بقدر ما يبدو الأمر واضحاً للوهلة الاولى, بقدر ما هو معقد شديد التداخل اذا خضع لنظرة متمهلة فاحصة! النظرة الاولى تقود الى استنتاج مؤداه ان الصراع العربي ـ الاسرائيلي سوف يشهد الوصول الى خط النهاية قريباً, وان استحقاقات ما بعد التسوية سوف تفتح الباب امام سيناريوهات ترسم ملامح للمستقبل على اسس تشابكية من ثم فهي تختلف الى حد بعيد عن التصورات التي سبق وضعها كمحاولات استشرافية تصدت لها اطراف الصراع في مراحله السابقة, عبر اكثر من نصف قرن, كانت ديناميات الصراع العسكري خلالها هي الأساس الذي تم بناء تلك التصورات على اساسها, ولم تضع ضمن اكثر الاحتمالات تفاؤلاً المتغيرات التي تحكم المنطقة اليوم وغداً. النظرة المتمهلة الفاحصة تؤكد ان ثمة تحولات متسارعة متداخلة باتت تحكم الخطوات المستقبلية للمنطقة غير انها لا تنطلق من المقولة المركزية التي تحكم النظرة الاولى, بل على العكس فإن الصراع ـ وفقاً لتلك الرؤية ـ لم ينته لمجرد التوصل الى تسوية على كل المسارات ـ كفرضية شبه مؤكدة ـ لكن اللحظة التاريخية الراهنة قادت الى تحول مسار الصراع, وصوره, واشكاله, وليس جوهره الحضاري, وان ظل خيار حرب محدودة الاهداف وارداً, من ثم فإن استحقاقات ما بعد التسوية تفتح النوافذ ـ قبل الابواب ـ امام صيغة جديدة للصراع, ولا تنفيه, تتطلب بالتالي ارساء قواعد مختلفة للمباريات السياسية, وتوازن القوى, لعل اخطرها ما يتعلق بالصراع على الهوية والنفوذ في قلب المنطقة ويمتد الى اطرافها متفاعلاً مع الواقع العربي ازاء العديد من الاستحقاقات التي سوف تتدافع بالجملة في الساحات العربية, وتفرض على القيادة السياسية في كل الاقطار ـ دون استثناء اتخاذ قرارات لا يمكن ان تتم بمعزل عن الشارع والارادة الجماهيرية للتعاطي مع معضلات واشكاليات تم تأجيل اتخاذ قرارات بشأنها طويلاً, بحجة ان الاولوية المطلقة يجب ان تكون لمواجهة مقتضيات وتبعات الصراع العربي ـ الاسرائيلي, فقد انتفى ـ ولو مؤقتاً ـ مبرر العدو المتربص, واسدال الستار على المشهد االاخير من عبثية (اللاسلم واللاحرب) وسوف تتساقط على خريطة الواقع استحقاقات عديدة كأوراق الدومينو. نقلة نوعية اللحظة الراهنة اذن تشهد نقلة نوعية على درجة من العمق, وتحمل في طياتها استحقاقات وتحديات خطيرة, تكمن خطورتها في تشابكها وتداخلها وعدم امكانية التغاضي عن العلاقات الجدلية التي تحكم حركتها, وبالتالي آليات ادارتها ومواجهتها فمن السذاجة السياسية والفكرية تبسيط المستقبل في سيناريوهات يراهن على انتقال المنطقة من حالة الحرب الى علاقات تعاون على المستوى الاقليمي او اختزال الامر على الصعيد القطري اعتماداً على أن ثمة استحقاقا مركزيا او اساسيا يجب ان تكون الاولوية التي تمثل حجر الزاوية في السيناريو الذي يحكم مستقبل هذا القطر او ذاك, بمعزل عن التحديات الاخرى قطرياً, او على المستوى القومي او الاقليمي. وكمثال: فإن بعض الاقطار تعاني من توترات عرقية وطائفية تقترب بها من حافة الحرب الاهلية, ولا يمكن الاستمرار في قمع هذه التوترات تحت دعوى التفرغ لمواجهة العدو المتربص ـ بعد التسوية ـ من ثم فإن مقاومة النظم عبر اجراءات قمعية لا يمكن ان تنتج سوى مزيد من الاضطرابات السياسية والاجتماعية, ولا سبيل لمواجهة ناجعة لهذا التحدي الا باعتماد التحول الديمقراطي وتوسيع هامش المشاركة السياسية, والتنمية الاقتصادية, والتصدي للفساد و... و... ولعل حتمية ذلك لا تعود فقط