هل يعاني الاردنيون, من شتى الاصول والمنابت, من الرغبة في تعذيب الذات؟هل تسبق ألسنتهم عقولهم قبل ان يطلقوا افواههم بالحديث؟ ام ان مرحلة المصارحة والمصايحة ليست الا مرحلة مؤقتة سرعان ما تذهب في طريقها, وتطويها الاحداث والتطورات اللاحقة . لايزال المسئولون في المملكة العربية السعودية يرفضون استيراد الخضار والفواكه الاردنية, لأن صحيفة اردنية سارعت في الحديث عن التلوث الناجم عن استخدام المبيدات المسرطنة. ولم تكن لدى الصحيفة وثائق تدعم مثل هذا الوصف, ولكن جاهلا يرمي حجرا في بئر, كما يقول المثل العامي الدارج, ويعجز مئة عاقل عن اخراجه, وقام المسئولون السعوديون, مدفوعين بغيرتهم على صحة ابنائهم, بمنع دخول الخضار الاردنية الى الاسواق السعودية. وياليت الامر وقف عند هذا الحد, بل ان اغلاق الحدود السعودية امام الخضار والفواكه الاردنية منع وصولها الى اقطار الخليج الاخرى في الامارات العربية والبحرين, ساهم في ايقافها دون ما يمكن ان تصل اليه. ومع ان المملكة العربية السعودية ارسلت وفودا للأردن, واطلعوا, ونقبوا منذ عدة اشهر, ولكن قرارا بالسماح للخضار الاردنية بالدخول لم يؤخذ. وبالمقابل, فان الحكومة الاردنية حتى هذه اللحظة لم تتخذ قرارا بالموافقة على البروتوكول التجاري الذي تم اقراره في اجتماعات اللجنة المشتركة برئاسة وزيري التجارة في كلا البلدين قبل عدة اشهر. وتظهر في الصحف الاردنية, ومن بعض السادة اعضاء مجلس النواب, اتهامات حرجة لمياه الاردن ومدى صلاحيتها للشرب, او اتهامات لشركات المشروبات الغازية. فقصة المياه الملوثة مثلا انفجرت قبل بدء الموسم السياحي الصيفي مما ادى الى عزوف الكثير من الاشقاء من دول الخليج عن السياحة في الاردن الصيف الماضي. بعضها يأتي بعدما ينجز الاردن اتفاقية مع دولة اجنبية لجذب استثماراتها للاردن, فتثور اتهامات لشركة من تلك الدولة بدون اسباب علمية مقنعة, ويركب الموجة ابطال منصبون من قبل انفسهم, فتتأثر الدول الراغبة في الاستثمار بمعاملة الاردن لاحدى شركاتها. ويدور في السهرات واللقاءات والمآتم تساؤل لدى كثير من الاردنيين: هل هذه التطورات كلها صدفة؟ ام انها مدفوعة بموجب مؤامرة محبوكة منسوجة الخيوط بدقة, ويجري تنفيذها عبر (طغمة) فاسدة لا تريد للاردن ولا بأهله خيرا. ويقسم بعض المؤمنين بنظرية المؤامرة ان الاردن مستهدف. ويقف بعض المسئولين في الحكومة, ومنهم رئي س الوزراء عبد الرؤوف الروابدة, موقف الواثق من نظرية المؤامرة. ويعز على المرء في الواقع, ان يستسلم لهذه النظرية بسهولة, لأن الايمان الغربي بها, حتى ولو كانت اقرب الى الصحة, استخدم في حالات كثيرة للانعتاق من مواجهة المشكلة, او التذرع بأن القوى الخفية العاملة ضد مصالح الدولة العليا اكبر من ان تقاوم, وبذلك يكون البديل الاكتفاء عن الغنيمة بالاياب, والعجز عن اتخاذ القرار الصحيح والنهوض بالعمل الايجابي. ويعز علي كثيرا ان ارى الملك الشاب الجديد عبدالله بن الحسين, يعمل ساعات طويلة, ويرتضي بفرض ظل متواضع بتركيزه على الاقتصاد واخراج الاردن من الركود, ثم تكسر مساعيه من قبل الاردنيين المصابين برغبة التعذيب الذاتي او (السادية) احيانا. ويقوم الملك عبدالله بزيارة المرافق العامة متخفيا ليطلع بنفسه على اوضاع هذه المؤسسات واسلوب تعاملها مع الناس, ومستوى الانجاز لخدمتها, ويفضح الدوائر التي يسارع المسئولون فيها كما جرت العادة الى تبرير تقصيرهم اما بكثرة العمل, او بتناقض القوانين, او بنقص المال والموارد, اوـ وهنا الطامة الكبرى ـ بنقص امداد الموظفين. ومما لاشك فيه, ان الملك قد وضع لنفسه أولويات صحيحة في مواجهة المشكلة الاقتصادية, وفي السعي لجعل الاردن قادرا على الانفتاح بكفاءة وتنافسية, ولكن كل التشريعات الصحيحة والقرارات العليا المناسبة, لايمكن ان تكون بديلا عن الاصلاح الاداري, وقياس الانجاز, ومحاسبة المقصرين, وتحفيز المبدعين. ولذلك فإن الملك قد ركز اهتمامه الان على قضية الاصلاح والتطوير الاداري ويعلم ان النماء الاقتصادي صعب المنال, ولكن هذا الاصلاح هو مايجب ان يقوم به رئيس الوزراء, الذي اعطاه الملك دعما وتأييدا لكي ينهض بالمهمة الصعبة, وهي تحسين الاداء الاداري والتخلص التدريجي من الترهل, والمحسوبية, والواسطة, وتعيين الاقارب. والسؤال الان امام رئيس الوزراء: هل سيقوم بهذه الاجراءات, ام انه سيؤثر السيكنة الزائفة على حساب العمل الجرىء المطلوب, وماذا سيكون عذره بعدما قبلت استقالة عبدالكريم الكباريتي, رئيس الديوان الملكي السابق, والمناكف للروابدة. اذا لم يفعل رئيس الوزراء ماهو مطلوب منه, ولم يبد الاقتصاد الاردني تحسنا ملموسا خلال الاشهر المقبلة, فإن دوره في التبديل قادم لا محالة, بوجود نظرية مؤامرة أو بعدمها.