يعاني السودان من فراغ سياسي واضح يندر حدوثه, ويصعب استمراره لفترة طويلة في ظل ظروف اخرى او في بلدان اخرى غير السودان, فالنظام والمعارضة في حالة ضعف وعدم فعالية خلال العامين الماضيين على الاقل, بمعنى ان كل طرف عجز عن فرض تصوره على الاخر اي هزيمته. وظل الوضع في حالة ثبات وسكون او عجز ذاتي للطرفين رغم كل التحركات الظاهرية التي لم تمس جوهر القضية لدى كل طرف في النزاع, وهي عودة الديمقراطية وتفكيك النظام من جهة المعارضة ممثلة في التجمع الوطني الديمقراطي, او في معسكر الحكم قبول الدستور وقانون التوالي وقرارات العفو ثم العودة, كما يعلن النظام باستمرار, وفي هذا الاثناء تصاعدالخلاف بين اجنحة النظام بسبب هذا العجز نفسه وعدم التقدم في اتجاه حسم قضايا الوفاق ووقف الحرب, ورغم ان الصراع حول السلطة ولكن السؤال ماذا سيفعل اي جناح بالسلطة التي يفوز بها؟ من اهم ملامح هذا الوضع السياسي الشاذ, وبعد تفجر الصراع واصدار البشير لقرارات 12 ديسمبر 1999 التي مثلت له انتصارا شبه حاسم في الجولة الاولى, يمكن القول ان النظام فقد نظريا السلطة السياسية القابضة والجامعة بسبب انقسام الولاءات والتكتل, لذلك يعيش السودان دون سلطة فقد افلتت من يد النظام وما زيادة انفتاحه الا الدليل على ذلك وفي الوقت نفسه فان الاشتباك مع الاتحاديين في احتفالات الاستقلال محاولة لاثبات ان السلطة بقمعها مازالت قوية وقادرة, فالنظام يتصرف ليس ثقة في قدرته حين يتجول الفريق البشير بعد ايام من اعلان حالة الطوارىء او حين يعفي الوزراء والحكام الاقليميين من مناصبهم ويتأخر التشكيل الوزاري, ولكن لان المعارضة غائبة تماما ومن سوء حظ السودان وحسن حظ النظام ان صراع الاجنحة جاء والمعارضة في أسوأ حالاتها فقد كانت اثار لقاء جيبوتي تتفاعل سلبا وتتسبب في توتر علاقات فصائل التجمع المختلفة وبعدها لم يصل اجتماع كمبالا الى بيان ختامي متفق عليه ثم جاءت قرارات البشير والتجمع يصارع نفسه وليس النظام. ضمن هذا الوضع تكرر تساؤل هام: اين الشارع السوداني؟ وهل نجح النظام في تغييب الجماهير تماما؟ وهنا تبرز مشكلة التجمع المحورية اذ لم يستطع طوال اكثر من عشر سنوات تفعيل العمل في الداخل بسبب الصوت العالي لتجمع الخارج والذي حقق نجاحات لايمكن انكارها خلال السنوات الخمس الاولى بسبب طبيعة العمل خلال تلك الفترة والمتمثلة في عزل النظام اقليميا ودوليا ثم كشف ممارسات النظام المتعلقة بانتهاكات حقوق الانسان, ورغم الحديث بأن تجمع الداخل هو الاصل والخارج هو فرع للداخل, الا ان الداخل لم يمكن من العمل بفعالية اذ كان يعوذه دعم الخارج بالذات المادي, ويبدو ان التطورات الاخيرة وبالذات مع ازدياد التوجه نحو الحل السلمي الشامل وتناقص العمل العسكري, قد ساهمت في تنشيط دور تجمع الداخل, وخلال الاسبوع الماضي قامت سكرتارية التجمع الوطني الديمقراطي بالداخل بمبادرة لتوحيد وتفعيل عمل التجمع في