في حديث شيق اجرته جريدة (القبس) الكويتية ونشرته يوم الثلاثاء الموافق الثامن عشر من الشهر الجاري تحدث الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع في دولة الامارات الشقيقة حديثا صريحا وصادقا نابعا من القلب ومن المودة التي تميز علاقة آل مكتوم وحكام دولة الامارات وشعبها, بالكويت في ماضيها وحاضرها ومستقبلها . وهذا النوع من الاحاديث والمقابلات التي تتضمن وجهات نظر وآراء محددة قد تكون منظومة مشروع وبرنامج صادر من قلب الشيخ محمد بن راشد للتعامل مع الحالة بين الكويت والعراق, مثل هذه المقابلة لا يمكن ان تمر دون وقفة تحليل وتعليق من اهل الكويت الذين لا يشكون بصدق نوايا وصفاء مودة الشيخ محمد تجاه الكويت. وقد عرفت الشيخ محمد بن راشد منذ قيام مجلس التعاون مشاركا ايجابيا كوزير دفاع لدولة الامارات, ومساهما في تحقيق بيئة خاصة تميز علاقات وزراء الدفاع في مجلس التعاون جوهرها الارتياح والتآخي يسودها المرح وتبادل الشعر وروايات الحكمة والاقوال. وقد شارك الشيخ محمد في جميع اجتماعات المجلس الاعلى لدول مجلس التعاون ويعرف بحكم تواصل المتابعة, وبحكم المشاركة في المسئولية الثوابت التي وضعها القادة لتنظيم العلاقات بين اعضاء المجلس, ومن ابرز هذه الثوابت هي وحدة الامن الخليجي النابعة من وحدة المصير وترابط التراب والتشابك في هيكلة الردع الامني المحافظ على الاستقلال والسيادة. وترجمة لهذه الثوابت صار تحرير الكويت الهدف الاستراتيجي الوطني الاعلى لجميع دول الخليج, التي شاركت ترجمة لوحدة المصير بكل شيء لتحقيق التحرير بما فيها توفير المعيشة والمكان والاستقرار للكويتيين الذين توافدوا على تلك الدول خلال اظلم فترة في تاريخ المنطقة. وقد قرأت المقابلة المثيرة التي اتسمت بالصراحة المتناهية في الاجابة والجرأة المندفعة في صياغة الاسئلة خاصة تلك التي تمس الجوانب الشخصية والمزاج العام للشيخ محمد, مثل السؤال عن التلميع والسؤال الآخر عن فقدان الابتسامة وهذه نقاط لا علاقة لها بجوهر الحديث. كما ان السؤال الاول الذي يضع الشيخ محمد في جانب مضاد للكويت, والذي يبدأ بالاستفسار عن واقع الحال بين الشيخ محمد وبين الكويت, من وجهة نظري, ليس بالسؤال الدقيق المعبر عن صيغة العلاقات بين الشيخ محمد واهل الكويت. وبصراحة نتكلم, هناك حالة من الاستغراب تثيرها مواقف الشيخ محمد, تطفو على احاديث الدواوين والمنتديات الكويتية ولكنها حالة فيها استغراب المحب والذي يعتبر الشيخ محمد واحدا من اهل الكويت ليس متوقعا منه ان يعطي النظام العراقي اي بصيص من الامل في امكانية التسلل الى داخل البيت الخليجي الموحد الذي نعتبره موقع الكويت الطبيعي وحامي جسدها, ويرون بأن الدعوة الى معالجة (الحالة بين العراق والكويت) عن طريق مساع حميدة خليجية فيها خروج على وحدة المواقف الخليجية كما حددها القادة وان افضل وسيلة لمخاطبة النظام العراقي هي بالدعوة الصريحة والواضحة لتنفيذ قرارات مجلس الامن ذات الصلة, لاسيما القرار الاخير 1284 الذي يحدد للعراق لاول مرة طريقا واضحا لرفع العقوبات وهو التعاون مع اللجنة الخاصة الجديدة من اجل الحصول على تقرير منها حول بروز موقف ايجابي عراقي منها سيؤدي الى رفع العقوبات. ولأول مرة ايضا, يتمتع العراق بالسماح له بتصدير النفط دون سقف او قيود, وله الحق في الاستفادة من تخفيف القيود على استيراد قطع الغيار الضرورية لصناعته النفطية وتأمين وصول آرائه الى مجلس الامن عن طريق الحكماء الذين سيساعدون اللجنة الجديدة في وضع تصوراتها امام مجلس الامن. ولا يرتاح اهل الكويت الى التطوع بتقديم مشروع من دولة خليجية او من مسئول خليجي