيل من جانب ومنظمة التحرير من جانب آخر (عام 1994) ودعت الى عقد (المؤتمر الاقتصادي لدول الشرق الاوسط وشمال افريقيا) الذي انعقد لاول مرة في الدار البيضاء في اواخر العام نفسه (1994) وتلته مؤتمرات سنوية في عمان والقاهرة والدوحة لم تسفر عن تحقيق نتائج كبيرة فيما يخص اهدافها المعلنة, وان كانت اسرائيل قد استفادت منها في تحقيق حضور لها في عدة عواصم عربية, اسفر عن اقامة علاقات اقتصادية مع عدد من الدول العربية, ومكاتب للتمثيل التجاري في تلك الدول.. وكلها بعيدة عن خط المواجهة. ومهما تكن تلك العلاقات الاقتصادية محدودة, الا انها مثّلت اختراقاً اسرائيلياً مهما من حيث مغزاه السياسي. ومع وصول نتانياهو الى السلطة, والتعثر الواضح لعملية التسوية, كان طبيعياَ ان يقاطع عدد كبير من الدول العربية مؤتمر الدوحة (1997) ومن هذه الدول بلدان عربية كبيرة ومؤثرة كمصر والسعودية والامارات. وتوقفت المؤتمرات الاقتصادية للشرق الاوسط وشمال افريقيا لمدة عامين (1998,1999) .. إلاّ انه مع استئناف المفاوضات بين سوريا واسرائيل بدأ يسود مناخ متفائل سمح بتوجيه الدعوة لعقد المؤتمر الخامس في القاهرة في مارس القادم (2000) وهكذا يبدو ان الدعوة (للشرق اوسطية) تتعالى مرة اخرى, وتستجمع زخما جديدا... والامر المؤكد ان المستفيد الاول من هذه الدعوة هي الدولة الصهيونية.. وانها سوف تستغل المؤتمر الاقتصادي والمفاوضات متعددة الاطراف لتحقيق اختراقات جديدة من شأنها ان تزيد الصف العربي, الممزق اصلاً, تمزيقاً وتشتيتاً, وتفتح الطريق لخطوات جديدة في اتجاه (الشرق اوسطية) حلم شمعون بيريز القديم, الذي طالما وصفة الكثيرون بالطوباوية... لكنه يجد بين العرب من يتحمس في الدعوة له والعمل على تجسيده!! ومهما يكن من امر فتلك دورة من دورات الصراع.. ولعل الغد القريب او البعيد يأتي بكلمة اخرى للشعوب العربية تجاه (الشرق اوسطية) وحماتها.. ودعاتها... * كاتب سياسي مصري