من خلال قراءة اولية سريعة للتركيبة الشخصية للرئيس عبد العزيز بوتفليقة ومسيرة حياته وخبراته وتجاربه وارائه يمكن القول ان هذا الرجل هو الاكثر قدرة على (انتشال العربة الجزائرية الغارقة او العالقة في الوحل) والعبارة الاخيرة قالها الرئيس منذ شهور الذي يرى نفسه صاحب رسالة تجاه بلده . وبالطبع فالنوايا الحسنة والصفات الشخصية والتجارب لشخص ما مهما علا قدرة لا تكفي وحدها لحل مشكلة بحجم الازمة الجزائرية البالغة التعقيد, ما لم تتضافر معها عوامل موضوعية متعددة تبدأ من تعاون القوى الحية في المجتمع مع الرئيس وتمتد لتصل الى مساعدة البلدان العربية خاصة الجيران المغاربة للجزائر كي تتجاوز مآزقها الراهنة. والتطور الراهن في الازمة الجزائرية بعد سريان قانون الوئام المدني الذي وافق عليه الجزائريون باغلبية 98ر5% في 16 سبتمبر الماضي ودخل حيز التنفيذ في 13 يناير الماضي ثم تشكيل حكومة جزائرية جديدة, وبدء تسليم كثير من المسلحين والارهابيين انفسهم للسلطات... كل هذه التطورات تؤكد ان جزائر بوتفليقة قد تكون بدأت عمليا الخطوة الاولى للخروج من محنتها. ولكن من هو بوتفليقة الذي يراهن عليه كثيرون انه قد يعيد للجزائر سيرتها الاولى غداة الاستقلال عن فرنسا في 5 يوليو 1962 بعد احتلال استيطاني بشع من قبل فرنسا استمر 132 عاماً واوقع اكثر من مليون شهيد.. لكنه اثبت ان الجزائريين اشبه بطائر العنقاء الذي ينبعث من رماد موته اكثر بهاء وتألقاً... جزائر ما بعد الاستقلال وطوال حقبتي الستينيات والسبعينيات كانت منارة لحركات التحرر الافريقية والعالمثالثية بجانب قاهرة عبد الناصر ولعبت دوراً فاعلاً في دعم دول المواجهة ضد اسرائيل والكل يتذكر الذهاب الفوري للرئيس الاسبق هواري بومدين الى موسكو كي يدفع للسوفييت نقوداً سائلة ليسارعوا في شحن الاسلحة لمصر كي تزيل اثار عدوان يونيو 1967. هذا الدور الجزائري الذي لم يرض قوى الهيمنة الاوروبية والغرب حيث انه تولى وزارة الخارجية حينما عينه بومدين في المنصب عقب استيلائه على السلطة في يونيو1965 بعد اقصاء الرئيس احمد بن بيللا عن السلطة التي لم يستمر فيها اكثر من 3 سنوات عقب صراع بين جناحي الثورة العسكري والسياسي انتهى بحسم الامر لمصلحة وزير الدفاع وقتها بومدين الذي يقال انه لم يكن راغباً في أن يصبح الرجل الاول... وبفضل الجهود والتحركات الشخصية لبوتفليقة تمكن بومدين من انتزاع تأييد القاهرة وعبد الناصر للنظام الجديد وكذلك دعم القوى الكبرى ذات التأثير العالمي وقتها مثل الصين والاتحاد السوفييتي وحركة عدم الانحياز وقوى التحرر الوطني, وجميعها كانت تبدي تعاطفاً واضحاً مع الرئيس بن بيللا الذي كان اقرب للسياسي المثالي اكثر منه للرجل صاحب القدرة على المناورات وهي الصفة التي يحتاجها السياسي حتى لا يتحول الى (يساريا في عالم مليء بالحيتان) . ولد عبد العزيز بوتفليقة عام 1935 في بلدة وجده التي تقع على الحدود مع المغرب, توفى والده مبكراً تاركاً سبعة اشقاء, تولت الام تربيتهم لتأخذ من القادر لتعطى غير القادر الامر الذي جعل بوتفليقة الذي لمع نجمه مبكراً