قد يعتقد البعض ان الحديث الذي نسمعه عن مطالبة اسرائيل بالمياه العربية امر ظهر بعد اغتصابها لارض فلسطين, ولكن العكس صحيح, فمنذ ان وضعت الصهيونية في مخططاتها ان تستوطن فلسطين وحتى قبل ان تحصل على وعد بلفور في الثاني من نوفمبر 1917م, نجد ان كتابا صدر في لندن عام 1916 تحت عنوان : الصهيونية والمستقبل اليهودي، رسم فيه خريطة فلسطين التي سيقيمون فيها تمتد من جنوب بيروت حتى خليج العقبة, واعتبروا هذه المساحة هي الحد الادنى الذي يمكنهم قبوله كوطن جديد لان كتابهم المقدس يقول ان حدوده من النيل الى الفرات, ويضاف الى هذه الرقعة تلك المناطق التي تؤمن للبلاد مرتكزات اقتصاد عصري ومقومات الدفاع العسكري, فحاولوا ضم مساحات صحراوية في الجنوب والشرق باعتبارها منطلقا لغزوات البلاد في الماضي. وحكمتهم اعتبارات الامن على التطلع صوب وادي البقاع شمالا ـ لانه يشكل مدخلا الى فلسطين بين منحدرات جبل الشيخ, وحين تذكروا الملايين من اليهود الذين سوف يجري تهجيرهم من بلدانهم الى فلسطين وضعوا الخطط التي تؤمن لهم حدودا تشمل منابع نهر الاردن ونهر الليطاني وثلوج جبل الشيخ واليرموك وروافده, وبدأوا يفكرون في توليد الطاقة الكهربائية عن طريق اقامة مساقط وشلالات لمياه الليطاني واليرموك. وهكذا نجد الاطماع الصهيونية في المياه العربية ومحاولة اغتصابها قائمة منذ مطلع القرن العشرين وقد أرادو ان يقننوا الاغتصاب عن طريق رسم حدود تضم كافة منابع المياه العربية معتمدين على مساندة انجلترا وكذلك الولايات المتحدة في عهد (ويلسن) والذي كان مستشاره الاول (برانديل) مساندا للصهيونية, والذي بعث ببرقية الى لويد جورج, يذكر فيها بأنه بالاتفاق مع المنظمة الصهيونية الامريكية يطلب ان تشتمل فلسطين على روافد نهر الليطاني المنحدرة من جبل الشيخ, وان تشتمل كذلك على الجولان وسهل حوران وان يحترم الوعد الذي قطعته بريطانيا بموافقة الحلفاء. الامن المائي السوري بالنسبة لسوريا, فالمشهد حزين ومخيف, فنهر بردى جف تماما وهو الذي كان يروي دمشق وغوطتها منذ الاف السنين, وعاد نصف سوريا الشمالي الذي يعتبر قاعدة الزراعة والصناعة السورية الرئيسية يشكو من التقنين الشديد للماء والكهرباء يوميا حيث يبلغ متوسط انقطاع الكهرباء ست ساعات يوميا عن جميع المنازل والمرافق.. وتراجعت الزراعة تراجعا كبيرا تجاوز ثلث معدلات الانتاج قبل ربع قرن حسب اعتراف المجموعات الاحصائية الرسمية في سوريا, ذلك ان بحيرة السد اغرقت مساحة من اهم مساحات سوريا الزراعية سابقا ولم تعوض ذلك بمساحات اخرى كما يفترض فصارت الكارثة مضاعفة اما المساحة المروية من الاراضي الزراعية لا تزيد عن مليون هكتار تعتمد على رحمة المطر والسماء. وقد كان سد الفرات زاخرا بالامال الكبيرة لتحسين الوضع الزراعي من حيث زيادة مساحات الارض المروية, او من حيث توليد الكهرباء او من حيث ايصال مياه الشرب الى المحافظات النائية خصوصا حلب التي كانت تشكو من نقص شديد في الستينيات فيها, اضافة الى محافظات الرقة ودير الزور والحسكة ومدينة القامشلي كانت تعيش على ضفاف الفرات لكنها لاتشرب منه وتشكو العطش دائما بسبب عدم وجود مرافق لتنقية مياه هذا النهر الكبير, وفي منتصف الستينيات من القرن العشرين