رغم ان المفاوضات السورية الاسرائىلية تشهد في الوقت الحالي تعثرا ادى الى توقفها, فإن الكثير من الحديث يدور الآن بين المراقبين السياسيين حول مرحلة ما بعد اتمام التسوية السلمية, على اساس ان التعثر السوري الاسرائيلي سوف ينتهي وخاص ان الحديث يدور حول مشروع اتفاق سوري اسرائىلي قد تم اعداده , ولم يعد هناك الا بعض الرتوش البسيطة سوف يتم وضعها والاتفاق عليها خلال وقت قصير, وعلى اساس ان هناك نية لأن يستمر قطار التسوية على المسارين المتبقين وحتى يتم الانتهاء منهما وبالتالي الانتهاء من عملية التسوية ككل والدخول بالمنطقة الى مرحلة ما بعد السلام.. هذا الحديث بين المراقبين يدور معظمه حول مستقبل المنظمات الاقليمية العربية في مرحلة مابعد التسوية وبعد ان يتم حل الكثير من القضايا العربية التي تشكل اغلب مهام ونشاط هذه المنظمات, وحول التحولات الديمقراطية المنتظرة والمطالبة بالمشاركة السياسية من جانب الشعوب العربية خلال هذه المرحلة, وحول مستقبل العلاقات العربية, واحتمالات التغيير في ظل انتفاء مبرر العدو الخارجي ودوره في انكشاف قضايا الداخل العربي امام الشارع, وحول امكانية ان يؤدي نقص المياه في المنطقة الى حدوث صراعات.. (الملف) التقى الدكتور نصيف حتى استاذ العلوم السياسية بالجامعة الامريكية بالقاهرة, والدكتور عماد جاد الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام للحديث عن تصورهما لمرحلة ما بعد اتمام عملية التسوية. وجود تسوية شاملة بداية وفيما يتعلق بمستقبل المنظمات الاقليمية العربية في مرحلة ما بعد التسوية في المنطقة يقول الدكتور نصيف حتى استاذ العلوم السياسية بالجامعة الامريكية بالقاهرة: هناك افكار امريكية صدرت عن المؤسسات البحثية الامريكية, واخرى تتبناها بعض الاوساط الاوروبية اضافة الى الافكار الاسرائيلية وهي الاكثر وضوحا, وجميعها ترى ان وجود تسوية شاملة في منطقة الشرق الاوسط ستؤدي بالطبع الى افقاد المنظمات الاقليمية وتحديدا الجامعة العربية مبرر وجودها, وهذا المنطق مبني على افتراضات غير صحيحة وعلى التباس خاطئ قوامه ان الجامعة العربية نشأت لتبني القضية الفلسطينية وهذا كلام عار من الصحة لأن الجامعة نشأت قبل قيام دولة اسرائيل, نشأت لخدمة هدف واحد وهو التعبير الموسس والسياسي عن الهوية العربية والمصالح المشتركة بين الدول الاعضاء, وربما يكون الالتباس قد حدث نتيجة تركيز الجامعة وبصورة كبيرة على متابعة تطورات القضية الفسلطينية, وهذا ادى الى ان اصبحت المعادلة انه اذا انتهت القضية الفلسطينية وتم حلها فان الجامعة العربية لن تجد لها دورا تلعبه. ويضيف الدكتور نصيف حتى: إن علة وجود الجامعة العربية ستظل موجودة طالما هناك دول عربية, ولكن لابد ان يحدث تغير في طبيعة عمل الجامعة العربية في المجال السياسي, وبما يؤهلها لمجاراة تغير الاولويات والتحديات التي سوف توجد في بيئتنا العربية والاقليمية والدولية, بما يعني ان مرحلة ما بعد التسوية سيكون لها تحدياتها واولوياتها واجندتها الجديدة, وهذه التحديات تتطلب منا نحن كدول عربية ان ننسق المواقف ونعمل على بلورة موقف عربي على درجة كبيرة من التوحد فيما يتعلق برؤيتنا لمختلف القضايا الدولية والتعاون مع الكيانات الدولية الاخرى من خلال الملفات الاساسية للتعاون التي ستظهر بعد التسوية وذلك كله في اتجاه دفع ودعم المصالح العربية وصياغة نظام دولي جديد. ويستطرد ان التسوية سوف تساعد بلا شك على تحرير الكثير من الامكانات العربية التي كانت موظفة في الصراع العربي الاسرائيلي, سواء