يتولى جانباً رئيسياً في مساعدة اشقائه. ولظروف متعددة اهمها انخراطه المبكر في صفوف الثورة التي اندلعت في الاول من نوفمبر عام 1954(العيد الوطني الآن) لم يكمل بوتفليقة تعليمه... ولعب دوراً بارزاً في العمليات الفدائية ضد الفرنسيين وطبقاً لما ذكره عادل حمودة في (البيان) بتاريخ 24 ابريل 1999 تحت عنوان (الرجل الذي استرد ظله) فان بوتفليقة كاد يقتل رجماً خلال سنوات الثورة عندما دخل مغارة مع فتاة مناضلة هرباً من دورية فرنسية, فاشتبه فيه بعض الثوار لولا شهادة رفيق رأي الحقيقة, ونجا بوتفليقة من موت كانت تطبقه الثورة حماية لابنائها من اي فتنة وابقاء على الطهارة الثورية. وعلى غرار التركيبة العامة لكثير من الثائرين فان بوتفليقة لم يتزوج رغم ان عمره الان يقارب الخامسة والستين.. وقد يكمن السبب في ذلك انه كان اصغر وزير خارجية في العالم ولم يتجاوز عمره الثلاثين ثم انهمك في مسئولياته ونسى حياته الخاصة. واستمر نجمه في اللمعان وكانت قمة ذلك عام 1974 حينما تولى رئاسة الجمعية العامة للامم المتحدة في ذلك العام وهي الدورة التي تم خلالها الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية بالجمعية وشهدت اعتلاء ياسر عرفات منصة الامم المتحدة رافعاً شعار (البندقية وغصن الزيتون) كما شهدت نفس الدورة قبول الصين عضواً بدلاً من فرموزا او تايوان وقيل ان بوتفليقة رد الجميل لبكين التي ساندت الثورة الجزائرية ونظام حكم الرئيس بومدين ونشأت علاقة صداقة شخصية بين بوتفليقة وشواين لاي رئيس وزراء الصين وقتها. وفي العام التالي 1975 كان هناك حدثان بارزان اكملا دائرة النجومية العالمية لبوتفليقة... الاول حينما تمكن من اقناع مجموعة كارلوس التي خطفت وزراء بترول اوبك بالافراج عن الوزراء الاثنى عشر واشهرهم الوزير السعودي احمد زكي يماني. والثاني حينما لعب دوراً محورياً في اتفاقية الجزائر صراعاً بين شاه ايران السابق رضا بهلوي ونائب الرئيس العراقي حينها صدام حسين وهي الاتفاقية التي انهت صراعاً حاداً بين طهران ودمشق حول شط العرب واقليم عربستان... كما لعب دوراً في انهاء النزاع الحدودي بين شطري اليمن اواخر السبعينيات والمساعدة في حل ازمة الدبلوماسيين المختطفين في السفارة الامريكية بطهران. بوفاة الرئيس هواري بومدين عام 1978 ـ الذي قيل ان الموساد كانت وراءه عبر دسها سماً بطيئاً فجر شرايين الرجل من الداخل ـ ايقن بوتفليقة ان سنوات صعوده قد تجمدت, وان كان يبدو ان تفكيره في الرئاسة لم ينته... الجيش وقتها ادرك ان دوره في العملية السياسية قد يتقلص او يتلاشى اذا تسلم بوتفليقة السلطة.. هذا الادراك مرده ان شخصية بوتفليقة لا تقبل الخضوع او سياسة الاملاءات.. تركيبة شخصيته طبقاً لمن عرفوه عن قرب انه صريح ومباشر وعنيد, يعرف ما يريده حتى لو طال به الزمن, يستمع لخصومه جيداً حتى يحدد الثغرة التي سينفذ منها كي يفند كل حججهم. وطبقاً لاحد هؤلاء المقربين وهو وزير الخارجية اليمني الاسبق والسفير حاليا في الامارات محمد صالح باسندوه فان بوتفليقة ذكي وثائر ومثقف واسع الاطلاع, وذو تجارب غنية