طرحت الازمة الجزائرية منذ تصاعدت بعد انتخابات بلديات 91, مسألة العلاقة بين المؤسسة العسكرية الجزائرية ورئاسة الجمهورية كقضية حساسة وملمحا من ملامح الازمة.فمنذ اول لحظة لم يقدم الجيش الجزائري على الاطاحة بالمؤسسة السياسية وشكل الحكم التعددي الوليد منقضا على السلطة من خلال انقلاب عسكري سافر فلقد كانت احداث 88 في مقدمة المشهد مؤكدة على ان استمرار نهج الشمولية يشكل جوهر المخاطر واستبدال الشمولية السياسية بصيغة عسكرية لم يكن منذ بداية الاحداث تقل عن كارثة. ومن المفروغ منه ان الحياة السياسية الوليدة والتي اضفى عليها تصاعد نجم الانقاذ تشوها مثاليا ما كان لها ان تطرح امام العسكريين الجزائريين صيغة تركية الطابع او حتى شيئا منها على سبيل المثال, بل طرحت على الفور وعلى رأس الاجندة صيغة التجنيد الكامل والاستثنائي للدولة الجزائرية في الحرب ضد الارهاب. لقد بلور التناقض صيغته الخاصة جزائرية الطابع استمرار الحكم الرئاسي شبه العسكري مجرجرا احزابه او اتجاهاته السياسية المتقزمة بين رجلين (ماعدا الانقاذ بالطبع), وتحت حراسه حراب العسكريين. وصارت قضية من هو الرئيس؟ نقطة ضعف خاصة وبعد ان اثار تساهل الشاذلي بن جديد تجاه السياسيين التقليديين في جبهة التحرير لدى الجيش اتجهت انظار (بن نزار) ورفاقه على الفور لقدامى المتحاربين البعيدين نسبيا عن انقسامات وصراعات النخبة الجزائرية الشمولية والذين حتى اذا بلوروا انحيازات ما لن يجدوا على الاقل الادوات والوسائل القادرة على حسم التوجه. وقد كان بالفعل وتعاقب بوضياف وعلي كافى على سدة دولة تحولت الى هيئة اركان حرب تخوض معركة حياة او موت مع الارهاب ولكن مع احتدام الوطيس كان يتضح رويدا رويدا ان مشاكل هذه الصيغة لا تقل خطرا وان استمرارها في نهاية الامر مرهون بالاعداد المحدودة جدا من الرديف القديم والقادرة على توفير متواليات هذه الصيغة شديدة القسوة والتي لا تقل عن لعنة فراعنة جزائرية قادرة على نسف التاريخ السياسي لاصحابها. ولكن مع وصول صراع الارادات بين العسكر والارهابيين الى جدار مسدود يحتاج الى احداث نقلة نوعية سياسية في مباراة الصراع قادر على زحزحته والسماح بلي الاذرع المطلوب, لم تلبي صيغة (افضل الجنرالات) هذا المطلب رغم ان زروال والحق يقال تفوق على نفسه وانضم الى قائمة شرف عبده ضيوف ومانديلا وسوار الذهب متخليا طواعية عن الاستمرار في أداء هذه المهمة التي بدا له ولرفاقه على ما يبدو ايضا انها مستحيلة رغم كل حسن نوايا (قانون الرحمة) . فلقد كان واضحا امام اطراف معسكر الانقاذيين ان الرحمة ليست سوى الاستسلام امام الجنرالات وعلى احسن تقدير ليست سوى هدنة يبحث عنها جيش نظامي ارهقته حرب العصابات. ومن زوايا اخرى فان زروال الذي كان رئيس هيئة اركان الدولة التي ادارت الصراع مع الانقاذيين مباشرة.. كان ايضا رجل الجيش السافر امام النخبة السياسية التقليدية في الجزائر.. ورغم كل هدوء الرجل واقرانه فان هذه الحقيقة كانت نقطة ضعف واضحة في صيغة (افضل الجنرالات) وايضا لم يكن زروال امام الخارج سوى جنرال يدير معركته مع الخصوم. اختيار بوتفليقة ومن هنا فان اختيار بوتفليقة من جانب الاغلبية الواسعة في صفوف النخبة الجزائرية التقليدية بشقيها السياسي والعسكري كان اختيارا ضروريا من جميع النواحي ولكن هذه (الضرورية) اضفت طابعا حساسا على العلاقة مع الرئيس الجديد المعروف عنه للعامة والخاصة صعوبة المراس وهو الرجل الذي رفض الترشيح في 94 الا بشرط الصلاحيات الكاملة التي رفضها العسكريون بصورة قاطعة في ذروة احتدام المعارك ورغم ان 99 ليست 94, وان مياه كثيرة جرت او بالاحرى دماء بعد ان فقد الشعب الجزائري قرابة الــ 