كانت امكانات مادية او غير مادية, هذه الامكانات سيتم توظيفها في بناء قدرات عربية وتعاون عربي في مختلف المجالات, مرحلة ما بعد التسوية سيكون لها تحدياتها الكثيرة وتتطلب توظيف الامكانات بشكل مختلف للتعامل مع هذه التحديات ولذلك يفضل ان يبدأ الباحثون والمتخصصون في وطننا العربي في القيام ومن الآن في عقد الندوات والمؤتمرات التي تعنى بهذه المسألة لان جميع المؤشرات توضح اننا مقبلون على مرحلة ما بعد التسوية وان المسألة مسألة وقت فقط. ستظل صورة سلبية وعن رأيه في انكشاف قضايا الداخل العربي امام الشارع بعد انتفاء مبرر العدو الخارجي المتمثل في اسرائيل في مرحلة ما بعد التسوية يوضح الدكتور نصيف حتى ان صورة اسرائيل في الذهن العربي لن تتغير بين ليلة وضحاها, فهي ستظل صورة سلبية لفترة طويلة من الزمن حتى بعد اتمام عملية التسوية, قد يتطور الامر مستقبلا ويتم التعامل معها بنفس الصورة التي تتعامل بها مع جيراننا الاخرين في المنطقة, وعموما يجب علينا ان ندرك انه سيكون مطروح علينا في مرحلة ما بعد التسوية ان هناك تنافسا شديدا سيوجد في مجال السياسة الدولية وستكون هناك خلافات كثيرة بين الاطراف العربية فيما يتعلق بكيفية التعامل مع اسرائيل ولكن يجب ان نفهم ان الخلافات لا تستدعي عداوات وصراع مفتوح, انما الأهم هو توظيف الامكانات العربية ونبذ الخلافات لمواجهة التنافس والخلافات التي قد تنشأ بين المجموعة العربية والمجموعات الدولية والاقليمية الاخرى, علينا ايضا ان نوظف هذه الامكانات من اجل تحسين العلاقات مع القوى الكبرى, بغض النظر ان كانت هذه العلاقات قد تحمل اوجه تعاون او خلاف, علينا ان نفكر سوية كعرب من اجل بلورة موقف موحد وقوي يعتمد على امكاناتنا وهي كثيرة حتى نكون فاعلين في المنظومة الدولية ولا نكون مجرد طرف متلقي للسياسات الدولية. وحول تعليقه على الرأي القائل بأن مرحلة ما بعد التسوية سوف يصاحبها تحولات ديمقراطية ومطالبة بالمشاركة السياسية من جانب الكثير من شعوب المنطقة يرى الدكتور نصيف حتى ان موضوع توسيع المشاركة السياسية قائم ومطروح بغض النظر عن وجود صراع مع اسرائيل ام لا, وانه على قناعة ان قوى التغيير التي تدعو الى توسيع المشاركة السياسية لابد ان تنجح في توسيع هذه المشاركة والتي من مظاهرها انتعاش ما يسمى بمفهوم المجتمع المدني من هيئات شعبية وكل مايعرف بالمنظمات غير الحكومية, توسيع المشاركة السياسية ينطلق حاليا من خلال مناخ وزخم دولي يدفعه وغير مرتبط ولايجوز ان يرتبط بالصراع العربي الاسرائىلي. مرحلة ما بعد التسوية سيكون من الطبيعي خلالها نشوء طبقة متوسطة عربية قوية, هذه الطبقة ستطالب بتوسيع المشاركة السياسية وباصلاحات ديمقراطية, وعموما فكل دولة عربية لها وضع خاص وظروف تختلف عن الأخريات ولذلك يجب ان تكون هذه المطالبات متوافقة مع ظروف كل دولة عربية وهنا تصبح ظاهرة صحية وايجابية, طالما استمرت في اطار العملية السياسية القائمة وليس من خلال اللجوء الى العنف. حيوي للغاية ويؤكد الدكتور نصيف حتى ان موضوع المياه موضوع حيوي للغاية ويجب التنبه له كثيرا واعطاءه الوزن الاستراتيجي الذي يستحقه فالتسوية السلمية في المنطقة لايمكن ان تتم بالصورة التي تحقق الاستقرار في المنطقة دون ان يتم بحث ملف المياه وحل كل الخلافات الموجودة بين الاطراف في الوقت الحالي, بل ووضع تصورات لحل المشكلات التي قد تنجم مستقبلا, ولذلك نجد انه في الوقت الحالي هناك مفاوضات فلسطينية اسرائيلية, وسورية اسرائيلية حول تسوية هذا الموضوع وحتى لا يقوم طرف بسوء استغلال