ولديه شبكة علاقات واسعة النطاق بين قادة وسياسيين من مختلف انحاء العالم. هذه الصفات لم تجعل الجيش وقائده وقتها محمد يحياوي يترددا في ابعاد بوتفليقة والمجىء بالعقيد الشاذلي بن جديد الذي كان يقضي شهر عسل جديد في هران ليصبح الرئيس الثالث للجزائر. غادر بوتفليقة بلاده الى سويسرا متأملاً سنواته الماضية ومتطلعاً المستقبل, وخلال هذه الفترة مارس بعض الاعمال التجارية في الخليج العربي, وعانى الاماً في الكلى تلقى على اثرها علاجاً في برن... وعندما بدأت بلاده تدخل حلقة العنف الجهنمية منذ اوائل التسعينات شعر ان واجباً تجاه بلده ينتظره.. لكن ذلك لم يتحقق على الفور حيث ان اوراق اللعبة السياسية اختلطت بصورة استعصت على معظم المحلليين ولم يعد احد يعرف من الجاني ومن الضحية؟ واغلب الظن ان المجىء بالشاذلي بن جديد رئيسا للجزائر يكاد يشبه السيناريو الذي حدث في مصر في اعقاب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر... حيث فضلت المجموعة التي اطلق عليها فيما بعد (مجموعة مايو) المجىء بالسادات باعتباره الاضعف وان توليه المنصب هو مرحلة انتقالية... وجاء السادات واعتقل المجموعة وانقلب على السوفييت ودشن سياسة الانفتاح الاقتصادي وتحالف مع الاخوان لضرب اليسار, واخرج من عباءة الاخوات (الجماعات الاسلامية) لينقلب السحر على الساحر! نفس السيناريو تكرر في الجزائر مع الفارق بين شخصيتي السادات وبن جديد.. الاخير خفف قبضة السلطة المركزية وتراجع عن سياسة التعريب واجرى انتخابات بلدية, واطلق العنان لرأس المال الخاص... وقبيل مظاهرات الخبز الشهيرة في الجزائر عام 1988 كان الفساد الحكومي قد وصل ذروته داخل حزب جبهة التحرير الحاكم والفقراء يزدادون فقراً والدور الرائد للجزائر عربياً وافريقياً يتراجع وهكذا حصدت جبهة الانقاذ الاسلامية بزعامة عباس مدني اكثر من نصف المقاعد البلدية في نفس العام. ولا احد يعرف على وجه اليقين الاسباب التي حدت بالرئيس بن جديد للاستمرار في هذه اللعبة غير المحسوبة... فالديمقراطية ليست مجرد صناديق انتخابية شفافة او بضعة مراقبين من الغرب ولكنها اولاً واخيراً تتطلب وجود مؤسسات قوية ووعي لدى الناخبين.. والا فان النتيجة هي القفز في المجهول. .. وذلك ما حدث فعلاً في الانتخابات البرلمانية التي جرت في ديسمبر 1991 واسفرت عن فوز جبهة الانقاذ بمرحلتها الاولى. وبدا الامر ان الاسلاميين على وشك الوصول للحكم.. وزاد الطين بلة تدخل الجيش ووقف العملية الانتخابية وحل جبهة الانقاذ عام 1992, واعتقال غالبية كوادرها, وعلى رأسهم زعيمها عباس مدني ونائبه علي بلحاج. ومثلما جاء الجيش ببن جديد فقد نحاه عام 1992 وتم استدعاء المناضل محمد بوضياف احد القادة التاريخيين للثورة الجزائرية من منفاه الاختياري بالمغرب ليصبح رئيساً. ولكن يبدو ان هذا الثائر صاحب الافكار المثالية والمؤمن بالافكار الاشتراكية قد اصطدم مبكراً بكل المستفيدين من المأزق الجزائري.. وهكذا تم اغتياله على يد احد حراسه في 29 يونيو 1994 ولم يكمل اكثر من ثلاثة شهور على رأس المجلس الرئاسي. وطوال الفترة من 