عشقت الفن فوهبته حياتي عن طيب خاطر, وهو أيضا لم يبخل علي وأعطاني المجد والنجومية, وحولني من مجرد فتاة صغيرة خرجت من طنطا ليرتب لاقابل القدر موعدا مع الحظ, فبدلا من أن أعيش كأية فتاة عادية تعلق قلبي بالتمثيل حين شاهدت عرضا مسرحيا اسمه (المجنون) عرضته فرقة رمسيس, وسعيت لأقبل صاحبها فنان الشعب يوسف وهبي الذي وافق على انضمامي للفرقة عام ,1924 حتى شاء القدر أن أكون أمينة رزق إحدى نجمات فرقة رمسيس. ولأنني أدركت منذ الوهلة الأولى أن الفن يحتاج إلى تفرغ كامل, لم أرتبط بأي شخص وفضلت واخترت أن أتفرغ للفن وعشت من أجله وسعدت بهذا الاختيار. تعلمت التمثيل على يد أستاذي يوسف وهبي, ومنذ نشأتي وحتى رحيله ظللت وفية ومخلصة له, فالفضل يرجع إليه في تكوين شخصيتي الفنية, وقد تعلمت منه الالتزام واحترام المهنة, ومعه كانت لا توجد مشاكل أو صعوبات وكان الكل يرتاح له من أعضاء فرقته, وكان يلبي احتياجاتهم ويتعامل مع الجميع بروح الأخوة والإخلاص والمحبة, ولم يكن عنده شيء اسمه المستحيل, بل كان قوي الإرادة والعزيمة. هذه الصفات زرعها فينا فنان الشعب يوسف وهبي, وقد استحق هذا اللقب عن جدارة, فبقدر ما اهتم بالفن الحقيقي انشغل باله بالشعب وآماله وأحلامه وهمومه ومشاكله وعبر عن كل ذلك في أعماله حتى أنه عرض مسرحيته (ولاد الفقرا) رغم معارضة الرقابة التي لم يهتم بها وتحداها, مما نتج عنه إغلاق مسرحه ولكنه كان مرتاح الضمير لأنه قدم عملا بذل فيه مجهودا عن شعبه. وعلمنا يوسف وهبي أيضا حب المغامرة والمجازفة, حتى أنني أتذكر أنه كان يحب جدا الرحلات المسرحية للبلاد العربية, فكان في الصيف يقوم بجولات إلى لبنان والجزائر والمغرب والأردن وغيرها من البلاد العربية, لكنه ذات مرة أراد أن يقوم بجولة في البرازيل والأرجنتين للجاليات العربية هناك, فوجئنا بأن قانون البرازيل يمنع دخول المصريين لأسباب طبية, حيث كان هناك مرض بالعين (لحمية في العين) ولكي يتخطى يوسف وهبي هذه العقبة اتفق مع طبيب عيون لإجراء عمليات جراحية لكل أعضاء الفرقة حتى يضمن أن كل أعضاء فرقته أصحاء, وانتهت المشكلة وسافرنا, وكان أيامها السفر عن طريق البحر (عام 1930) فأخذنا مركبين إلى إيطاليا, وفوجئنا ونحن نعبر المحيط من إيطاليا بعدم السماح لنا بالعبور لأن هناك اثنين من الممثلين تبدو عليهما آثار العلاج والجراحة التي أجريت لعينيهما بمصر, فرفضوا الفرقة كلها, وحبسنا في إيطاليا عشرة أيام تقريبا حتى نزل يوسف وهبي مصر مرة أخرى من أجل إيجاد حل وواسطة لكنه رجع دون جدوى, ففكرنا في محاولة تهريب الممثلين اللذين عليهما المشكلة عن طريق البر وبأسماء مستعارة وذلك وفق اتفاق أبرمه يوسف وهبي مع شخص من البوليس السري. وفعلا نجحت الخطة ووصلنا إلى البرازيل وعرضنا مسرحياتنا هناك لمدة سبعة أيام, ثم بعد ذلك فوجئنا بانقلاب داخل الجيش ضد رئيسهم, فسافرنا إلى الأرجنتين