بدأت السلطات السورية اول مشروع حديث للاستفادة من الفرات, فأقامت عدة انابيب ضخمة لنقل المياه وتنقيتها لتغذية حلب على بعد مائتي كيلومترا, ثم اقامت مشروع سد الفرات الذي تكلف نحو مليار دولار لايجاد بحيرة تتسع لـ 12 مليار متر مكعب من المياه, وبمساحة 630 كيلو متر مربعا (80*8) وتوليد كميات من الطاقة الكهربائية تكفي سوريا ومشاريع الصناعة في البداية بدا للجميع ان المشروع العملاق سيؤتي ثماره, لكن الآمال تبخرت بسرعة في السنوات الاخيرة من القرن العشرين بعد وضع تركيا يدها في مسألة المياه. سوريا والسدود التركية تأثيرات اقامة سدود على نهر الفرات في الاراضي التركية لها اسوأ الاثر على سوريا اكثرمنه بالنسبة للعراق, فالعراق لديه نهر دجلة الى جانب نهر الفرات, والزراعة في سوريا كما اسلفنا تعتمد 80% منها على مياه الامطار في حين ان الباقي وهو اكثر من مليون هكتار تروى بمياه الانهار خاصة بعد اقامة سوريا سدا على نهر الفرات في اراضيها, وبالعودة الى العوامل السياسية ونهر الفرات, فان قيام تركيا بقطع المياه منذ عام 1990م لمدة شهر قد ترك آثار سيئة على الاقتصاد السوري, الا ان هذا القطع لا يمكن ان يكون لاسباب فنية كما ذكرتها بعض المصادر, لان فترة الشهر لن تكون كافية على أية حال لملأ سد اتاتورك. اما فيما يتعلق بالقضايا الخلافية بين البلدين فهي كثيرة. مطامع اسرائيل بالمياه العربية مطامع اسرائيل في المياه العربية باتت لا تخفى على احد خاصة في ظل تفاقم ازمة المياه في اسرائيل صيف عام ,1990 حيث وصل العجز الخطير الذي تعاني منه في المياه الصالحة للاستخدام الى نحو ملياري متر مكعب, وقد اكدت صحيفة (معاريف) الاسرائيلية آنذاك ان هذا العجز يتزايد باطراد مع وصول دفعات جديدة من المهاجرين السوفييت وغيرهم وعدم القدرة على توفير مصادر المياه لهم. وفي اطار السرقات والمخططات الاسرائيلية لاغتصاب مجاري المياه والموارد العربية كشفت مصادر أمنية في جنوب لبنان ان اسرائيل قد اتمت ترتيبات ضم واغتصاب مياه نهر الوزاني حيث اقتطعت اخيرا جزءا من الاراضي اللبنانية في محور الغجر الوزاني وغيرت معالم الارض في محيط نبع الوزاني. وأوضحت المصادر ان قوات الاحتلال نقلت الشريط الشائك الفاصل بين الحدود الدولية من اراضي بلدة الغجر السورية المحتلة الى الضفة الغربية لمجرى الوزاني وقالت انه بهذا التعديل في الارض باتت الضفة الغربية الشرقية لمجرى الوزاني هي خط الحدود الفاصل بين الاراضي اللبنانية والفلسطينية المحتلة في هذا المحور. وقدرت المصادر مساحة الارض التي وضعت اسرائيل يدها عليها في منطقة الوزاني من اربعة الى خمسة كيلومترات طولا ونصف الكيلو متر عرضا. وكانت قوات الاحتلال الاسرائيلي قد اقامت قبل فترة جسرا على نهر الوزاني اوصلته بطريق عسكري يربطه بالخط العسكري الرئيسي الذي اقامته على امتداد الحدود الشمالية لاسرائيل وبذلك اصبحت عملية ضم الوزاني جاهزة. ولابد ان يعلم الجميع ان اصابع اسرائيل التي عنيت في مياه المنطقة العربية في كافة النواحي المسيطرة عليها, مازالت تعبث للسيطرة على المنابع السورية, واستخدام ورقة تركيا على المدى البعيد للضغط على سوريا, في الوقت الذي مازالت تلعب تركيا فيه لعبة (مشروع انابيب