بعد انحلال الاتحاد السوفييتي كنظام سياسي وكقطب اقتصادي ـ عسكري دولي يبرره نوع من اللاهوت السياسي تبين لمن رفض ان يصدق طيلة فترة حياته ان هذا المعسكر لم يفشل فقط في حل قضية العدالة الاجتماعية ولم يفلح ببناء ديمقراطيات شعبية (باستغنائه عن الديمقراطية وعن الشعب) فحسب وانما تصدعت ايضا الكليشيهات والشعارات التي باعها للناس على انها الحل الطبقي للمسألة القومية فما زال استغلال الانسان لاخيه الانسان طبقيا ومازالت الصراعات القومية الناجمة عن هذا الاستغلال في حالة انسجام تتخللها تعددية لغوية وثقافية. وعلى فكرة ننصح من يعتقد ان التعددية الثقافية هي اكتشاف غربي متأخر ان يلقي نظرة على التعددية اللغوية في الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا وغيرها لكي يخفف من حماسه. لقد تفجرت في الكيانات السياسية التي كانت تؤلف المعسكر الاشتراكي صراعات قومية مؤجلة ـ زادها التأجيل تعقيدا على تعقيد شهدتها اوروبا في منتصف القرن التاسع عشر وتم حلها ديمقراطيا في بعض الدول, وألقت بظلها طيلة القرن العشرين على دول اخرى مساهمة الى جانب عوامل سياسية واقتصادية في نشوب حروب ضارية. ولكن منذ منتصف القرن التاسع عشر تلونت العلاقات بين الشعوب الاوروبية المستقلة, وبين الاقليات القومية والاكثرية داخل كل دولة باللون القومي ـ الذي يجمع بين السياسي والثقافي, ويعيد كتابة تاريخ الجماعات قوميا يعيد قراءة مميزاتها واصولها الاثنية قراءة قومية ويوظف تمييزها الديني اذا توفر في خدمة القضية القومية. عندما تفجرت الصراعات بعد الفشل في حلها حلا ديمقراطيا في غياب ديمقراطية, وبعد ان انهار النظام الذي قمعها كما قمع حقوقا فردية وجماعية اخرى تفجرت كصراعات قومية قد تعيد احياء التميز الديني في خدمة التميز القومي, او تعيد انتاج الدين كقضية هوية وليس كقضية عقيدة. وقد دأبت الحركة القومية في بولندا الكاثوليكية الكنيسة منذ القرن التاسع عشر على استخدام هذا التميز الديني عن روسيا الارثوذكسية والمانيا البروتستانتية لتقوية الرغبة بالاستقلال عنها, ولكن هذا الاستخدام العلماني للهوية الدينية لا يحول الصراع الى صراع ديني. الصراع بين كرواتيا وصربيا لم يكن صراعا دينيا رغم التميز الكرواتي الكاثوليكي التاريخي عن كنيسة صريبا الارثوذكسية ـ وربما كان هذا التميز نفسه ذا اصول اثنية, ولكن على اي حال القيادة الكرواتية علمانية وكذلك القيادة البوسنية وكذلك القيادة القومية في اقليم كوسوفو. الدين في هذه الحالة هو جزء من التراث الشعبي الذي يتم احياؤه, وكذلك المؤسسات الدينية التي تزداد قوة كلما تم تشييع ضحايا الصراعات والمعارك الدموية خالطة الطقوس الدينية بالمشاعر القومية, هذه كلها هويات جديدة يعاد انتاجها في خضم الصراع, ولكن لا علاقة لها بالعقيدة والصراع العقائدي بين ديانات. الديانات لا تتصارع بل الناس الذين يؤمنون بها, والمؤسسات التي تتجسد فيها هذه الديانات وتحولها الى عقيدة. والناس والمؤسسات يخضعون لمصالح ودوافع واعتبارات دنيوية وكما يخضع الناس لها كذلك تصمم هذه الاحوال الدنيوية شكل ايمان الناس بشكلين اذ قد يكون ايمانا بعقيدة كما قد يؤكد انتماء لطائفة او يعبر عن تميز او عادة