هذه المياه والجور على حق الاطراف الاخرى وكما تفعل اسرائيل في الوقت الحالي. التسوية ستكون ترك موضوع المياه خارجها.. وهنا يجب ان اشير ان التعامل مع مشكلة المياه سيكون اما بالاتفاق على تقسيم الحصص وهذا النظام قد لايصلح في كل فروع المشكلة, لذلك سيتم اللجوء لنظام الادارة المشتركة, وهنا يجب ان تكون هناك اتفاقات واضحة تحفظ للجانب العربي حقه ونصيبه في المياه, اتفاق لايترك رواسب قد تؤدي مستقبلا الى حدوث خلافات وصراعات. واشار الى التنوع في طبيعة التركيبة السكانية في المجتمعات العربية هو مصدر غنى للمجتمع وليس توترا اذا احسن ادارته ولم يسمح لاطراف اخرى خارجية للعب, اي ان فترة مابعد التسوية يمكن لها الا تشهد اية توترات او انجازات عرقية او دينية او طائفية اذا احسن ادارة هذا التنوع وعلى اساس ان المواطنة هي الاساس ايا كانت الانتماءات المذهبية والطائفية, وفي تقديره هناك مبدأ آخر هام اضافة الى مبدأ المواطنة وهو عدم جواز المساس بالحدود القائمة بمعنى الحفاظ على الحدود الترابية للدول العربية التي يتعرض بعضها لمحاولات من اطراف خارجية لتمزيق وحدتها مثل السودان والعراق والصومال, ولذلك يجب العمل على ايجاد الحلول للمشاكل القائمة في هذه الدول في اطار الوحدة الوطنية, وحتى لا تؤدي هذه المشاكل الى تفتيت هذه الدول لانه على المستوى الاستراتيجي يضر ويهدد توازن القوى القائم والاستقرار العربي بشكل عام ويأتي باضرار كبيرة على المصالح الحيوية العربية. طمس معالم المنطقة على الجانب الآخر يرى الدكتور عماد جاد الخبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية انه في البداية لابد من الاشارة الى ان عملية التسوية تأتي في سياق التجاوب مع الشروط الاسرائيلية الامريكية, وبالتالي جزء اساس من العملية يتعلق باستكمال هذه الرؤية لشكل المنطقة وطبيعتها بعد التسوية للوصول الى ما يسمى بالشرق اوسط الجديد وتجاوز الشرق اوسط القديم الذي كان يعتمد على الطابع العربي للمنطقة, وجزء اساسي من هذه الرؤية هو طمس معالم المنطقة وتغيير شكل وطبيعة العلاقات لمصلحة ما يسمى بالشرق الاوسط الجديد, وتغيير التفاعلات واللاعبين الاساسيين في المنطقة, وعندها ستحاول اسرائيل لعب وممارسة دور الفاعل الاقليمي الرئيسي الاول في المنطقة وبالتالي هناك الكثير من التغيرات التي ستشهدها المنطقة بعد اتمام عملية التسوية, في مقدمتها نسج شبكة من العلاقات العربية الاسرائيلية, ومشروعات ضخمة للتعاون بين اسرائيل وعدد من الدول العربية, وربما نشهد اكثر من ذلك تنافسا عربيا عربيا للاقتراب والتعاون مع اسرائيل, ولذلك فان هذا الامر يمثل ازمة حقيقية للدول الرئيسية في المنطقة, ايضا لن يقتصر التغيير على العلاقات العربية الاسرائيلية, انما سيتناول العلاقات العربية العربية, والعربية مع دول الجوار, فالبنسبة للعلاقات العربية العربية سيكون هناك مزيد من السلبية لانه عندما تتراجع السمة الاساسية للمنطقة وهي سمة العروبة, ستبنى شبكة العلاقات الجديدة على اساس المصلحة, وهنا لن يكون للابعاد القيمية او الثقافية اي دور رئيسي او قوي, وبالتأكيد فان عملية التسوية تصحب معها مزيداً من التهديد لفكرة العمل العربي لانها تتعامل ليس فقط مع تسوية قضايا معينة مثل الاحتلال للاراضي العربية وانما تتعامل مع عملية شاملة لتغير المنطقة بالكامل, هذه العملية الجارية تأتي في جزء اصيل منها بتقطيع الروابط على اسس ثقافية وسياسية, واعطاء الاولوية للمصالح الاقتصادية وبالتالي سوف تأتي بتغييرات ربما تكون جذرية بالنسبة لشكل