تشير كثير من الكتابات الغربية ـ بشكل صريح ـ الى ضرورة تدعيم الموقف التفاوضي بين سوريا واسرائيل, بهدف احداث تغيير في المنطقة, وفي حال عدم حدوث ذلك فان الدول العربية تعتبر مسئولة الى حد كبير عن فشل مستقبل السلام في المنطقة والسؤال الذي يطرح: اذا كان الموقف الرسمي جليا, واعلن صراحة على ان السلام خيار استراتيجي بالنسبة للدول العربية فما المطلوب على الصعيد النخبوي والشعبي للقبول بالسلام ؟ الواقع ان اجابة السؤال السابق تبدو في الوقت الراهن اهم قضية تشغل الدول المؤيدة للوجود الاسرائيلي في المنطقة باعتبارها (دولة يفترض ان تعيش آمنة) بعد الوصول الى نتائج تحقق لها ما تمنته لخمسة عقود خلت, ويبدو ان هذا يعد ضربا من الآمال مرتكزا على تخطيط ودراسة نتيجتها ازالة عقدة العداء من العرب تجاه اسرائيل حتى ان بعض المصادر المطلعة تذهب الى القول: (ان محاولة جر دول (خارج الطوق) الى دائرة السلام يعتبر بمثابة انهاء (العقدة النفسية) في بداية هذا القرن, وان مسئولين عدة على المستوى العربي يدركون هذه المسألة ويحاولون تجاوزها لكن ستظل قائمة مادام هناك صراع حول الارض المقدسة) . على العموم فان كل المحاولات المبذولة تهدف في الاساس الى تغيير النظرة العربية في مجملها الى ما يمكن اعتباره سلاما حقيقيا يتم فيه الحصول على جزء من الارض مقابل توفير الأمان كاملا, والأمان هنا لايعني توقيف العمليات الجهادية فحسب, وانما يتجاوزها الى دعم النشاط الاقتصادي, وفتح المجال امام الاستثمار الاسرائيلي في المنطقة والتعاون في مختلف المجالات بما في ذلك المتعلقة بالثقافة والنظم الاجتماعية والاطر المعرفية, وما يتصل بشكل مباشر او غير مباشر بالحياة الاجتماعية, بحيث تصبح الارتباطات على المستوى العلائقي غير قابلة للانفكاك, وحتى اذا حدث ذلك فبتكلفة باهظة, وما الجمعيات التي تتشكل بشراكة عربية ـ اسرائيلية, وما الزيجات التي تتم بين الاطراف المختلفة رغم قلتها الا دليلا على ذلك. الواضح ان ما يحدث الآن قد تم الترتيب له منذ سنوات, وعدة كتابات سياسية تشير الى ذلك, غير ان الترتيبات جميعها لم تكن بالشكل العلني التي هي عليه الآن, اي انها ظلت سرا من الاسرار الخاصة بكثير من الدول العربية, وبغض النظر عن تلك الترتيبات التي جاءت نتيجة القناعة او نتيجة للضغط من الخارج, فانها ما كانت لتعلن خوفا من رد الفعل الشعبي, وهذا الاخير تراجع الآن لاسباب عديدة يطول شرحها من اهمها الضغط الاقتصادي في الحياة اليومية, وظهور الصراعات الداخلية وتعدد الآراء.. وغياب الاجماع حول قضية بعينها تمثل مصيرا مشتركا للامة, لذلك لم تكن الشعوب مطالبة بدفع استحقاقات ما يمكن حدوثه من سلام, وان كانت قد دفعت الكثير في سنوات الحرب بنسب مختلفة. لاشك ان الظروف قد تغيرت, ونتيجة لذلك فان الشعوب العربية ستجد نفسها مكرهة على تقديم مزيد من التنازلات لن تنفع فيها تلك المظاهرات التي كانت تقوم في الستينيات تأييدا للثورات, او منعا للتدهور بعد الهزيمة, او في السبعينيات احتفالا بالانتصارات وما يتبعها او حتى في المرحلة الاولى للتحضير للسلام حيث كان الاعتقاد سائدا على ان الامور ستتغير نحو الافضل, لكن كيف ستدفع ثمن السلام الذي لم يأت من العدم؟ بالتأكيد ان هذا السؤال لم يطرح على الصعيد الشعبي او القومي, ذلك لان الخطاب السياسي السائد داخل معظم الدول العربية يؤكد ان السلام يرتبط بالرخاء وبالازدهار واستعادة الارض وتوطين الفلسطيينيين في ارضهم الى غير ذلك من الجوانب الايجابية لكن اعتقاد الشعوب هو ان ثمن كل هذا ـ ان تحقق ـ لا يقل فداحة عن ثمن الحرب, ناهيك على انه مصحوب بنوع من الهزيمة الواضحة, ذلك لانه لايتحقق في الوقت الراهن بين طرفين على مستوى واحد من القوة, ولا يحققه بينهما طرف وسيط عادل وانما تدفع المنطقة بكل ما فيها الى القبول بسلام يخص كل دولة على حدة, ويتم التفاوض فيه بشكل انفرادي مما نتج عنه عدم اتخاذ موقف موحد يساعد المفاوض العربي في الحصول