تراثية تحافظ على التماسك الاجتماعي والقومي امام الآخر. في الشيشان تجري حرب وحشية ضارية مدمرة اساسها رفض روسيا الاقتصادي ثم السياسي في اساسه لانفصال الشيشان عن الفدرالية الروسية وكانوا سيعارضون انفصالهم لو كانوا مسيحيين او بوذيين واصرار الشيشان على الانفصال مبني على التميز كشعب وكقومية لها الحق في تقرير مصيرها كجماعة قومية سياسية, ويتم تسخير كل تميز تاريخي وكل صراع تاريخي لتدعيم المعنوية القومية الشيشانية الجديدة. القصف الوحشي الروسي ودوس الجيش الروسي كل الاعراف والقوانين لن يحل قضية الشيشان كقضية قومية, والتضامن مع شعب الشيشان كما كان مع شعب كوسوفو والبوسنة وتيمور الشرقية وغيرها هو تضامن انساني وعالمي, ولكن هناك في منطقتنا من يصر على اعتبار تضامنه مع تلك الشعوب جزءا من صراع عالمي بين ديانات. الشعوب التي تستقبل هذا التضامن تفرح به كما ترغب بتضامن المؤسسات الدولية وتطالب باجراءات دولية وباجراءات امريكية وبعقوبات من حلف الناتو ضد الخصم وهكذا.. كما شهدنا في البوسنة وتيمور الشرقية وكوسوفو وغيرها. التضامن الديني مع احد الاطراف لا يحول الصراع هناك الى صراع ديني, بل يسخر في خدمة الصراع الوطني المحلي كما يسخر تضامن الشعوب ولو كانت من ديانات اخرى. قراءة الصراع في تلك الدول قراءة دينية ليس تعبيرا عن طبيعة الصراع هناك بل عن طبيعة العقليات هنا. وليس من شأنها ان تحول الصراع في تلك البلدان النائية الى صراع ديني بل تهدف الى تعزيز التصور الديني السياسي في بلداننا القريبة كبديل عن التصور القومي او الديمقراطي. ومن المحزن ان ترى بعض محطات الاقمار الصناعية العربية تستسهل تقديم الصراع على انه صراع بين المسلمين والمسيحيين ـ وذلك دون ان تجد في الصور التي تعرضها ما يعبر عن ذلك, فالبوسنيون والصرب والروس والشيشان علمانيون بخطابهم السياسي ومظهرهم, دوافعهم واهدافهم, ولابد من بث صور الطقوس الدينية من المقابر للتعبير عن الفرق. في تلك الدول لا تنتشر عادة تجوال المشاهد بين المحطات التلفزيونية العربية, ولا يدخل الاعلام العربي ضمن عملية تشكيل وعيهم الاجتماعي ـ ولكن في وطننا العربي تصر قوى سياسية ذات اهداف سياسية على تشكيل وعي شعبي عربي يتعامل مع الدين كهوية وليس كمعتقد, ولكنها في هذه الحالة ليست هوية معززة للهوية القومية بل كهوية عابرة للقوميات وبديلة للتضامن القومي المحلي. التضامن مع الشيشان واجب انساني, وقد يكون ايضا واجبا دينيا بالنسبة لمن يوفر له الدين وازعا اخلاقيا.. ولكن التضامن الطائفي لاعلاقة له بعدالة قضية الشيشان والوحشية الروسية, ولا علاقة له بالتضامن العقائدي, ولو حصل فهو غير متبادل ومن طرف واحد. التضامن الطائفي الديني هو تعبير عن موقف سياسي لاحزاب وقوى سياسية دنيوية هي الاخرى ولو كانت ايديولوجيتها دينية من مصلحة خطابها السياسي ومصلحة انتشاره في الوطن العربي ان تهيمن ثقافة سياسية تقسم العالم الى ديانات وتحول القوميات الى مجرد طوائف دينية. نحن قوميون عرب متضامنون مع الشيشان كبشر تضامنا مع العدالة ضد الظلم ومع المظلومين ضد الظالمين. لغة التقارير الاخبارية التلفزيونية عما يجري هناك هي بالقدر ذاته تقرير عن الثقافة السياسية هنا.