1992 حتى اوائل عام 1995 عاشت الجزائر كابوسا مظلما قويت شوكة جبهة الانقاذ والجماعة المسلحة التي انشقت عنها, واصبحت عمليات القتل مثل تناول الطعام والشراب وتراجعت اخبار الجزائر من الصفحات الاولى في وسائل الاعلام بعد ان اصبح وقوع مجازر يروح ضحيتها المئات مجرد خبر عادي لكثرة تكراره. ومع استمرار نفوذ الرجل القوي داخل الجيش خالد نزار وطرق القتل الوحشية من جانب الارهابيين بدا الامر وكأن سياسة الاستئصال هي الاعلى صوتاً, فالجيش او بالاحرى الجانب المتنفذ فيه لا يطيق سماع كلمة (جبهة الانقاذ) والاخيرة لا ترى حلا الا بالعودة لما تراه التطبيق الحرفي للشريعة دون مراعاة تطورات العصر.. وما بين تطرف بعض قادة الجيش ووحشية الارهابيين سقط اكثر من 100 الف جزائري وسقط 30% من الايدي العاملة في مستنقع البطالة وهو ما اضطر بعضهم اما للانضمام للجماعات المسلحة او الميليشيات الشعبية التي كونها النظام كي يجدوا عملا يقيهم الفاقة حتى لو كان قتل بعضهم البعض!, واصبحت المعارضة المسلحة تنافس الدولة في احتكار العنف المنظم.. وتبتدع اساليب قتل غاية في البشاعة والوحشية. جاء زروال رئيسا للدولة في 31 يناير 1994 بعد ان ظلت البلاد تدار بواسطة الجيش عمليا عبر المجلس الاعلى الذي ترأسه علي كافي.. ثم انتخب زروال رئيسا في 16 نوفمبر 1995ر حاول زروال قدر جهده معالجة الازمة.. لكن يديه كانتا مكبلتين برؤية الجيش واستمرار سياسة الاستئصال.. وعندما اكتشف قادة الجيش وقادة جبهة الانقاذ صحة القانون القائل بان (صراع الفيلة الرابح فيه خاسر بالمطلق).. تم التوصل الى هدنة بين الجيش بقيادة محمد مدين وجيش الانقاذ بقيادة مدني مزراق نهاية عام 1997ر. وهكذا تم تحييد جبهة الانقاذ.. لكن وليدها الشرعي وهو الجماعات المسلحة واصلت عملياتها الهمجية التي ادعى البعض ان الجيش كان له دور فيها لتشويه سمعة كافة الاسلاميين. تفننت هذه الجماعة والمجموعات التي انشقت عنها في قتل الابرياء وبقر بطون الحوامل وقتل الاجنة بالفئوس والبلط وخطف الفتيات واهدار دم كل عائلات العاملين بقوى الامن.. مما دعا احد قادة الانقاذ بالخارج وهو انور هدام الى وصف الجماعة المسلحة (بجماعة الذباحين وانها تعيش مرحلة انحدار وانحطاط, وانها ليست اكثر من عصابة مسلحة تعتمد منطلق الخوارج) وبعد مقتل اميرها شريف قواسمي في سبتمبر 95 تولاها جمال زيتوني (عبدالرحمن امين) ثم جاء ابو خليل محفوظ ليقتل على يد عنتر زوابري الذي لم يكتف بقتل رجال الامن بل قتل زملاءه وبعض قادة الانقاذ مثل محمد السعيد وعبدالرازق رجام واخرين وعزل مدنى وبلجاح من مجلس شورى الجماعة, بل واحل دم قادة الانقاذ بعد قبولهم الهدنة مع الحكومة. ويبدو ان الرئيس زروال يأس من امكانية قدرته على الخروج من هذا المأزق.. ربما لان الجيش عرقل الكثير من خطواته او لانه لم يشعر انه يملك مطلق الصلاحيات.. ولهذا قرر التنحى مبكرا رغم ان فترة رئاسته كان يفترض نهايتها هذا العام.. ولذلك دعا لانتخابات جديدة في 15 ابريل 1999ر. ترشح لها كثيرون ابرزهم رئيس الوزراء الاسبق عبدالحميد الابراهيمي المقرب من