100 الف ضحية.. الا ان خطوطا حمراء كانت واضحة امام الرئيس الجزائري فلا تنازل امام الانقاذ والموقف من الشاذلي شديد الوضوح.. ولاصلاحيات كاملة.. ونهاية بوضياف خير شاهد ويبدو ان بوتفليقة راهن على ان 99 ليست 1994م.. وانه بالتالي يستطيع طرح خطه الأحمر الفاقع: لا استمرار للمعارك بالصورة القديمة او التي صارت كذلك. ونجح بوتفليقة خلال عدة شهور, في اعادة رسم للصورة التي تبدو بها الازمة الجزائرية, بل وفي تغيير ملامحها الرئيسية بالقطعية التي كانت تبدو بها قبل اعمال ريشة هذا السياسي المتمرس. لم يقض على الارهاب بوتفليقة ولا ادعى ذلك, ولكنه نجح في حشد الامة لا الجيش ضد الارهاب بصورة غير مسبوقة ونجح في بث الامل في النفوس المتعبة والايحاء بقرب انتهاء الكارثة رغم استمرار العمليات والاهم انه نجح في الوصول بهذا البث الى خارج الحدود فلم تعد الجزائر غارقة حتى الاذان وبصورة يائسة في ازمة طاحنة ليس لها علاج بل صارت بلدا تعاني من مشاكل ولكنها قادرة على استضافة دورة منظمة الوحدة الافريقية, وقادرة على ان تدلي بدلوها في التسوية مع الدولة العبرية بغض النظر عن التفاصيل. لم يعد العطف هو الذي يحيط بالرئيس الجزائري كما كانت الصورة ايام الرئيس المتنحى, بل التعاطف مع رئيس يبدو انه يعرف ماذا يفعل بصورة شديدة الوضوح. صيغة (الوئام المدني) رغم انها لا تخرج من جوهرها عن (مؤتمر روما) او قانون الرحمة او حتى عن الجهود التي باشرها علي كافي في اعقاب اغتيال بوضياف في الحوار مع قادة الانقاذ في السجون. ولكن (وئام) بوتفليقة يختلف في سياقه ومنطقه في طريقة عرضه على الخصوم. يبتعد بصورة لا يستطيع ان ينكرها احد عن طلب الاستسلام السابق في حرب مازالت جارية ولا يبدو ان هناك شيئا ما سواها تمحورت وتمرست آلة الدولة الجزائرية حول صيغتها لتتحول الى مجرد هيئة اركان عسكرية لا اكثر ولا أقل ولكن قوة وئام بوتفليقة تكمن قبل اي شيء ايضا في توقيته وفي ارتكازه على انجازات عسكرية سابقة.. فما صار يقبله الانقاذيون الان وما صارت الــ GIA تساوم حول عناصره ومفرداته كان شيئاً مرفوضا تماما في السابق ورجسا من عمل الشيطان. يتحرك بوتفليقة الان بجرأة ووضوح رؤية غير مسبوق مدركا ان حرب النظام ضد الارهاب لم تكن حرثا في بحر وان الدماء لم تذهب هدرا واذا كانت الحرب لم تقض على الارهاب فان قوى الجميع صارت شديدة الانهاك ويبدو ان هذه الحقيقة لم تكن غائبة عن عين بوتفليقة الذي قبل ترشيحا (مموها) كان يرفضه منذ خمس سنوات الصراع وايضا دون الصلاحيات الكاملة كما اشارت معركة: ارجاء تشكيل الحكومة وغيرها. ويبدو ان هذه النقطة تشكل جوهر الرهان البوتفليقي, فحاملوا السلاح جميعهم اصطدموا بما لا تستطيعه زخات الكلاشينكوفات ورغم كل المحاولات فان مركب الرئيس زروال ما كان لها الا ان تتوقف امامه. واذا كانت الحرب امتداداً للسياسة بوسائل اخرى وفقا للجنرال كلاوزفيتز حقيقة ليست غائبة عن ذهن السياسي المخضرم, الذي لا يغيب عنه ايضا ان هذه الحقيقة كانت دستور جنرالاته طوال السنوات الماضية الا ان ما يبدو واضحا وجليا اكثر من غيره في تقديرات الرئيس الجديد ان السياسة ليست استمرارا للحرب بوسائل اخرى كما يتوهم الجنرالات ويحصرون تفكيرهم فيه. فبوتفليقة الذي سارع بالتقاط طرف الخيط ووافق على الترشيح لا يبدو من خطواته اللاحقة انه يفكر على هذا النحو المبسط, فهو يدرك بوضوح ان الخروج من الورطة لا يستلزمه فقط كما قد يفكر جنرال مجرد توريط الطرف الاخر في اصوله السياسية.. بل يستلزمه افق اوسع يربط بين الخروج من المعركة العسكرية والخروج من حالة سياسية واجتماعية واقتصادية بل وفكرية كاملة صارت عليها جزائر الازمة. ولا جدال في