كبير, مثل الشيخ محمد, للتعامل مع حالة الكويت والعراق, فقد حسم مجلس الامن في قراراته هذا الموضوع وتم تحديد الحدود وفق القرار 833 وتعهد مجلس الامن والاسرة الدولية بحمايتها والحفاظ عليها دون تغيير, وانتهى الوضع بمصادقة مجلس الثورة العراقي وقيادة المجلس الوطني على تلك الحدود وايداع وثائقها في الامم المتحدة ولا توجد فائدة من فتح هذا الباب بعد وصده عبر الشرعية الدولية. ولا اعرف مغزى الاسئلة والاجوبة التي جاءت في المقابلة عن الحدود حيث يقول الشيخ محمد: ان هذه قضية خطيرة وعندما اريد التحدث فيها بصراحة سوف يزعل اخواننا الكويتيون علينا. وبالطبع فإن الكويتيين سيزعلون اذا ما جاءت خطة عملية حول هذا الموضوع لانه انتهى وتم الترسيم وفق قرار 687 الذي هو برنامج عملي وسياسي للامن الاقليمي. كما انه من غير المعقول ان تخرج الكويت او اي دولة اخرى عن المسار الذي حدده مجلس الامن ممثل الشرعية الدولية وحامي النظام الامني العالمي. ونحن مع نصيحة الشيخ محمد في عدم الوقوع في اسر الماضي والبدء في التطلع الى المستقبل والتعرف على احتمالاته. وفي الحقيقة لا يوجد خلاف عراقي ـ كويتي وهناك محبة وتقدير لشعب العراق وظروفه الصعبة وهو اكبر ضحية للعدوانية الصدامية, مثله مثل شعب ايران وشعب الكويت والخليج. ولكن الخلاف مع النظام العراقي الذي لا يستطيع احد في الكويت ان يفكر في التعامل معه, ولا الوثوق به ولا التسامح معه, ومشكلته الحالية هي مع شعبه ومع مجلس الامن الذي يتحدى هذا النظام, قراراته وارادته, ويحاول التأثير على وحدته. كما يلعب هذا النظام دور المتفهم والمبارك لكل المساعي الداعية الى الحوار بين العراق والكويت بشكل خاص والخليج بشكل عام. وقد ردد ذلك الطرح وزير خارجية العراق محمد الصحاف في آخر لقاء مع قناة الجزيرة عندما سئل عن الاعتذار والندم لغزو الكويت فرد بحدة بأنه مستعد لحوار موضوعي عن المسببات والخلفيات. ولا يفيد هذا الطرح شعب العراق بشيء, كما لا تفيده الاحتفالات الصاخبة والمثيرة عن الانتصارات الوهمية واشغال الشعب المعذب بمهرجانات فكاهية عن النصر العظيم. والشيء المفيد الوحيد هو دعوة النظام العراقي للتعاون مع مجلس الامن في تنفيذ القرار الجديد الذي يفتح الباب واسعا لتحولات هامة في علاقة النظام العراقي مع مجلس الامن. واعتقد من المناسب ان تصب الدعوات الخليجية في هذا المسار, كذلك ابراز الضرر الذي يسببه الاصرار على الخطاب الاعلامي والسياسي العقيم للنظام العراقي, وهو خطاب مملوء بالمفردات المنفرة والبالية, ولا يخلو هذا الخطاب من التعريض بالكويت كما جاء في المقال الذي نشره طارق عزيز يوم العاشر من الشهر الجاري حول حقوق العراق منذ عهد السامريين في مياه الخليج واتهام بريطانيا بأنها اقتطعت الكويت لحرمان العراق من شواطئه. كل هذه المسوغات لا تحقق شيئا بل بالعكس, تثير المخاوف وتزيد الريبة والشك. ولا ننسى ان شروط وقف اطلاق النار كما جاءت في 687 تضمنت ابراز النوايا السلمية تجاه دول الجوار وحتى الآن لم نلمس نوايا سلمية, بل نحن نعيش في اجواء تهديد ووعيد, واعتقد ان الحكمة تفرض على من يريد الخير لشعب العراق, ان ينصح بغداد باسقاط الكلام الفارغ, واستبداله بخطاب سياسي جدي وواقعي مقبول من الاسرة الدولية, ومنسجم مع شروطها. ونحن في الكويت نتابع ما يتضمنه الاعلام العراقي ونرصده, وعلمتنا التجارب ألا نضيع وقتا في البحث فيه عن بذور لحسن النوايا. علينا جميعا ان نحيي الشيخ محمد بن راشد لصراحته, ووضوحه, ومحبته وحرصه على الكويت وسلامتها ومستقبلها, ونتطلع الى المزيد من الحوارات الواضحة والصريحة, فهي الاسلوب الامثل لإزالة سوء الفهم.