مياه السلام) الذي تقترحه تركيا والذي يقضي بمد انابيب المياه من نهر سيحان وجيحان في اتجاهين: الاول: يمتد غربا نحو سوريا والاردن والسعودية مرورا باسرائيل والتي تعد الهدف الرئيسي للخط العربي, اما الخط الثاني عبر السعودية والكويت والبحرين والاردن وعمان يهدف ظاهريا الى تخفيف ازمة المياه ولكنه يتضمن تهديدا استراتيجيا لأمن دول المنطقة لصالح تركيا واسرائيل. ومرحلة التطبيع مع اسرائيل من الجانب السوري, التي تمثل عناصرها في كل الجوانب السلبية التي تحدثنا عنها هي مرحلة حبلى باحتمالات وامكانات لا حصر لها مثل احتمالات انهيار في الثوابت التاريخية والجغرافية, واحتمالات انهيار الايمان بالمؤسسات والتقاليد والاخلاقيات الاجتماعية, انها لحظة الشك من جانب الانسان العربي عامة الذي يبحث عن الحرية ويكافح من اجل الكرامة, وكرامة الامة العربية لا تتجزأ من اريحا حتى الجولان, ان اسرائيل تريد ان تدس الشك في الانسان العربي وفي الشارع السوري ليكون شكه ليس دافعا الى تلمس سبيل واقعي, بل شكا قد يكون قاتلا انتحاريا عند غياب الواقعية لديه, فيصبح المرء ومن ثم المجتمع لا يستطيعان اعادة نفسيهما فقد راهن احد الصهاينة وهو شليمراف حين قال (ستبقى اسرائيل تركض من نصر الى نصر لا لهزيمتها (فالمشروع الصهيوني من التطبيع يستخدم جميع آليات الغزو وفي مقدمته الغزو الثقافي, وقد تتمثل آليات الغزو الثقافي الاسرائيلي في صورة جحافل جيوش غازية تريد ان تغرس في مناهج التربية والتعليم كل خبيث من مناهج مجتمعية وانساق معارفية صهيونية وقيم واتجاهات تجمعها في سلة واحدة وتجعلها من الاولويات في التعرف عليها. وهكذا تريد ان تزج بالعرب عامة في مهاوي الانحصار الذاتي الثقافي الاسرائيلي, الذي يدعو الى مسح ماضي العرب المجيد والعودة بهم الى مقاعد الاوثان والاوهام. ولا بد ان يتذكر الجميع ان الصراع العربي الاسرائيلي ليس جزءا من صراع الكتل والدول.. وليس جزءا من الحرب الباردة وليس جزءا من معاناة الشعب الفلسطيني وجنوب لبنان.. اي تطبيع هذا ومازال الاسرائيليون يرفضون عودة اربعة ملايين فلسطيني الى وطنهم خوفا على حد قولهم من الخلل في التركيبة السكانية والثقافية الاسرائيلية والانزعاج الامريكي الذي يساعدهم في توزيع هؤلاء المشردين في دول المنطقة. النوايا الخفية ما سبق يأتي في اطار كشف النوايا الخفية والتطلعات المستقبلية الاسرائيلية التي قادتها منذ البداية الصهيونية الغاصبة, التي خرجت من مدارسها الكثير من التلاميذ الصهاينة وفي مقدمتهم شمعون بيرس ونتانياهو وايهود باراك, الذين رفعوا شعار التطرف والعنصرية الصهيونية. ومن هنا يرى المراقبون السياسيون ان مسارات التسوية مع اسرائيل قد تتعثر بسبب الصلف والتعنت والمراوغة الاسرائيلية وهو الامر الذي قد يفضي الى تجدد اعمال العنف في المناطق التي تسيطر عليها اسرائيل ابتداء من فلسطين الى جنوب لبنان, لذلك لابد ان يدرك العرب حجم التحديات التي تواجهها المنطقة العربية. والاستعداد لاستحقاقات المستقبل واسقاط جميع التحيزات السائدة التي خلفتها الحروب الاخيرة في الوطن العربي. وذلك من اجل التصدي للازدواجية الامريكية ـ الاسرائيلية مع التعامل في قضايا المنطقة. * كاتب من الامارات