تقترب الجزائر من تسوية ازمتها الامنية بعد ان لقي قانون الوئام المدني صدى ايجابيا عند الجماعات المسلحة التي استبشرت منه رغبة الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الصفح عنها ونيته في ادماجها في المجتمع الجزائري مجددا.. وهذا ما أكدته الايام الماضية عندما سلم الآلاف من حاملي السلام المتواجدين بالجبال الجزائرية انفسهم الى السلطات العسكرية للاستفادة من العفو الرئاسي الذي منحه لها الرئيس بوتفليقة, وبذلك يكون الرئيس وفق الى حد بعيد في تفكيك المعضلة الامنية, بتسوية ملف الجماعات المسلحة بالطرق القانونية السلمية من دون استعمال السلاح لمواجهتها كما كان الحال عليه السنوات الماضية, الا ان استفتاء الشعب على قانون الوئام المدني بأغلبية كبيرة, اعطى الرئيس الجزائري الشرعية الشعبية والقانونية لاستعمال الوسائل السلمية والقسرية اذا رفضت تلك الجماعات الاستجابة لمبادرة الرئيس السلمية.. وعلى الرغم من ان المدة المحددة لها (13 يناير) لتسليم سلاحها انتهت فان الجيش الجزائري لن يتأخر في شن هجوم نهائي من اجل اغلاق هذا الملف نهائيا لأن عملا كثيرا ينتظر الرئيس في المرحلة المقبلة كدراسة ملفات شائكة تراكمت على مر السنين على رأسها الملف الاقتصادي والاجتماعي اللذان لا يقلان اهمية وربما يتجاوزان حجم اهمية الملفان الامني بحكم ان الجزائر تراجع اداؤها الاقتصادي وتوقفت مركباتها الصناعية الكبيرة عن العمل بسبب افتقادها لقطع الغيار وقدم آلاتها التي لم يجر استبدالها منذ السبعينيات بالاضافة الى ذلك تفاقمت البطالة وارتفعت نسبة التضخم, وجرى تسريح الآلاف من العمال استجابة لمطالب صندوق النقد الدولي بهدف انعاش الاقتصاد. وامام جميع هذه المتناقضات المتراكمة منذ عشرية من الزمن, حصد الارهاب 100 الف قتيل اغلبهم من المدنيين العزل.. وتعرف الرئيس الجزائري ان تسوية هذه المشكلات المعقدة يعتبر من المستحيلات لأن حلها جميعا مرهون بتوافر ارادة كبيرة من الشعب الجزائري وايجاد سيولات مالية كبيرة ايضا لمعالجة الخلل في البنية الاقتصادية, كما ان الشعب الجزائري الذي التف حول الرئيس لا يزال متعبا نفسيا من ظاهرة الارهاب وغير مستعد ان يعيش تحت مستواه الاقتصادي والاجتماعي الراهن, كما ان توافر سيولات مالية اضافية مرهون باستجابة الدول الشقيقة والصديقة لمطالب وحاجيات الجزائر العاجلة, كما ان توافرها مرتبط ايضا باسعار النفط في السوق النفطية, وعلى هذا الاساس بذلت الجزائر جهودا مضنية لحث دول (الاوبك) تخفيض انتاجها من اجل السماح للاسعار بالعودة الى السعر الذي يرضي الدول الاعضاء, ووجدت الجزائر استجابة ايجابية من بعض الدول الاعضاء على رأسها دولة الامارات العربية المتحدة التي بذل وزير نفطها معالي عبيد بن سيف الناصري جهودا كبيرة في آخر اجتماع عقده الاعضاء وكلل باصدار بيان عبر الاعضاء فيه عن التزامهم بتخفيض سقف الانتاج الحالي بـ 2,1 مليون برميل يوميا, لتعرف الاسعار ارتفاعا يمكن ان يسد خلل ميزانيات الدول المتضررة من انخفاض الاسعار الاعوام الماضية.. ولكن يتبقى على الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة كيفية مواجهة جميع التحديات الداخلية, على المستويات الامنية والاقتصادية والاجتماعية بعقلانية وصبر طويل بالاعتماد على حكومة احمد بن بيتور التكنوقراطية التي لقيت قبول ورضى الشعب ويتوجب عليها الاسراع في تسوية ملف ما تبقى من الجماعات المسلحة التي لا تزال تنشط في الجبال والمناطق الوعرة مع فتح قناة الحوار مع اعضاء الجبهة الاسلامية المنحلة غير ملطخة اياديها بالدماء, الا ان الملاحظ من تصريحات بعض اعضاء هذا الحزب المتناقضة, ان هذا الحزب يرغب في العودة الى