ان الرجل نجح في حشد الجزائر حول الوئام المدني, ونشدان السلم الاهلي محاصرا المنطق الاستئصالي الذي كان سائدا والذي كان لا يستفيد منه سوى غلاة العسكر ومعهم ابوحمزة والزواربى على حساب مصالح الشعب. المعركة الان في الجزائر لم تعد ضد الانقاذ ولا ضد جيش الانقاذ بعد الاستجابة لقانون الوئام بل ضد الارهاب, لم يقدم رئيس الجزائر ولا فكر في ذلك ادنى تنازل سياسي امام الخصوم على ما يتحسس العسكر المصابين برجفة (ارتكارية) من ممارسات الشاذلي بن جديد بل نجح في تقديم جيش المدني بوزراق طليعة معركة لجيش الجزائر المجهد من اجل استمرار تصفية الحساب مع جيوب ابوحمزة. ولعل دفعة لغلاة العسكريين انفسهم في ادارة التفاوض مع الانقاذ.. لم يكن فقط بفرض اطمئنانهم على سلامة نواياه وطمأنتهم تماما على المسألة تسير على هواهم بل ايضا محاولة لغسل اياديهم من الدماء امام الشعب الجزائري ونجاح بوتفليقة في التعبئة من اجل الوئام.. يساوي في اللحظة نفسها نجاح في التعبئة ضد حالة الاستقطاب السياسي التي كانت صارخة اثناء معركة الرئاسة, نتيجته الواضحة الان هو عمل الجميع ضد الازمة وحث الجميع على ان يكون الخروج منها شغلا شاغلا لا ان تكون مصدرا لتنامي النزعات السياسية الحزبية التي لا تقل ضيقا في الافق في هذه اللحظة عن منظورات الجنرالات. صار الرئيس الجديد الان عنصر التقاء بين العناصر البومدينية وفعاليات زمن الشاذلي وايضا غلاة العسكريين. حافظ من اجل تحقيق خطته ومازال على (شعرة معاوية) مع جنرالاته لم يتسرع بالافراج عن قادة الانقاذ.. ولا ادار التفاوض من وراء ظهرهم وارجأ تشكيل الحكومة على امل اقصى اقناع. لقد تعاون بوتفليقة بوضوح مع الجيش, ولكن بطريقته الخاصة فهو ليس الأمين زروال.. ويسير على اخراج الجزائر مع الازمة ضد المنطق الاستئصالي بعيدا عن حدة مزاج بومضياف. ولكن تتبقى المسألة الاكثر اهمية والتي لا تغيب عن انظاره وهي قدرة الاقتصاد الجزائري على الاستجابة لتوفير الاجواء المناسبة لاستكمال التجاوز, خصوصا وان الازمة اصلا جراء ممارسات كثيرة من الفساد الاداري والاقتصادي تفاعلت مع آلية تدخل الدولة في الانتاج وتغذت على الثروة النفطية. ونقطة ضعف الجهود الراهنة, مازالت تكمن في المسألة الاقتصادية القادرة وحدها على توفير التجفيف الراسخ لمنابع الارهاب وقدر المحاولة الراهنة للخروج من الازمة اصطدامها بلحظة عالمية في التطور الاقتصادي لا تساعد احدا في العالم الثالث على الخروج من ازمة بل تدفع الاقتصاديات الراسخة نسبيا الى الازمات ولعل في الازمة الاسيوية وتداعياتها وازمة اسعار البترول الصاعدة والهابطة بلا توازن.. باعتباره مخرج جزائري رئيسي ما لا يدعوا الى التفاؤل بسهولة. خصوصا وان برنامج الخصخصة الجزائري يعرض قرابة النصف مليون عامل للطرد من وظائفهم تحت ضغوط صندوق النقد الدولي وعلى الاخص ان الخصخصة الجارية اصلا لا تساعد على اي التئامات اجتماعية بل دفعت بالفقر في وجه اغلبية الشعوب وصارت مدن كثيرة في العالم الثالث الان محاصرة بمدن صفيح السبعينيات في اجواء استيراد وتصدير وعربات فارهة ومطاعم تلتهم الوجبة فيها ربع راتب مهني وليس صدفة ان العام 2000 صار عام محاصرة الفقر لدى البنك الدولي. ان خطة بوتفليقة تتعرض قبل اي شيء لهذا المحك الذي يهدد بصورة واضحة بتحويل نتائجها ضد الارهاب لمجرد هدنة طويلة في حرب ستعرف طريقها للتواصل من جديد. والامل الوحيد لدى الشعب الجزائري الشقيق في تجاوز محنته بصورة جذرية هو القدرة على الحاق الهزيمة بالفساد الذي كان سببا رئيسيا في الموجة الارهابية ومازال استمراره قادرا على الاستقطاب من جديد لصالح موجات اشد ضراوة تهدد بتهميش الجزائر. صحفي مصري