وما إ ن وصلنا حتى لحقت بنا الثورة التي كانت بالبرازيل, وكنا أيامها في غاية الفزع ونحن في طريقنا للأرجنتين لأنهم قالوا لنا أن الرئيس البرازيلي على نفس المركب التي كنا فيها واحتمالات أن تكون المركب محاصرة واحتمال انفجارها في أية لحظة, حتى تم التمكن من القبض عليه قبل هروبه على المركب التي كنا فيها, وكانت النتيجة أن الرحلة لم تتم كما كان يحلم يوسف وهبي, فعدنا إلى مصر بعد عذاب 23 يوما في البحر. عشت حياتي حلوها ومرها ولم يعرف اليأس طريقه إلى قلبي, وفضلت العمل حتى آخر لحظة في حياتي, حتى لو كانت الأدوار التي أقوم بها صغيرة, فمساحة الأدوار واحجامها ليست مهمة وإنما المهم هو قيمة الدور, فالدور الصغير لا يقلل من قيمة الفنان خاصة إذا كان له تأثير مباشر على الجمهور, ولعل دوري في فيلم (ناصر 56) أبلغ دليل على ذلك. هذا الدور بقدر ما هو عالق في ذهن الجمهور الذي شاهد الفيلم فإنه محفور في عقلي وقلبي.. دور السيدة العجوز التي أصرت على مقابلة جمال عبد الناصر حتى نجحت في مقابلته وأيدته في تحديه للظلم الذي ضاع ضحيته الكثير من البشر وفقدت أعز الناس إليها من أجل الوطن, وتمنت له الإرادة القوية والمسيرة المستمرة, وقدر عبد الناصر شعور هذه السيدة وحبها له, وكانت سعادته كبيرة عندما رآها ووجدها بهذا الحماس والدعاء له بالنصر على الأعداء. وفيلم (ناصر 56) أعتز به جدا فقد أعادني إلى زمن جميل.. زمن هو أجمل قطعة في التاريخ.. ذكرني بعبد الناصر ذلك الصدر الحنون الذي كان يضم الشعب العربي كله بمختلف فئاته, وكان يقدر الفن والفنانين, وكنا في ظله نعمل وننتج وننقد, ومعه كنا نسير على درب طويل من الحرية والكرامة. أتذ كر مشاهد كثيرة من حياتنا الفنية والاجتماعية والسياسية في ذلك الوقت حيث كنا يدا واحدة وقلبا واحدا وحلما واحد و.. فنا واحدا, وأتذكر أيضا يوم فاجئنا جميعا بموته حينما خرج الجميع إلى الشوارع يشقون الثياب ويلطمون الخدود, كنا جميعا لا نتصور أننا سوف نستقبل صباحا جديدا دونما نراه أو نسمع أخبارا جديدة عن جهوده في سبيل الوطن العربي كله, لم يكن الجميع يبكون الزعيم أو قائد الثورة أو المقاتل الشجاع بقدر ما كانوا يبكون الحبيب والأب والأخ.. كانوا يبكون تاريخهم الذي ولد على يديه.. آه.. كانت أيام أتذكره وقلبي يعتصر ثم أبتسم وها نحن الآن نحاول أن نجني ثمارها, والدنيا كلها في تطور, ولم يبق أمامي غير الذكرى والعمل حتى آخر نفس, وكل ما أرجوه الآن مكانا لإقامة متحف بجوار دار الأوبرا يضم تاريخ الفنانين القدامى وقد سبق لي أن طلبت هذا المطلب من وزير الثقافة فاروق حسني أمام الرئيس محمد حسني مبارك الذي استجاب لمطلبي, ومع ذلك فوجئت فيما بعد برفض وزير الثقافة أن يكون المتحف على أرض دار الأوبرا وسمح بمكان آخر بالزمالك في مكان لا يليق أن يكون متحفا لتاريخ الفنانين القدامى الذين أفنوا حياتهم للفن.