كدنا ان ننسى النعرات الطائفية في لبنان واعتقدنا لفترة انها ولت إلى غير رجعة, وإذا بها تذر بقرنها من جديد وبقوة نتيجة ممارسات الحركات الأصولية. لا أدري كيف استبد بنا الخوف من المجهول دفعة واحدة اثر تمرد حركة التكفير والهجرة في شمال لبنان وتحرك جماعة (عصبة الانصار) في بيروت والجنوب, فبتنا نخشى على الدولة والجيش والأجهزة الأمنية, وبتنا نخشى على المصالحة الوطنية والسلم الأهلي, وبتنا نخشى على رصيد المقاومة في جنوب لبنان, وعلى المفاوضات على المسارين السوري واللبناني, وبتنا نخشى على المساعدات والبورصة والاستثمارات, وعلى البرامج السياحية وأشهر التسوق, وحتى على الدورات الرياضية المحلية التي اختلطت فيها الحساسيات الرياضية بالحساسيات الطائفية. رب ضارة نافعة, فإذا انتابنا هذا القدر من الخوف من المجهول, وهذا القدر من الحرص على استكمال بنيان الدولة, فمن باب أولى ان نسارع إلى وأد النعرات الطائفية والمذهبية والامتناع عن اثارتها واستغلالها حفاظا على التعايش الاسلامي ـ المسيحي الذي يمتاز به لبنان, لا سيما وان اللبنانيين اجمعوا, كما لم يجمعوا في أي وقت مضى, على أمرين: دعم الجيش اللبناني الضامن للسلم الأهلي, وادانة الحركات الأصولية مصدر الفتنة الطائفية. وأضم صوتي إلى أصوات الذين يطالبون بضرب الفتنة الطائفية من دون تردد وضرب أصحابها ودعاتها من دون هوادة, فلا يحق لأي شخص مهما علا مقامه أو شأنه ان يمتطي التعصب الطائفي والعنف العسكري وسيلة لتحقيق مآربه السياسية أو مشاريعه العقائدية بغض النظر عن مدى مشروعيتها أو صحتها. وأجدني أشارك رأي الذين لا يقبلون بأن نتعامل مع المذهبية والطائفية على انها واقع أو قدر لا مفر منهما, فالاعتراف بالواقع الطائفي شيء واثارة النعرات الطائفية والمذهبية شيء آخر, ولابد من ان تعالج الحكومة الحالات الطائفية بمختلف الوسائل المتوافرة عبر برنامج سياسي وانمائي وتربوي, وعبر الجمعيات والأحزاب والروابط الأهلية وبالأخص عبر النخب المثقفة والمدارس والجماعات ووسائل الاعلام. ولا يكفي بعد اليوم ان ندين العنف الطائفي ونحذر من مخاطره بل ينبغي الانكباب على استئصاله وتصحيحه واصلاح كل الممارسات السياسية, إذا كنا فعلا جادين في بناء مجتمع مستقر ودولة قوية. *** كنا في غنى عن تمرد جماعة (التكفير والهجرة) في الشمال وعمليات (عصبة الانصار) في بيروت والجنوب, واعتداءات مجهولين على راهبة مسالمة في جبل لبنان, ولكن دعونا نعترف ان ما حصل كان بمثابة انذار مبكر لما يتهدد مجتمعنا اللبناني في كل آن وحين, وبمثابة امتحان فعلي لكل ما بنيناه منذ اتفاق الطائف, لجهة قدرة الدولة على الامساك بالأمن والسيطرة على عوامل الفوضى ومنع اندلاع الاقتتال الطائفي الذي إذا ما نبت في لبنان فإنه يتمدد حتما إلى سوريا, وإذا ما تمدد إلى سوريا فإنه يهدد كامل المنطقة العربية. بالأمس كان الخوف يدفعنا إلى اللجوء إلى الطائفية, أما اليوم فإنه يشدنا إلى أحضان الدولة, لقد أيقن اللبنانيون ان أمنهم الذاتي أي أمن الطوائف لا يحمي أصحابها, وحده الأمن الشرعي يحمي الجميع, وأيا تكن خلفيات أحداث الشمال والجنوب وبيروت وجبل لبنان, وأيا تكن الجهات المحركة لها فلا يختلف اثنان على القول بأنها جسدت المواجهة بين العودة إلى فوضى السلاح تحت ذرائع طائفية وبين تثبيت أمن الدولة فوق كل الاعتبارات الطائفية, الخيار الذي طرحته الحوادث اللبنانية الأخيرة هو بين الحرب الدينية المحتملة والسلم الأهلي الضروري, بداية الحرب الدينية هو الأمن الطائفي الذاتي, وأساس السلم الأهلي هي الأمن الشرعي الوطني. ان العودة إلى فوضى السلاح الطائفي ممنوعة, والدولة عازمة على منع اضطراب حبل الأمن في أي مكان من لبنان, والسلاح الشرعي غدا الأقوى من كل الزمر المسلحة وكل الأسلحة غير الشرعية سواء كان هذا السلاح طائفيا أم غير طائفي, أو كان حاملوه من أصحاب النوايا النبيلة أو الشريرة. لقد انجزت الأجهزة العسكرية مهمتها خير انجاز, وقضت على حركات التمرد الأصولي بسرعة قياسية, وأثبتت ان الفتنة ممنوعة على الرغم من ان الأصولية لا تزال مسموحة. والحقيقة المؤلمة والمرة تختزلها معادلة بسيطة وهي انه مادامت الأصولية مسموحة فإن احتمالات الفتنة تبقى قائمة, وإذا أردنا استئصال جذور الفتنة علينا استئصال كل أنواع الأصوليات.