الحياة السياسية بالتزامه احترام الدستور وقوانين الدولة الجزائرية لكن بعد ان يتم اطلاق قادة الحزب المحلول الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج, وترفض السلطات الجزائرية طلب الحزب المحلول بالافراج عن قادته الا بعد ان يعتذر هؤلاء القادة عن الاعمال الاجرامية التي اقترفوها في حق الشعب الجزائري وتسببهم في خراب الاقتصاد الجزائري وتشويه سمعة الجزائر الدولية ــ ويظهر من تصريحات الرئيس الجزائري التي تلت الاستفتاء الشعبي قوله ان ملف الجبهة الاسلامية للانقاذ طوي نهائيا ولن يسمح لها بالنشاط السياسي مجددا بمعنى ان اهتمامه سينصب على معالجة مشكلات الشعب العاجلة بعد ان اعطاه هذا الاخير الضوء الاخضر لاتخاذ اي قرار يهم مصلحة الشعب حسب الاستفتاء الاخير, ولكن هل بمقدور الحكومة الجديدة حل عقدة المعضلة الاقتصادية والاجتماعية الى وعد بوتفليقة الشعب بتخفيف اعبائها؟ للحقيقة ورث عبدالعزيز بوتفليقة تركة ثقيلة من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية من الصعب تسويتها كلها في مدة قصيرة, وكان الرئيس الجزائري واضحا بتصريحه للشعب الجزائري على ان خزانة الدولة فارغة, وانه لا يملك خاتم سليمان الذي يمكنه من احداث معجزة في بلد عايش الدمار والخراب على مختلف الاصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية ووجهت اصابع الاتهام مباشرة الى الرئيس الاسبق الشاذلي بن جديد وحمله مسئولية تدهور الوضع الداخلي, الا انه صرح بأنه سيبذل جهده في تخفيف العبء الاقتصادي والاجتماعي لكن باشراك الشعب في عملية التنمية, ويتطلب ذلك تحريك الدبلوماسية الجزائرية لكي تعمل على اقناع الشركاء الاوروبيين والعرب بضرورة الاستثمار في الجزائر وذلك بتوفير الاستقرار الامني والمنظومة القانونية لهم يشاركوا في عملية التنمية الوطنية.. ويقود الرئيس الجزائري الحملة الدبلوماسية حيث ابتدأها مبكرا بشرحه الوضع الجزائري الداخلي للعديد من الشخصيات الدولية الذين ابدوا ارتياحا واستعدادا بمساعدة الجزائر اقتصاديا وماليا خصوصا بعد ان قال الشعب الجزائري كلمته حول مشروع قانون الوئام المدني الذي رحبت به العديد من العواصم الاوروبية والعربية, وكانت دول الاتحاد الاوروبي سباقة في اعلانها عن رغبتها في تقديم مساعدات عاجلة للجزائرفي الاسابيع القليلة المقبلة, عن طريق البنك الاوروبي للاستثمار وذلك في اطار الشراكة الاوروبية ــ المتوسطة التي تعتبر الجزائر فاعلا فيه, حيث شاركت في جميع ندواته ومؤتمراته كمؤتمر برشلونه الاخير.. ويعول الرئيس الجزائري في المقام الاول على الدول العربية الخليجية, لمساعدته في انجاح مشروعه الاقتصادي والاجتماعي ولقي ترحيبا كبيرا في مسعاه الخارجي ــ مما يبشر بقرب تعافي الجزائر وعودتها الى البيت العربي للمشاركة في احداثه ولمواجهة التحديات الدولية الجديدة التي تواجه الامة العربية, وتؤمن الدول العربية بالدور الذي يمكن ان تلعبه الجزائر اقليميا, ودوليا لأنها تمتلك خبرة دبلوماسية دولية في معالجة ملفات ساخنة عجزت قوى كبرى في معالجتها كقضية الرهائن الامريكيين الذين احتجزوا في السفارة الايرانية عام 1979 مثلا ــ كما ان الجزائز لاتزال تتمتع بثقل عربي اقليمي يدعم جهود العرب في استرداد حقوقهم المهضومة في فلسطين ولبنان وسوريا, وفي منطقة الخليج العربية (الجزر الاماراتية الثلاث المحتلة من قبل ايران). ونعتقد ان النظام الجزائري وجد آليات للخروج من المرحلة الانتقالية الصعبة والمضطربة كما وان الايام المقبلة تحمل الكثير من اسباب التفاؤل بعودة الوئام والسلم لهذا الشعب العربي الاصيل الذي عانى الكثير ايام الاستعمار الفرنسي. * باحث في العلاقات الدولية