على حقوقه. ان للسلام استحقاقاته المرتبطة بالانسحاب من الارض, وهذه سيتم التعامل فيها على ثلاثة مستويات مختلفة, طبقا لارتباط كل مستوى بنوع من الدول العربية. المستوى الاول يخص الدعم المادي وتكلفة فاتورة الانسحاب خصوصا من الجولان والجنوب اللبناني وحتى قبلها من بعض الاراضي الفلسطينية وهذه قد تدفع فاتورتها بعض دول المنطقة وان كانت لم تتضح بعد تكلفة العملية برمتها, المستوى الثاني ويتعلق بالدعم المعنوي, وذلك بازالة العقد العدائية باسرائيل بناء على مواقف سياسية آتية من فترة سابقة, وهذه تقوم بها الدول التي ليس في مقدورها تدعيم عملية السلام من الناحية المادية وتشمل دولا عديدة مثل مصر, المغرب, الاردن, تونس, موريتانيا, الجزائر, بطرق مختلفة وبأساليب مختلفة, وتتبع هذه بترويض مقصود لدول اخرى يشك في موقفها على المدى المنظور خصوصا السودان وليبيا. والمستوى الثالث يتجاوز الموقف الرسمي الى النخبة المثقفة والتي يطلب منها سواء من قيادة دولها او بترغيب خارجي لدعم السلام الذي يعني في الاساس تواجد اسرائيل آمنة في المنطقة. يبدو ان الحقيقة في مسألة السلام اكبر بكثير من الوصف او التحليل, ولا يوجد في الوقت الراهن اتفاق عربي واضح حول كيفية التعامل مستقبلا مع الوجود الاسرائيلي في المنطقة, ورغم هرولة بعض الدول, وعدم اهتمامها بالمصير العربي المشترك, واعتقادها بان الوصول الى امريكا يمر عبر اسرائيل, الا انها لم تحقق نتيجة لذلك شيئا يذكر, بل على العكس من ذلك ينتظر منها تقديم مزيد من التنازلات في حين انه لم يعد لديها في واقع الامر ما تتنازل عنه, ذلك لانها لم تبد حسما ووعيا بمسألة التفاوض العربي ـ الاسرائيلي, لذلك يتم التعامل معها على اساس التقسيمات الجغرافية, حيث نلاحظ غياب تسمية ومفهوم الامة العربية ليحل بدله دول الشرق الاوسط وشمال افريقيا ودول الخليج, ويتم التعامل مع الدول العربية على اساس ثلاث مجموعات مختلفة, وباقي الدول الخارجة من هذه المجموعات فهي اما مزعجة للغرب ولاسرائيل وبالتالي سيتم تأديبها, واما تم احتواؤها, واخرى ثالثة متروكة لامرها لكونها منشغلة في حروب اهلية ونزاعات محلية. يلاحظ ان التعامل مع الدول العربية يتم الآن على اساس فردي, وبالتالي فان استحقاقات السلام ستتم على هذا الاساس ايضا, وفي غياب تكتل عربي, فان الشعارات المرفوعة والمتعلقة بالسلام تظل مجرد خطابات سياسية تظهر قوة المفاوض العربي ومشروعية الحق العربي, لكنها تبطن تنازلا مبيتا, لان الدولة القطرية تواجه مشكلات اقوى في الوقت الراهن من القضايا المشتركة ومع ذلك كله فان الشعور الوحدوي سواء ذلك المتعلق بالخوف من المستقبل, او من التجارب المتكررة التي لم تحقق نتائج تتساوى مع ما يقدم من تنازلات لن تجعل النخبة في اغلب الدول العربية تقبل بالوضع الحالي. لاشك ان المرحلة القادمة تختلف عما سبقها, لكنها غير مفصولة عن الماضي, الذي جسد استحقاقات للحرب تعتمد عليها اسرائيل الآن والولايات المتحدة الامريكية كقاعدة للانطلاق في المطالبة بالمشاركة في المجهود السلمي, ودون الاشارة الى ان الحرب اشعلتها في الاساس اسرائيل, وكانت في كل المراحل معتدية, وانه مثلما ترى على العرب تكلفة الحرب, فالمفروض ان تكون عليها تكلفة اكبر, وكان ينتظر ان تنسحب من الاراضي العربية دون قيد او شرط, لكنها تبدو جادة ـ وربما بوعد عربي ـ في تحقيق النصر في السلام مثلما حققت في الحرب نصرا يريد الغرب ان يجعل منه استحقاقا ضروريا ليس للعيش فقط بسلام على ارض عربية اغتصبت وانما للقبول بها في كل الدول العربية على مختلف الاصعدة لا تطبيعا فقط, وانما مشاركة في كل المجالات, حتى تلك المتعلقة بالهوية والانتماء وجغرافية المكان, والنزاع حول كل مكان تواجد فيه كل فرد يهودي في الماضي القريب او البعيد, ولايمكن رفض ذلك مادامت المواقف السياسية العربية غير موحدة, وما دام البعض يروج لفكرة التعايش والمشاركة, وهو ما يشكل خطرا اكبر من خطر الحرب في المستقبل.