لانتفاء مبرر العدو المتربص, او اي قضية ذات قداسة ولكن لعجز تلك النظم عن فرض ستار حديدي امام الانفجار المعلوماتي عبر الاقمار الصناعية والانترنت والتحولات التي طرأت على مفهوم الدولة, وسيادتها, وحدود التدخل الانساني و... مشاكل بنيوية وكمثال آخر, فإن ارتفاع عتبة الفقر, وانخفاض سقف الرخاء في اقطار عربية اخرى, يفرض اعتماد خطط لمعالجة المشاكل البنيوية, ولا يمكن تصور انجاز تلك الخطط في ظل عدم توفر متطلبات التنمية ومواجهة سوء الادارة وتحجيم الآثار الاجتماعية السلبية للاصلاح الاقتصادي و.. و... وكمثال ثالث: فإن منح الاولوية داخل بعض الاقطار لانجاز التنمية الشاملة يستحيل التوصل لنتائج ايجابية بصدده في ظل نقص المياه ـ او التهديد بقطعها ـ في هذه الاقطار, والمياه مورد لا غنى عنه في التنمية الصناعية والزراعية, ولا يمكن تأمين هذا المورد, دون التوصل الى قواعد واضحة تحكم العلاقات العربية ـ العربية من جهة والعلاقات العربية مع دول الجوار الجغرافي التي تتحكم في معظم موارد المياه التي تغذي الاقطار العربية, فضلاً عن الاطماع الاسرائيلية من جهة اخرى الامر الذي يتطلب اعادة ترتيب الامور داخل كل قطر عربي وفي الوقت ذاته توفير درجة مناسبة من الانفتاح السياسي والتكيف مع النظامين الاقليمي والدولي على ضوء المستجدات التي تفرض رسم معالم برنامج سياسي عربي استراتيجي, يكون بمثابة سيناريو يحدد الخطوط العريضة للمستقبل في مرحلة ما بعد التسوية السياسية والقانونية التي تشهد المرحلة الحالية لمساتها النهائية. ان المشهد الذي يمثل الخلفية التي سوف تتعاطى مع المستقبل باستحقاقاته وتحدياته مشحون بالتفاصيل المعقدة, والتي تحيط بالقرارات المصيرية والغير وارد تأجيلها بعد الآن, واذا كان الصراع العربي ـ الاسرائيلي قد أخر استحقاقات تصب في خانة المصلحة العربية قطرياً او قومياً, مما جعل النصف الثاني من القرن العشرين في مجمله سلبياً خاصة في ظل غياب الديمقراطية الداخلية, والمؤسسات القومية الفاعلة فإن تأخير استحقاقات ما بعد التسوية من شأنه ان يجعل اسرائيل تنجح بامتياز في استثمار الخلل في توازن القوى, وانكشاف قضايا الداخل العربي دون امكانية مواجهتها بحسم, مما يدفع باتجاه عدم الاستقرار في مرحلة ما بعد التسوية نتيجة للاصرار العربي على عدم التعامل مع مخرجاتها كأدوات مرحلية لتحسين الاوضاع القطرية واعادة بناء المؤسسات القوية, والعلاقات الاقليمية على اسس اكثر كفاءة. عدم تطابق مرة اخرى نواجه ذات النقطة التي انطلقت منها, اي ان المسألة ليست بالبساطة التي يتصورها البعض, فالأمر فيما يتعلق باستحقاقات ما بعد التسوية وبناء سيناريوهات المستقبل لا يمكن ان يكون احادياً بحيث يقتصر على توفير متطلبات التنمية لهذا القطر او انجاز التحول الديمقراطي في قطر آخر او التصدي للفساد في قطر ثالث ثم الانطلاق بعد ذلك الى محاولة لـ(ترميم النظام العربي المتصدع) فما نحن بصدده يتعلق اساساً بادارة الصراع العربي ـ الاسرائيلي بأساليب جديدة نتجنب الاخلال بالاتفاقات والتوازنات التي تحددها بنود التسويات خاصة في ظل عدم تطابق مفهوم السلام الذي تسعى اسرائيل لجني ثماره مع المفهوم الذي تتبناه الاقطار العربية على الجانب الآخر, مما يحرم العرب من استثمار الفرص التي يمكن ان تنتجها مرحلة ما بعد التسوية, خاصة اذا لم يحسنوا الاعداد للتعاطي مع استحقاقات المرحلة القادمة من منظور العلاقة الجدلية التي تحكم بناء