التعرف على تعقيدات العلاقات اليمنية السعودية ومكوناتها وتراكماتها التاريخية, يجعلنا ندرك أهمية العمل على تطوير مرتكز الحوار السعودي اليمني وحتى لا يقف الحوار عند عقدة الضب التي قد تسوق الحوار اما إلى الطريق المسدود وتلك محنة أو إلى نتيجة خاطئة لا تغير الواقع القائم للعلاقات وتجعلها أكثر تعقيدا وتلك كارثة . سؤال مهم يجب ان يطرحه المحاورون السعوديون واليمنيون في بداية حوارهم وهو: هل يتحاورون لكي يقيموا علاقة أخوة وتكامل وسلام, أم هم يتحاورون لكي يبتلعوا عدة أمتار من الأرض وكل وشطارته؟ هناك من يركز على موضوع الحدود الجغرافية دون الاهتمام بالبعد السياسي والاقتصادي أو الديمقراطي وانما يتركز همهم على التضاريس الجغرافية. التركيز على قضية الحدود الجغرافية و جعلها المحور الأساسي للحوار في هذه الرحلة سوف يغلق الآفاق الواسعة للحوارات السعودية اليمنية والتي من شأنها لو تم التعامل معها بحس حضاري ان تساعد في النهاية على حل مشكلة الحدود الجغرافية, والعكس صحيح فإن تركيز المحاورين على الحدود في هذه الرحلة سوف يجعل مهمتهم صعبة وشاقة, فكل طرف سوف يتمسك بكل شبر يعتقد انه له لأن المناخ غير قابل للتسامح, ولو تسامح طرف في ظل المناخ القائم لاعتبر المواطنون تسامحه تساهلا وخيانة وطنية, وتفريطا في حقوق الشعب ومصالحه. لقد أصبحت الصراعات على الحدود الجغرافية في عالم اليوم محل سخرية واستهجان, وتعتبر نوعا من العبثية التي تعكس عجز الأنظمة عن استيعاب تطورات العصر الذي التغت فيه حدود الأرض والسماء واستبدلت بالمنافع والمصالح المشتركة لتكتلات اقتصادية كبرى تواجه تكتلات اقتصادية أخرى في تنافس محموم على الابداع والتفوق العلمي والتكنولوجي. ان الحوار السعودي اليمني لن يخرج من عنق الزجاجة إلا بتغيير مرتكز الحوار, فبدلاً من التركيز في هذه المرحلة على الحدود الجغرافية علينا ان ننتقل الى الحوار حول المصالح المشتركة والتكامل الاقليمي وعلينا ان نتدرج في تفكيك ازمة العلاقة على النحو التالي: اولاً: تحسين المناخ العام للحوار باتخاذ عدد من الخطوات منها: 1 ـ استبدال صقور المفاوضات بحمائم الحوار. واستبدال عقلية المراعي بأفق التكامل. 2 ـ العمل على شفافية الحوار واخراجه من الغرف المظلمة حتى يتم التخفيف من عوامل الشك والريبة التي تعتمل في نفوس الناس, ونهيىء رأياً عاماً يحكمه العقل لا العاطفة وتشده تطلعات المستقبل لا تراكمات الماضي وتحصنه المعلومة بدلاً ان تشطح به الاوهام والشكوك. 3 ـ فتح حوارات غير رسمية بين القوى الاقتصادية, والاكاديمية والشبابية وحتى يسهم الجميع في وضع تصور للعلاقات السعودية اليمنية المستقبلية. 4 ـ لقاء متكرر بين الكوادر الاعلامية التنفيذية الشعبية والرسمية بهدف الاتفاق على ثوابت الخطاب الاعلامي بما يعزز الثقة. 5 ـ تسهيل انتقال اليمنيين والسعوديين وتنشيط ذلك على المستوى السياحي والثقافي والرياضي والاكاديمي وتسهيل عمليات التبادل التجاري وانتقال رؤوس الاموال الراغبة في الاستثمار بل وتشجيعها لكي تتشابك المصالح على نطاق شعبي واسع هي التي تشكل الضمانة الحقيقية لديمومة العلاقة ورسوخها. 6 ـ العمل على ضم اليمن على مجلس التعاون الخليجي لكي يتعمق الاحساس بالانتماء وتنمو الرغبة في التطابق ويتصاعد الاتجاه الى التغلب على المشاكل المعلقة. ثانياً: جدولة قضايا الحوار على المستوى الرسمي وتحديد الأولويات.. واستكمالاً لتحسين المناخ العام وتنمية الاحساس بالمصالح المشتركة لا بد وان تعطى الاولوية في الحوارات لما يلي: أ ـ التكامل الاقتصادي, ب ـ الغاء او تخفيف موانع الانتقال بين الشطرين للانسان والسلع التجارية. ج ـ التنسيق الأمني مع احترام كل طرف لخيارات الطرف الآخر في كل ما يتعلق بشئونه الداخلية. د. التنسيق السياسي في المواقف الاقليمية والعربية والاسلامية والدولية. ثالثاً: حل مشكلة الحدود الجغرافية طبقاً للأسس التالية: 1 ـ تحديد الحدود التي لا خلاف عليها والانتهاء من موضوعها. 2 ـ تحديد الحدود التي هي محل خلاف يمكن تجاوزه بالتسامح المتبادل او بالمقايضة العادلة. 3 ـ الاتفاق على ان يتم بحث الحدود محل الخلاف من زاويتين: الاولى: الاشتراك في المصلحة الناتجة عن الاستثمار أوالاستخدام لهذه الارض. الثانية: الجهة التي تتولى ادارة المساحة المختلف عليها مع الأخذ في الاعتبار رغبة سكان المنطقة وقدرة الطرف على الادارة الفعالة والكفؤة. لن يجد المتحاورون صعوبة في الاتفاق على الجهة التي تشرف على ادارة منطقة ما لمصلحة الطرفين, فالمجتمعات اليوم لم تعد قضية السيادة هي محل همها واهتمامها وبشكل خاص بين اخوة واشقاء لم يعد بينهم سوى الود والمصالح المشتركة لكن الذي لا يمكن التساهل فيه او التغاضي عنه ـ أوجد حقداً مدمراً ونزاعاً مستمراً ـ هو ما يتعلق بالمصلحة والاستخدام المشترك. ان اي اتفاق غير عادل وخارج هذه الأسس لن يكون الا اضافة للغم جديد يستغله المتربصون بالأمة سواء اليوم او في الغد القريب, واي اتفاق لا تسبقه تهيئة نفسية وشواهد لمصالح مشتركة سيظل محل شك وريبة.