الاسلاميين, وحسين آية ايد احمد احد الزعماء التاريخيين للثورة والذي يقف وراءه الاشتراكيون والبربر, ومولود حمروش رئيس الوزراء الاسبق.. وعبدالله جاب الله الذي كان رئيسا لحركة النهضة وانشق عليها بعد تأييدها ترشيح بوتفليقة. في حين القى كل من حزب جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي الحاكم وحركة النهضة بثقلهم خلف الرئيس بوتفليقة اضافة بالطبع لتأييد الجيش وهكذا فاز بوتفليقة بنسبة 73% بعد انسحاب المرشحين الاربعة الذين قالوا ان ضمانات الانتخابات غائبة ومشكلة ؟؟؟ وامثالهم كما قال المثقف الجزائري البارز محمد عميمور انهم لا يرون حلا للمشكلة الا اذا كانوا هم جزءا من هذا الحل! وهكذا تسلم بوتفليقة الرئاسة رسميا في 27 ابريل الماضي ليصبح الرئيس السابع بالانتخاب وهو المنصب الذي لم يصل اليه بالانقلاب عام 1965.. والان وقد مر عشرة شهور تقريبا على رئاسته وفي ضوء التطورات الجديدة.. وانطلاقا من مسيرته الحياتية فالسؤال هو: ما هي حظوظ بوتفليقة العملية لاخراج الجزائر من محنتها؟ الاجابة لا تحتمل الرد بنعم اولا, لانها خليط متشابك يشبه تعقد الازمة الجزائرية نفسها ولا تتوقف فقط على مجرد الافراج عن بلحاج او فك الاقامة الجبرية عن عباس مدني او استسلام حسن خطاب. التحدي الرئيسي هو اعادة الهيبة للدولة عبر سياسة الوئام والمصالحة والايمان بان الجزائر لكل ابنائها.. شخصيا هو يحظى باحترام الاسلاميين ولم يتصادم معهم من قبل وعمليا فقد يجد نفسه يطبق سياسة الترغيب كما حدث مع جيش الانقاذ عبر سياسة الوئام المدني والعفو عن كوادره ودمجهم في الدولة طالما لم يرتكبوا جرائم قتل واغتصاب, والضرب بيد من حديد وبلا هوادة ضد المارقين.. وحتى الان فالنتائج طيبة فعدد من سلموا انفسهم للسلطات في تزايد والحملة ضد العصاة والمسلحين مستمرة. واغلب الظن ان النصر سيكون حليفا للدولة ضد بقايا الارهابيين الذين انكسرت شوكتهم وتشوهت صورتهم لدى غالبية المواطنين ويبدو ان بوتفليقة نجح في كسب صراعه مع بعض قادة الجيش حينما هدد قبل شهور بالاستقالة اذا تم منازعته في صلاحياته.. واذا كان القضاء على فلول الارهابيين مسألة وقت فان التحدي الاصعب والحقيقي الذي يواجه الرئيس هو الازمة الاقتصادية الطاحنة التي تعيشها الجزائر منذ منتصف الثمانينيات تقريبا في اعقاب تدهور اسعار النفط الذي يشكل مع الغاز الطبيعي 95% من صادرات البلاد. والجزائر البلد الثاني بعد السودان من حيث المساحة في افريقيا يتمتع بثروات طبيعية كثيرة.. لكن تردي الاوضاع وسوء الادارة جعل حوالي 14 مليون نسمة من سكانه البالغ عددهم 31ر2 مليون تحت خط الفقر, وطبقا للبنك الدولي فان نسبة نمو العمالة سنويا يصل الى 7% وبالتالي فمعدل النمو السنوي يجب ان يزيد عن 6% (الان 3% فقط).. لتحقيق ذلك يرى صندوق النقد ان الحل هو اتباع الروشتة الشهيرة.. هذه الروشتة ستقود بالطبع الى النتائج التي نعرفها جميعا وهي زيادة البطالة والخصخصة وكل اعراض الروشتة القاتلة!!. الرئيس بوتفليقة الذي ساهم في بلورة التوجه الاشتراكي ونظام التخطيط المركزي اثناء حكم