هل تسبق مصر بتاريخها الاشتراكي القريب دول الخليج ذات الاقتصاد الحر في رحلة الخصخصة؟ يبدو ان ذلك صحيح فدول الخليج يقيد حركتها بترول مملوك بالضرورة للدولة, بينما يحكم الحركة في مصر: حجم كبير نسبيا للقطاع العام , وجرأة للدخول فيما يمكن ان نسميه (غير المألوف) بالاضافة لضغوط دولية ومحلية للاسراع بالخصخصة. لم يكن متوقعا ما اعلنته الحكومة المصرية منذ ايام حين قررت انشاء منطقة حرة للفضائيات, والسماح بانشاء شركات مساهمة مصرية لامتلاك قنوات فضائية .. اي انه ستكون هناك محطات اذاعة وتلفزيون خاصة. اقول (لم يكن متوقعا) لان امتلاك الوسيلة الاعلامية ـ صحيفة او اذاعة مسموعة او مرئية ـ يمثل في النهاية نوعا من تحديد (من له حق الامتلاك) و .. مازلت اذكر الجدل الطويل الذي خضناه في لجنتين شاركت فيهما وكان موضوعهما : سن تشريع جديد للصحافة المصرية .. وحينذاك كانت قضية امتلاك الصحف قضية عويصة فالاجنبي ممنوع, والافراد ممنوعون, والشركات المساهمة تنشأ بنصاب مالي كبير وموافقة من مجلس الوزراء. كانت السدود والقيود اكثر من التسهيلات وقلنا وقتها ان الدولة لم تتخذ قرارا بعد باطلاق عنان الخصخصة في مجال الصحافة. ولكن, هاهي قفزة تحدث للسماح بانشاء فضائيات قطاع خاص مع وضع ضوابط نرجو الا تكون كبيرة ومعوقة للمساح برأي حر مزدهر. على اي حال فإن الخطوة الجديدة ليست الاولى في مجال (غير المألوف في رحلة الخصخصة). في السواد الاعظم من دول العالم مازالت الحكومات تملك المرافق والخدمات الاساسية مثل : الطرق ومحطات الكهرباء والمطارات والموانىء والسكك الحديدية بل وشبكات الهاتف ايضا. وحين سمحت الحكومة المصرية للقطاع الخاص بانشاء محطات للكهرباء منذ بضعة اعوام سألت وقتها د. عاطف عبيد وزير قطاع الاعمال حينذاك رئيس الوزراء حاليا, سألته: الى اين تمضي سياسة الخصخصة, لقد عرفنا ان وحدات الانتاج يمكن ان تنتقل للقطاع الخاص .. ولكن .. هل يصلح هذا المنهج في البنية الاساسية والخدمات العامة؟ هل يمكن ان يتحول العلاج بأكمله لتجارة وارباح وخسائر .. وهل يمكن ان يكون توليد الكهرباء وهو القطاع المطروح امامنا حينذاك .. متاحا للقطاع الخاص يحدد اسعاره كما يشاء .. ومن ثم يحدث التناقض بين اسعار مناطق تتواجد فيها الدولة.. ومناطق يتواجد فيها القطاع الخاص, بل قد يحدث استغلال من جانب القطاع الخاص في مجال يؤثر على كل الاسعار والتكاليف في المجتمع؟ حينذاك لم يحسم د. عبيد القضية وقال انها (مجرد تجربة) وان القطاع الخاص سوف يبيع ما يتم توليه من كهرباء لديه لشركات التوزيع وهي مملوكة ملكية عامة وملتزمة بسعر موحد في كل مصر. هكذا قال, لكن (مجرد تجربة) اتسع نطاقها فشمل الآن السماح بانشاء الطرق وتحصيل عائد من خدمات المرور وغيرها, والسماح بانشاء موانئ بدأت متخصصة وسوف تصبح عامة, ونفس الشيء بالنسبة للمطارات.. وأخيرا جاء دور التليفونات ثم السكك الحديدية. والأخيرة وهي السكك الحديدية مكتوب على محطتها النهائية عادة (خطر ممنوع الاقتراب) فالخسائر التي تتحملها الحكومة كبيرة, وثمن التذكرة او ثمن الشحن الذي يؤديه المواطن ثمن معدوم من جانب الدولة, وحق الانتقال مرهون بالقوة الاقتصادية للمواطن فاذا كان مسموحا ان يتم التحرك في مجال النقل البري بالباصات او السيارات الخاصة فان الامر يختلف بالنسبة للمرفق الشعبي والرئيسي السكك الحديدية. هكذا سار الامر في مصر ومعظم دول العالم.. وحين جرى طرح الامر في بريطانيا تقرر ـ على وجل ـ خصخصة السكك الحديدية والبقاء على مترو الانفاق ذي الشبكة الضخمة في اطار الملكية العامة.. ومع ذلك فان تجربة خصخصة المرافق والخدمات في بريطانيا محل مراجعة دائمة. ولكن مع طرح فكرة شركات خاصة للفضائيات في مصر جرى ايضا طرح فكرة اجزاء من السكك الحديدية للقطاع الخاص, والاجزاء تشمل خدمة القطارات والارصفة, وورش الصيانة.. اي انه لن يبقى في حوزة الحكومة غير القضيب وعربة القطار! هل تصلح هذه التجربة؟ يثار الجدل في مصر الآن فالخشية كل الخشية ان يصبح كل شيء في المجتمع مجرد سلعة يخضع انتاجها وتداولها للمكسب والخسارة, وهو ما يعني ان تكون الخدمات للقادرين فقط.. والخشية ايضا ان يمس ذلك مجال الامن القومي, فمحطة كهرباء السد العالي والتي جرى السماح بمشاركة خاصة في ملكيتها ليست مجرد مصنع ينتج التيار الكهربائي.. لكنها ايضا موقع استراتيجي يمس امن البلاد. .. كل ذلك يجري (خارج المألوف) فهل يسفر عن تقدم حقيقي؟ التحفظات كثيرة ربما لأننا امام ما لم نعتده, وربما لانها مغامرة غير محسوبة.. لكن الحماس ايضا قائم فحكاية الفضائيات قد تعني حرية اكثر.. وهو المطلوب.