ليس الاشخاص فقط هم الذين يصنعون الاحداث... الاماكن تفعل ذلك ايضا, امثلة ذلك عديدة ولن نتحدث عن الاماكن ذات الاهمية الدينية كالمسجد الاقصى في فلسطين المحتلة والذي بدونه لا يصبح للقدس العربية الاسلامية اي قيمة تذكر.. لكن يكفى الاشارة الى اماكن لعبت دورا حاسما في تشكيل رؤى ومواقف وتحولت الى رموز في حياة الشعوب.. هناك على سبيل المثال (طابا المصرية) مساحتها لا تزيد عن كيلومتر ورغم ذلك تسببت في ازمة مصرية اسرائيلية طويلة وصراع بين الحق العربي والمماطلة الاسرائيلية.. هناك ايضا لواء الاسكندرونة العربي بين سوريا وتركيا, وسبتة ومليلة بين المغرب واسبانيا, وحنيش التي كادت تؤدي لحرب طاحنة بين اليمن وارتيريا.. المغزى هنا ان اي ارض محتلة تتحول في نظر شعبها الى رمز اعلى يتجاوز اهميتها الجغرافية والاقتصادية والعسكرية ليصبح الامر (مسألة كرامة) حتى لو كانت صحراء قاحلة لا زرع فيها ولا ماء.. مجرد تدنيس المحتل لارضها وهوائها هو اهانة بحق كل شخص, وتصبح مقاومة هذا المحتل وطرده منها بكل السبل المتاحة واجباً مقدساً على كل شخص. ومنذ اسبوعين تحدثنا في هذا المكان عن فاروق الشرع وزير الخارجية السوري باعتباره رمزاً نتمنى ان يرد الاعتبار للمفاوض العربي امام العنجهية الصهيونية.. الشرع ذهب الى واشنطن مرتين وفاوض باراك والاسرائيلي كي يعيد الجولان العربية.. يومها تحدثنا عن الشرع كمفاوض واليوم نتحدث عن الجولان كبشر وارض وموارد وكيف تحولت لتصبح محوراً لصراع سوري اسرائيلي منذ 33 عاماً؟ الجولان كما هو معلوم للكافة احتلتها اسرائيل نتيجة لعدوانها الواسع في 5 يونيو 1967 ضمن الاراضي الاخرى التي احتلتها في هذا اليوم المشئوم عربيا حيث سيطرت على كل سيناء المصرية والضفة الغربية في فلسطين المحتلة, واجزاء اخرى من الاراضي الاردنية.. ثم احتلت الجنوب اللبناني عام 1978 وغزت لبنان حتى بيروت عام 1982. عادت سيناء لمصر بموجب اتفاقية كامب ديفيد عام 1978والمعاهدة المصرية الاسرائيلية عام 1979. وكانت طابا هي قطعة الارض الاخيرة التي تم استردادها عام 1989. عادت ايضا الارض الاردنية بموجب اتفاق وادي عربة عام 1994.. واصبح هناك سلطة للحكم الذاتي في فلسطين المحتلة حيث يسيطر الفلسطينيون ادارياً على ما يقارب 40% جزئيا او كاملا لكن الاحتلال الاسرائيلي مازال هو المهيمن وهي عملية يبدو انها لن تشهد تسوية كاملة او سلاما عادلا الا بعد سنوات لا يعلم مداها الا الله. اذن بقي الجولان محتلا وبقيت سوريا هي العقبة الكبرى في وجه تمدد المشروع الصهيوني في وجهه الجديد الذي يتبدل حينا بين العسكرة وحينا بين الهيمنة الاقتصادية وحينا ثالثا دامجاً بين الاثنين كما يفعل الان.. والجولان كإسم مشتق او محرف من كلمة (اجول) اي المكان الذي يغص بالغبار وتجول به الريح, والطريف ان هناك كلمة عبرية هي (جولاني) صارت اسما لاحد اهم ألوية النخبة العسكرية في اسرائيل المكلف بالعمليات الخاصة. والمساحة الاجمالية للجولان تبلغ حوالي 1860 كيلومتراً وهناك تقديرات اخرى تقول 1710 كيلومترات وربما كان الفارق راجعا للمناطق المحتلة وتلك التي عادت للسيادة السورية عام 1974 بعد فض الاشتباك.. وهذا