المنطقة وطبيعة شبكة العلاقات القائمة حاليا. وعن رأيه في تأثر عمل المنظمات الاقليمية العربية نتيجة لاتمام عملية التسوية يقول الدكتور عماد جاد: ان اكثر ما اخشاه خلال تلك المرحلة هو ان تهمل وتترك جامعة الدولة العربية حتى تذبل وتموت وان ظلت قائمة فسوف تسلب وتحرم وتجرد من دورها الاصيل لحساب مؤسسات اقليمية قد تظهر بمرور الوقت, واذا كانت الدول العربية ومن تلقاء نفسها قد قفزت على دور الجامعة العربية بإنشاء تنظيمات اقل, فربما تكرر هذه النماذج باشراك اطراف غير عربية, وعموما فإن قدرة المنظمات الاقليمية العربية الاخرى (غير جامعة الدول العربية) على ايجاد رؤية مشتركة لتفعيل التعاون فيما بينها والتركيز على الجوانب الايجابية التي تدفع العمل العربي المشترك ربما تقوى وتستقر اكثر ولكن اذا ما نشبت الخلافات بين الدول الاعضاء في هذه المنظمات نتيجة للتعاون مع اسرائيل في مرحلة ما بعد التسوية فهذا ربما يؤدي الى تراجع هذه المنظمات, اي ان طبيعة العمل الذي سيكون بين الدول الاعضاء في هذه المنظمات هو الذي سيحدد مصيرها في المستقبل في فترة ما بعد السلام في الشرق الاوسط. انتفاء مبرر العدو الخارجي وفيما يتعلق بامكانية ان يؤدي انتفاء مبرر العدو الخارجي بعد اتمام عملية التسوية الى انكشاف قضايا الداخل العربي امام الشارع يؤكد الدكتور عماد جاد ان هذه المشكلة ستعاني منها كثير من دول المواجهة مع اسرائيل مثل سوريا ولبنان والدول التي جعلت الطرح القومي هو الاساس على اجندة عملها العربي, هذه الدول ستجد انه بانتفاء مبرر العدو الخارجي بعد اتمام عملية التسوية لم يعد هناك مبرر للتمسك بالثوابت التي تقوم عليها اجندتها وان عليها الاندماج اكثر في الوضع العالمي والتفاعلات الدولية , ان انتفاء مبرر العدو الخارجي لن يؤدي فقط الى انكشاف قضايا الداخل العربي امام الشارع بل امام القوى الخارجية التي لن تجد غضاضة في محاولة التدخل في الشئون الداخلية لدولة هنا, واخرى هناك مستخدمة مبررات كثيرة مثل حقوق الانسان ومزيد من العولمة وغيرها من المبررات. ويعتقد الدكتور عماد جاد ان المطالبة بالديمقراطية يجب ان تظل قائمة في فترة ما بعد التسوية لانها ستكون الامان من الاخطار التي تتهدد المنطقة ويجب ألا تتكرر التجربة المصرية والاردنية فيما يتعلق بضرب التوجه الديمقراطي من اجل الموافقة على الاتفاقات واستمرارها بمعنى وضع النصوص التي تجبر على الموافقة على المعاهدات والاتفاقات السلمية وجعلها من ضمن الشروط لاقامة الاحزاب والفعاليات السياسية المختلفة, لقد كان جزء من تجربة الرئيس الراحل انور السادات هو فرض الاتفاق مع اسرائيل على الشعب بطرق غير ديمقراطية اي انه يجب ان يصاحب التغييرات التي ستحدث في المنطقة في مرحلة ما بعد التسوية, تغييرات باتجاه تعميق الديمقراطية بتوسيع قاعدة المشاركة السياسية, لقد كان في السابق يتم تبرير غياب الديمقراطية بوجود العدو الخارجي, اما بعد اتمام عملية التسوية فسوف تثور تساؤلات عديدة وحديث متصل حول ضرورة تعميق الديمقراطية وتوسيع المشاركة السياسية. وينهى الدكتور عماد جاد حديثه بالتأكيد على ان هناك تغييرات قادمة لا نستطيع ان نرصدها في جميع اشكالها وهناك من سيستطيع فتح النافذة امام هذه التغيرات بشكل محدود وتدريجي وهناك من ستفلت زمام الامور من يديه, ولكن في كل الاحوال التغييرات قادمة ولابد من ان نستعد من الآن للتعامل معها بالصورة التي تحقق مصالح امتنا العربية وحتى لا تتخبط سياساتنا ونجد انفسنا اكثر الخاسرين في مرحلة ما بعد اتمام عملية التسوية.