سيناريوهات وبدائل تتجاوز افق المراحل السابقة في ظل غياب رؤية استراتيجية تؤطر عملية اعادة ترتيب الاوضاع الداخلية وبما يواكب المتغيرات الاقليمية وروح العصر في ذات الوقت. ان بناء سيناريو عربي على اساس فهم صحيح لاستحقاقات ما بعد التسوية يجب ان ينطلق من محاولة جادة لنفي التناقض الذي يبدو ازلياً بين (الكيف الاسرائيلي) , و(الكم العربي) , بحيث يكون التعاطي مع تلك الاستحقاقات باتجاه تطوير (الكم) العربي الى (كيف) بحيث يكون عبر القدرة على التخطيط العلمي وامتلاك زمام المبادرة (كماً) قابل للتطور الكيفي في مواجهة (كيف) اسرائيلي غير قابل ـ بالقطع ـ للتطور الكمي. فالعقدة ليست في ان تكون اسرائيل خلال مرحلة ما بعد التسوية قوية بحيث تهيمن اقتصادياً وعسكرياً وثقافياً وعلمياً ولكن الهدف هو اضعاف العرب حتى تصبح الهيمنة عليهم ممكنة ثم تكون الخطوة التالية القيام بعمليات (فك) واعادة تركيب للأقطار العربية تتلاءم مع متطلبات النظام الشرق اوسطي الجديد الذي سوف تسعى اسرائيل الى فرضه بايقاع اسرع خلال المرحلة المقبلة. ارضية مغايرة من هنا فإن السبل يمكن ان تكون مفتوحة ـ بالفعل ـ امام التطور الكيفي للعرب بشرط بناء منظومة من الاستحقاقات وفق اولويات واضحة تضمن ادخال العرب في طور تاريخي جديد على ارضية حضارية واستراتيجية مغايرة للسياق التاريخي السابق, الذي لم يكن يعكس المصالح العربية على نحو صحيح, ومن ثم يستطيعون امتلاك ادوات المواجهة الحضارية التي سوف تكون اكثر وضوحاً وتحديداً في مرحلة ما بعد التسوية حيث يصبح التنافس الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والثقافي الميدان الجديد للصراع في المنطقة. هكذا فإن بناء منظومة الاستحقاقات يكون خطوة على طريق طويل شديد الوعورة لتحويل (الكم) المترهل الى (كيف) فاعل ومؤثر, لأن الاكتفاء ببناء منظومة الاستحقاقات بمنطق رد الفعل ازاء متغيرات مفروضة بارادات دولية واقليمية لن يحقق النقلة النوعية المطلوبة وعلى العكس فبقدر ما يكون التصدي لتلك المتغيرات وتحقيق التكيف الايجابي معها, والحد من انعكاساتها السلبية, بقدر ما يمكن توظيفها لخدمة المصالح القطرية والقومية العربية, في غير ما تعارض بين القومي والقطري, وبما يجاوز مجرد امتلاك آليات لتنسيق المواقف بشكل محدود ومرحلي. ان التعاطي مع مرحلة ما بعد التسوية بعيداً عن الاطار العام للرؤية المطروحة يمكن ان يولد حالة من الاسترخاء بزعم ان ناتج التسوية سلام حقيقي وعادل ينفي اي بعد صراعي للعلاقات بين العرب واسرائيل, مما يصرف العرب عن الاستحقاقات المؤجلة الى تفاصيل وهموم الحياة اليومية مما يقطع ـ بالتالي ـ الأمل في اي انجاز ديمقراطي او تنموي أو تكنولوجي يساهم في دعم الرصيد العربي خلال المواجهة الحضارية الحتمية القادمة, والتي تنقل الصراع من مستوى المواجهة العسكرية المباشرة الى مستوى الصراع الحضاري بمفهومه الواسع, من ثم فإن التعاطي مع استحقاقات ما بعد التسوية لا بد ان يضع في الاعتبار ان تلك المرحلة لا يمكن ان تعني نهاية التناقض بين المصالح العربية ومصالح اسرائيل. ولعل هذا الطرح يصبح اكثر وضوحاً بالاشارة ـ مثلاً ـ الى ان اسرائيل لن تتورع عن تنمية النزاعات الطائفية والعرقية اذا لم تعالج الانظمة العربية المعنية بؤر الانفجار الطائفي والعرقي على ارضها كما ان اسرائيل ـ كمثال آخر ـ لن تكف عن الضغط من اجل فرض توزيع جديد للثروات الاقليمية الطبيعية, وان عبر