بومدين تحدث كثيرا عن رؤاه للمستقبل.. لكن المواطنين يريدون نتائج على الارض واثناء زيارته لعاصمة الغرب الجزائري في 23 يوليو الماضي قال ان الحقيقة قاسية والعقبات هائلة والتلوث اوصل الدولة للافلاس, والخزائن فارغة.. فلتشمروا سواعدكم لمساعدتي في اخراج العربة من المستنقع الموحل الذي علقت فيه. مضيفا ان اي شخص سليم الجسم والعقل غيري كان سيفضل البقاء في منزله بعد ايامه الباقية لان الخروج من هذا الوضع يتطلب طاقة الاولياء.. لست نبيا او مرسلا لكنني بكل تواضع صاحب رسالة. في هذا التحدي الاقتصادي الاجتماعي سيجد بوتفليقة نفسه في مواجهة الاحتكاريين وقد تعهد لمواجهة المصالح الاحتكارية لذوي النفوذ الذين استفادوا من صلاتهم بالحكومة والجيش في تكوين ثروات بطرق غير مشروعة. التحدي الاخر المرتبط بالازمة الاقتصادية هو التحدي الاجتماعي والمتعلق اساسا بحسم مسألة الهوية.. وربما كانت احد مزايا بوتفليقة تساعده في ذلك فهو ينتمي اساسا للتيار القومي الاسلامي لم يعرف عنه انه من انصار الفرنسة والعلمانية على غرار بعض قادة الجيش او منطقة القبائل البربرية ولم يعرف عنه ايضا انه متطرف اصولي.. مشكلة الهوية ان الجزائريين يربطون العروبة بالاسلام ولا يتصورون وجود عرب غير مسلمين.. لكن في المقابل فان البربر يطالبون باعتماد اللغة الامازيغية كلغة رسمية.. وجاء رد بوتفليقة حاسما خلال اجتماع جماهيري في تيري اورو حيث لقى استقبالاً سيئا (اقول لكم بكل وضوح لن يحدث ابدا ان تتحول الامازيقية الى لغة رسمية لكن كلغة وطنية فليس هناك اعتراض طالما اقرها استفتاء شعبي) .. التحدي الثالث اقليمي ويتمثل اساس في حسم الصراع مع المغرب المستمر منذ ازمة تندوف عام 1963 حينما تقاتل جيش البلدين, ثم جاءت ازمة الصحراء الغربية حيث ساندت الجزائر اعلان جبهة البوليساريو لجمهورية الصحراء مما زاد الامر اشتعالاً ورغم ان الجميع تفاءل بمجيء الملك محمد السادس ومشاركة بوتفليقة في العزاء بجنازة الملك الحسن الثاني.. الا ان الامور لم تسر على ما يرام حتى الان حيث تلمح الجزائر الى دور للمغرب في تقديم دعم لوجستي للارهابيين.. نهاية هذا النزاع المرتبط اساسا بازمة الصحراء والصراع حول الدور القيادي في منطقة المغرب العربي من شأنه ليس فقط دعم الحكومة الجزائرية والمغربية بل والامن القومي العربي بصفة عامة.. والبديل الاسوأ هو ان تجد الجزائر نفسها في عزلة. وهي الدولة التي تعودت على لعب دور اقليمي وقتها لن تجد سوى اسرائيل تمد يدها اليها على غرار ما حدث حينما قابل بوتفليقة باراك على هامش جنازة الملك الحسن الثاني.. بوتفليقة رأى الامر مجرد مصادفة اما باراك فقال وقتها انه ساهم في كسر الحواجز النفسية مع العرب وانه اكبر من ان يكون مجرد لقاء مجاملة عودة الجزائر الى حالتها الطبيعية لن يكون فقط من مصلحة ابنائها ولكنه مصلحة عربية اولا واخيرا فوجود جزائر قوية مثلما كان الحال في الستينيات والسبعينيات يعنى ان الجسد العربي قد استرد عافيته في جناحه الغربي حتى لا تتسلل اليه الميكروبات الغربية المحملة بالجراثيم الصهيونية. عماد الدين حسن