الخارج, وهي تعني من ذلك وقف اي تأثيرات سالبة قد تنعكس على عمل الداخل بسبب خلافات الخارج. يلاحظ مما تقدم ان التجمع في الداخل حريص على وحدة الهدف والصف معا ويرجع ذلك الى انهم في الداخل يعيشون الواقع يوميا ويعلمون استحالة التغيير بدون الوحدة, اما في الخارج فالناس تصيبهم امراض معارضات خارج الوطن ويعتمدون على تهويمات وتخيلات لاتكون موجودة في كثير من الاحيان وهنا تظهر نظرية المؤامرة اذ يتحدث حزب الامة باستمرار عن تدخل خارجي يؤثر على بعض قرارات حلفائه بالذات من القوى الحديثة في التجمع وهؤلاء بدورهم يقولون بوجود اتفاق ثنائي سري بين النظام وحزب الامة, تجلى في لقاء جنيف واتفاق جيبوتي وبالطبع لايمكن للتجمع ان يعمل دون بناء ثقة بين اطرافه وهذه العقدة التي يستوجب على وفد تجمع الداخل ان يحلها ليس بقصد تفعيل التجمع فقط, ولكن لضمان استمرار الديمقراطية الرابعة دون العداء التقليدي بين حزب الامة والقوى الحديثة والذي يتعمق ولايضعف بسبب المواقف المتبادلة فالمهدي وحزبه مازالوا يعيشون خطر الحرب الباردة والتي انتهت في كل العالم الا السودان والقوى الحديثة تتعامل مع حزب الامة اول مارس 1954, وكان من نتيجة هذه العلاقة الملتبسة ان حزب الامة في الخارج وفي كل خطواته يهتم بوحدة الهدف وليس وحدة الصف, ويظهر ذلك جليا في تفسيره او تبريره لاتفاق جيبوتي, اذ يتحدث بأن مضمون الاتفاق يهدف الى تفكيك النظام في النهاية, ويهمل الكيفية ـ وهي فردية ـ التي تم بها الوصول الى الاتفاق نفسه, يضاف الى ذلك تركيز حزب الامة على مسألة الوزن والتي يقيسها حسب نتائج انتخابات عام 1986 وماقبلها, وهذا يجعله يقلل من دينامية تنظيمات صغيرة في العمل المعارض والذي لايحتاج بالضرورة الى اعداد كبيرة في كل المراحل. في سبيل اعداد بديل للنظام الحالي ومن تجاوز الوضع القائم بكل فراغه وشلله لابد من ان يستوعب التجمع كل الطاقات الديمقراطية في المجتمع السوداني التي تؤمن بمواثيقه, مما يعني توسيع الصيغة الحالية والتي اصبحت وكأنها تمثل مكاتب الاحزاب في الخارج وهذا لايعني الغاء اعتبارات الاغلبية العددية لاحزاب معينة وفي الوقت نفسه لايسمح بتهميش اي معارض لاسباب اخرى وضمن هذا التراجع والتنازلات الحالية يمكن للتجمع في الداخل ان ينظم نفسه بطريقة افضل وان ينشط ويعمل علنيا وفي هذا اختبار لصدقية النظام. يتمنى المرأ ان تنجح جهود تجمع الداخل في توحيد كلمة رفاقهم في الخارج, ثم يبدأ التركيز على عمل الداخل ودعمه ماليا واعلاميا, وهذا التقليص التدريجي للتجمع في الخارج والذي ساهمت عوامل غير مباشرة في اضعاف دوره الخارجي بسبب الهجرة واعادة التوطين, ويكفي الخارج وجود مكتب اعلامي كفء ونشط بالاضافة الى جهود المنظمة السودانية لحقوق الانسان لتقوم بدور متابعة الانتهاكات القانونية وتكوين رأي عام ضاغط يدعم حقوق الانسان في السودان وهنا يجب ان يرفع شعار, كل الجهود الى الداخل.