الاقليم يشكل حوالي 1% فقط من المساحة الاجمالية لسوريا.. وهو احد الاماكن السياحية المهمة حيث المناظر الخلابة وشلالات المياه والخضرة التي تكسو الجبال والتلال. موقع الجولان يكاد يشكل القلب لما كان يسمى بالهلال الخصيب او بلاد الشام التي تضم سوريا والعراق ولبنان وفلسطين والاردن.. فهو يوجد في منطقة تتوسط اربعة بلدان منه.. حيث يقع في الجهة الجنوبية الغربية من سوريا, في هضبة ملاصقة للسفوح الجبلية والشرقية لجبل الشيخ (الجبل الابيض) وهي المنطقة التي تسمى ايضا كتلة جبال لبنان, التي تعد امتدادا لسفوح حرمون, حيث التلال التي كانت في الاصل مخروطات بركانية ثم سلاسل جبلية تمتد من القنيطرة حتى الرفيد واعلى قمة هي بير العجم حيث تصل الى 1158 متراً وابرز التلال الموجودة بالجولان هي الشيخ, صدر ابوالعروس واعرار والخنزير والازس وابو الندى. الوديان متعددة وابرزها وادي حلاوة وعين التينة ودمورة والسماق والجلبنية, اما السهول فهي كثيرة ايضا مثل المنصورة وعين زيوان وعلعول وكفر علما وكفر حارب.. وبالنسبة للمناخ فهو متقلب ومتوسط درجة الحرارة 20 درجة مئوية. والجولان يطل على الفرع الادنى من نهر اليرموك جنوبا وجبل الشيخ الذي يفصل سوريا عن لبنان شمالا, ويمتد الجولان جنوبا الى بحيرة طبرية حيث الحدود مع فلسطين المحتلة والى الشرق يتبع وادي الرفاد داخل سوريا, كما يشرف على سهول الحولة والجليل وبالتالي فهو يتحكم بمنابع المياه الغزيرة. والارض الافضل لزراعة الحبوب والخضروات والاشجار, والأحسن لتربية الماشية لغناها بالمراعي الطبيعية الكثيفة اضافة ان 15% من المساحة عبارة عن غابات. ما سبق كان عن الجولان كموقع.. فماذا عنها كبشر؟ قبيل الاحتلال كان عدد سكانها حوالي 150 الف نسمة غالبيتهم من الطائفة الدرزية, وكانوا موزعين على 147 قرية تؤلف بمجموعها محافظة القنيطرة.. يقول السوريون ان الاحتلال هجر ما يقارب النصف مليون مواطن من الجولان, لكن التقديرات الاسرائيلية الغربية تتحدث عن رقم 150 الف فقط.. الان لم يعد فيها من السوريين سوى ما يتراوح بين 15 ــ 20 الف شخص ظلوا يقاومون ببساطة كل اجراءات الاحتلال, ولم يمكنوه من تهويدها وذلك درس اثبت عرب فلسطين صحته وهو ان البقاء في الارض مهما كانت التضحيات هو السبيل الوحيد لاعادتها مهما طال الزمن. وبعد حرب اكتوبر مباشرة ونتيجة لاتفاق فض الاشتباك بين دمشق وتل ابيب عادت القنيطرة الى السيادة السورية اضافة لجيب صغير من الارض, ورفع الاسد العلم السوري على المدينة في 26 يونيو 1974.. ولكنها وجريا على العادة الصهيونية فقد عادت كاطلال او مدينة للاشباح بعد ان دمرها الاسرائيليون كاملة مثلما فعلوا في مستوطنة ياميت في سيناء قبل الانسحاب منها. هذه المدينة القنيطرة التي لا تبعد عن جنوب غرب دمشق سوى 65 كيلومتراً في هذه المدينة المحطمة التي كان لي شرف زيارتها في يوليو 1990, ورؤية البشاعة الصهيونية مجسدة على ارض الواقع لا يسكن فيها الان سوى ستة اشخاص, منهم رجل عجوز وزوجته, اشتريا جهاز تلفزيون على امل ان يسمعا عبره ذات يوم خبرا سعيدا يعيد السيادة السورية للجولان.. هذان الزوجان تحولا الى ما يشبه المحج.. فكل السائحين