طرف اقليمي ثالث كتركيا او اثيوبيا كما الحال بالنسبة للمياه ولن تكون للتسوية قيمة لدى اسرائيل اذا لم تجعل منها فرصة لزيادة نفوذها الاقليمي, من ثم فإن على العرب بالمقابل السعي باتجاه ضبط منظومة علاقاتهم الاقليمية مع دول الجوار, وفق قواعد تكون بمثابة صمام امان في مواجهة العبث الاسرائيلي بمصالحهم العابرة للحدود كالانهار. التحصن الذاتي ان تقنين العلاقة بين العرب واسرائيل في مرحلة ما بعد التسوية لا يعني ان اسرائيل لن ترفع وتيرة تدخلاتها في المشكلات الداخلية للاقطار العربية مما ينعكس سلباً على ما تبقى من النظام العربي انعكاساً يقضي على هويته والضمان لمواجهة ذلك لا يكون الا بتجنب الخطاب الانشائي عند تحديد اولويات استحقاقات ما بعد التسوية ورسم سيناريو عربي للمستقبل يضمن توفير شروط التحصن الذاتي امام تحول مسار الصراع العربي الاسرائيلي وصوره واشكاله من ناحية ومحاولات اسرائيل اختراق الموقف العربي وصولاً الى نقاط الضعف في اقطاره من المحيط الى الخليج. واخيراً: فإ التعاطي مع استحقاقات ما بعد التسوية يتطلب ايجاد حلول حقيقية للمشكلات المزمنة في كل قطر عربي, في اطار رؤية اشمل تتضمن التكامل في تقديم الحلول, وعدم التعامل بمنطق ادارة الازمة بل تجاوزها ثم المساهمة في مشروع عربي يراعي المصالح والحاجات (فوق القطرية) بدلاً من الانتظار حتى يتم فرض استحقاقات على الواقع العربي تكرس مشكلاته, وتغلب المصالح الاقليمية والدولية على المصالح القطرية والقومية. ان ملف استحقاقات ما بعد التسوية لا يحمل تفاؤلاً على المدى القصير لكن ربما كان التفاؤل محتملاً على المدى المتوسط والبعيد اذا ما تم التعامل مع الملف بشمولية وواقعية وعقلانية وبتوازن بين القطري والقومي واذا كان الاجتهاد في تحديد نقاط الانطلاق ضرورياً في هذا السياق, فإن نقطة البدء قطرياً تتمثل في الديمقراطية والتنمية وقومياً يجب ان ترتبط بعملية جادة لبناء التكتل الاقتصادي العربي. والتلازم بين الاستحقاقات القطرية والقومية لا يعد بحال ترفاً فكرياً, او حلماً طوباوياً ـ فوق الطاقة ـ بقدر ما هو انعكاس لفشل المشروعات القطرية خلال المراحل السابقة, وعلى حساب بناء مشروع قومي, الا ان هذا الاخير في عصر العولمة والتكتلات الكبرى اصبح امراً حتمياً بل وضمانة لاحراز التقدم على صعيد الاستحقاقات القطرية. ان استشراف التوجهات المستقبلية للواقع العربي ـ باستحقاقاته القطرية والقومية ـ لا بد ان يقود الى الايمان بأهمية لقاء العرب في اطار نظام يكتلهم, يتطلعون من خلاله الى انجاز مشروع قومي لا يدين ببقائه للاعتبارات الدفاعية الظرفية, على ان تتم مراجعة نقدية شاملة للمفاهيم التي حكمت المراحل السابقة, وتحديد الاهداف دون تضخيم وفي حدود القدرات المتاحة ـ مع العمل على تعظيمها ـ ودون اغفال للمتغيرات الدولية والاقليمية, وان يتم تحديد الاولويات بناء على حسابات واقعية وأن يكون ذلك في اطار ونتاج لحوار ديمقراطي حقيقي ووعي جاد بحقوق الانسان العربي صاحب المستقبل وصانعه. وفي المحصلة النهائية فإن استحقاقات ما بعد التسوية تحتاج الى اعتماد استراتيجية طويلة النفس, في اطار سيرورة تنتج قوانينها الذاتية لتجاوز الماضي والاقلاع عن تلك العادة العربية المزمنة بتأجيل الاقدام على الدخول الى لحظة الخيارات المصيرية في الوقت المناسب ودون اجبار اوضاع طارئة او قهر عناصر خارجية لكن ايضاً دون الوقوع في شراك الواقعية الساذجة! * كاتب مصري