الذين يقصدون زيارة القنيطرة يذهبان اليهما, ويقدمان لهما المأكل والملبس لكي يواصلا صمودهما في المدينة التي اصرت دمشق كما قال لنا المسئولون خلال الزيارة على بقائها كما هي كي تظل شاهدة على الاجرام الصهيوني. والمسافة بين القنيطرة وبقية الجولان المحتل تحولت الى ما اسماه المعلقون والصحفيون الى وادي الدموع او تل الصيحات حيث لا صوت ليلا الا لصفير الرياح ونهاراً لاصوات الاهالي عبر الميكروفونات المكبرة للصوت الذين يطمئنون على اهلهم في الجانب الاخر. والذين شردهم الاحتلال من الجولان يتوزعون على مختلف المحافظات الجنوبية السورية ودمشق وريفها ودرعا وحمص وبالطبع فان غالبيتهم يقاسون ظروفا عصيبة وينتظرون اليوم الذي يعودون فيه لقراهم ومدنهم.. بل ان احدهم ويدعى سليمان محمود العلي (ابوسليم) وعمره 69 سنة يقول انني اجيء كل فترة الى القنيطرة كي اشم من بعيد رائحة قريتي خوفا من ان افقدها ذات يوم. يجيء النازحون الى تل الصيحات ويبدأون في المناداة على اقربائهم بالجانب الاخر.. وفي الاعلى حيث ابراج المراقبة يجلس الجنود الصهاينة من علٍ بكل غطرسة ويقولون كما نشرت احدى الصحف الاوروبية ــ اننا نستطيع مراقبة السوريين في اي مكان داخل سوريا! وقد يكون ذلك صحيحاً في فترة ما استنادا الى اجهزة التنصت الاسرائيلية المزروعة في هضبة الجولان خاصة في جبل الشيخ وتل ابوالندى ولكن الان ومع التطور في اجهزة التنصت والمراقبة والطائرة بلا طيار والاقمار الصناعية واجهزة الرصد المعقدة لم يعد للعلو الجغرافي قيمة فعلية خاصة بعد ان تجاوزته الصواريخ بعيدة المدى. والسوريون الذين بقوا في الجولان يستحقون كافة اوسمة الشجاعة ولولاهم لربما كانت الامور اكثر صعوبة بالنسبة للمفاوض السوري.. ويكفي على سبيل المثال ان نسبة المعتقلين بالنسبة لعدد السكان هي الاعلى عالميا بالجولان.. فهناك معتقل لكل خمسة مواطنين!.. وفي 14 سبتمبر 1981 قرر الكنيست الصهيوني ضم الجولان لاسرائيل والحاقها اداريا بالمنطقة الشمالية للكيان وتطبيق القوانين الاسرائيلية بها وحاولوا فرض هوياتهم على السكان, لكنهم رفضوا رغم ان قلة حاولت الاندماج مع جلادها.. واستمرت عمليات القمع الاسرائيلية بمختلف الوسائل, ويكفى ان تل ابيب لا تقبل بأي شهادة يحصل عليها السوري ابن الجولان من اي جامعة خارجية خاصة سورية وتجرى لهم اختبارات تأهيل غالبا لا ينجح فيها احد.. وهكذا يضطر السوريون للعمل اما في الزراعة او الاعمال الحرة.. ونموذج (منى) يكفى للدلالة على بشاعة الاحتلال.. ذهبت الى دمشق لدراسة الطب ومات والدها في الجولان ولكي تدخل مرة ثانية تحتاج الى ترخيص عبور لا يتم استخراجه قبل خمس شهور, ولكي تعود الى دمشق كي تستأنف دراستها تحتاج خمس شهور اخرى وهكذا فقدت عاما دراسيا كاملا بسبب مكائد الاحتلال!. ومقابل تهجير اصحاب الارض الاصليين عمدت سلطات الاحتلال الى استيطان المنطقة.. وهكذا اصبح هناك ما يتراوح بين 17 ــ 20 الف مستوطن صهيوني بالمنطقة أي ما يعادل عدد من بقي من السوريين او بعبارة اخرى مستوطن مقابل كل مواطن.. اما الاخطر فهو ان المستوطنات تم تصميمها لكي يتم التحكم في المنافذ والمعابر, معظم هذه المستوطنات ايضا يسير في اتجاه مواز لبحيرة طبرية وجبل الشيخ الذي تطلق عليه تل ابيب مسمى (جبل حرمون) . هؤلاء المستوطنون اكثر برجماتية من نظراتهم في الضفة الغربية لكنهم لا يعدمون الوقاحة والصفاقة ففي استطلاع للرأي حول الانسحاب من الجولان قال بعضهم ان هذا الانسحاب يعتبر خيانة اما الاحتلال فهو (حفظ للامانة) ! ووزع المستوطنون ربع مليون شريط فيديو لبث الحماس في نفوس غير المبالين بالانسحاب داخل اسرائيل. عدم تدين غالبية مستوطني الجولان هو الذي يدفعهم للمطالبة بزيادة المبلغ المرصود لتعويضهم عن الانسحاب وتفكيك مستوطناتهم.. لكن هذا المبلغ هل يبدأ بعشرة مليارات دولار كما نشر من قبل ام يصل الى مئة مليار دولار كما المحت تل ابيب بحيث يشمل تزويد اسرائيل باحدث انواع الاسلحة؟ يتحدثون عن تعويض المستوطنين اللصوص واسرائيل لكن لا احد يتحدث عن تعويض النازحين الذين اجبروا على مغادرة ارضهم! لدرجة دفعت احد المعلقين العرب للقول ان تزويد اسرائيل بهذه الاسلحة في ظل تسوية مع سوريا اخطر من عدم حصولها على الاسلحة بدون تسوية ووجهة نظره مفادها: اذا كانت تل ابيب تمارس سياسة البلطجة وهي مسلحة نوويا الان فماذا ستفعل بنا كعرب عندما تحصل على اسلحة نوعية اخرى واكثر تقدما؟! والان وبعد الحديث عن الموقع والجغرافيا والبشر والاستيطان ماذا عن المياه الرقم الصعب في عودة الجولان للسيادة السورية؟ المياه هي كلمة السر الكبرى في تأخير التسوية مدة طويلة, فاذا كانت سوريا مهتمة اساسا بتحرير الجولان باعتباره عنوانا لسيادتها, فان اسرائيل التي اكتشفت في السنوات الاخيرة ان الاهمية الاستراتيجية لهذه الهضبة تضاءلت كثيرا, تدرك قبل غيرها ان الجولان تمدها بحوالي 22% من استهلاكها من المياه.. وهي كما نعلم لا تكتفى بسرقة مياه الجولان فقط فهناك حوالي 67% من استهلاكها يأتي اساسا من خارج مناطق 1948.. وتأخذ حوالي 35% من مياه الضفة وروافد الاردن, ناهيك عن سرقتها للمياه والتربة اللبنانية. ولان الجولان يحتوي 80 نبعاً تضخ مئات الليترات من المياه في الثانية الواحدة, وهطول الامطار عليه غزيرة ويضم بحيرة مسعدة التي تختزن ثلاثة ملايين متر مكعب.. فانه صار البقرة الحلوب التي تريد اسرائيل ان تروي منها عطشها, واذا ادركنا ان السيطرة على الجولان تعني السيطرة على مصادر مياه رافدي الاردن والحاصباني وبانياس, والتحكم تماما ببحيرة طبرية ونصف شواطئ اليرموك لعرفنا لماذا ستتحول مياه الجولان الى الرقم الصعب في المفاوضات الدائرة الان. ويقال دائما ان الحرب المقبلة بالمنطقة قد تكون بسبب المياه وهذا صحيح الى حد كبير, فالوضع المائي في منطقة الشام باكملها سيء وفي فلسطين المحتلة سيء جدا والسبب قلة الموارد اولا والجفاف ثانيا, مما ادى لزيادة ضخ المياه من الابار وبالتالي زيادة ملوحة المياه, والنتيجة ان كل المزارع قرب اودية البحر المتوسط اصيبت بالجفاف, وخلافا لهذا الوضع فان الجولان الغنية بالموارد المائية مما يسمح بقيام المشروعات الزراعية الكبيرة ذات المحاصيل الوفيرة تعتبر الاقل معاناة من المشكلة وبالتالي فانه من يسيطر عليها يضمن (الامن المائي) الذي صار اخطر من الامن العسكري والاقتصادي, وليس غريبا في هذا الصدد ما ذكره الكاتب المتميز محمد حسنين هيكل في حوار شهير مع مجلة المصور المصرية منشور يوم 13 مارس 1998 بان اسرائيل اقترحت خلال المفاوضات الاولى مع سوريا ان تعيد الجولان للسيادة السورية نظريا على ان تحصل هي على حق امتياز المنطقة لمدة 99 عاما والسبب كما يقول هيكل هو الحصول على 1.8 مليار متر مكعب تسرقها سنويا من الهضبة. ومشكلة المياه تلك خاصة سؤال من يملك ان يضع قدميه في مياه بحيرة طبرية, هي التي اثارت مسألة ترسيم الحدود في اي اتفاقية تسوية مقبلة بين سوريا واسرائيل, ولم يكن كثيرون يدركون سر الاصرار الاسرائيلي على الانسحاب لحدود 1923 والاصرار السوري المقابل على حدود 4 يونيو 1967. وأصل القصة انه قبل احتلال اسرائيل للجولان يوم الخامس من يونيو 1967 كانت القوات السورية تسيطر على القسم الشمالي لبحيرة طبرية وينابيع نهر بانياس شمالا وجيب نهر اليرموك والحمة جنوبا والشاطئ الشرقي لنهر الاردن.. هذه المنطقة تشمل 20 كيلومترا في المنطقة المنزوعة السلاح, معظم هذه المناطق استولت عليها القوات السورية قبيل توقيع اتفاق الهدنة مع اسرائيل عام 1949.. اما الاصرار الاسرائيلي على حدود 1923 فيرجع الى ان بريطانيا وفرنسا وهما تقسمان مناطق النفوذ بينهما وعبر ضغط صهيوني من المندوب السامي البريطاني الصهيوني هربرت صامويل فقد تمكنت لندن من اقناع باريس بالتخلي عن هذه المناطق السورية ليس لمصلحة فلسطين المحتلة او حتى للمصلحة البريطانية ولكن تحسبا ليوم كان الصهاينة يعدون له وهو الاستيلاء على كل فلسطين.. دليل ذلك ان خط التقسيم لعام 1923 جاء متعرجا بشكل غير طبيعي لكي تقع كل خطوط مجرى المياه غربا باتجاه فلسطين والنتيجة الرئيسية لهذا التقسيم التعسفي هي تمزيق اراضي 22 قرية من قضاء صفد. والفارق بين حدود 23, 67 قد لا يزيد عن 60 كيلومتراً تبدو للبعض لا قيمة لها.. لكن المشكلة ان هذه الكيلومترات القليلة تحتوي على كنز المياه المدفون في الجولان, وتريد تل ابيب الاحتفاظ ببحيرة طبريا مقابل اعطاء سوريا اراضي قرب نبع نهر بانياس, لكن دمشق تؤكد مرارا انها تسمح بذلك مقابل التوصل الى اتفاقيات بشأن المياه لكن بعد اقرار سيادتها على الجولان طبقا لحدود 1967. اغلب الظن ومن قراءة لمضمون ما تسرب ونشر عن جولتي المفاوضات اللتين جرتا مع مدينة الرعاة الامريكية او (شيبردز تاون) يمكن القول انه رغم تأجيل انعقاد الجولة الثالثة الا ان التسوية بين دمشق وتل ابيب شبه جاهزة باستثناء حسم مسألة خط ترسيم الحدود, وهل هو خط 1923 ام خط 1967, وهو ما يعني ان الصراع في التسوية حول المياه ايضا بعد اعتراف كبار جنرالات اسرائيل بأن الانسحاب من الهضبة لا يعتبر انتحارا عسكرياً.. وفي كل الاحوال سوف تستمر اسرائيل في حيلها واساليبها الملتوية خلال المفاوضات ولن نستغرب اذا طلبت مثلا ابعاد القوات السورية عن حدود الجولان بحيث تتمركز داخل الاراضي العراقية!! او تطلب محطة انذار مبكر تشارك في ادارتها بجبل الشيخ, كل ذلك وارد.. لكن الرهان الكبير بالنسبة لنا كعرب هو استمرار صمود المفاوض السوري وعدم تخليه قيد انملة عن ذرة تراب واحدة من الجولان ناهيك عن قطرة الماء.