في اليوم الآخر من السنة المنصرمة فوجىء العالم كله وروسيا على وجه الخصوص بخبر استقالة الرئيس بوريس يلتسين, وبالفعل لم يظن احد في روسيا ان الاحتفال بعيد رأس السنة الميلادية سيتحول الى مناقشة هذا النبأ المفاجىء ولكن عند التأمل في هذه القضية يتضح ان قرار يلتسين باستقالته لم يكن مفاجئا ولاسريعا من حيث انه كان يتبلور خلال فترة طويلة, بالعكس ترى بعض القوى السياسية الروسية ان هذا القرار متأخر اذ كانت تطالب باستقالة الرئيس اكثر من ثلاث سنوات بل حاولت استصدار القرار الخاص بفصله عن منصبه في شهر مايو الماضي والى جانب ذلك كانت هذه القوى على ثقة كاملة بان يلتسين لن يتراجع عن السلطة تراجعا طوعيا فاكثر من ذلك لم يصدق بعض اصدقائي من الصحفيين قبل خبر الاستقالة بعدة ايام بان يلتسين يترك منصبه حتى بعد شهر يونيو المقبل اي الفترة التي كان يتوقع اجراء انتخابات الرئاسة بصورة نظامية فيها, ولكن بعد اعلان يلتسين قراره تجلى بصورة واضحة كل الوضوح ان هذا القرار منطقي للغاية سواء اكان من حيث مضمونه ام من حيث لحظة اعلانه الامر الذي تدل عليه العبارة الواحدة الواردة في بيان يلتسين التلفزيوني حيث قال بانه قد انجز اهم اعمال حياته الا وهو منع عودة روسيا الى ماضيها وضمان مسيرتها الى الامام في طريق الديمقراطية. وتدل هذه العبارة ان استقالة يلتسين نفسها وماقام به من اجل روسيا يجب تقديرهما بقيمة التطورات التي حدثت في روسيا طوال عهد سلطته , وفي هذا الصدد لاتتفق الآراء في روسيا ولا يجمع الرأي العام الروسي على هذا التقدير فمن جهة اعلن الشيوعيون بعد اعلان الاستقالة فوراً ان يلتسين سلم السلطة الى انصاره بعد هدم البلاد واهانة الشعب الروسي الذين يعاني الفقر والمجاعة بسبب تسلط يلتسين ومن جهة اخرى ابدى قادة العديد من الدول وزعماء الاحزاب الروسية الكثيرة تقديرهم الايجابي العالي للدور الذي لعبه يلتسين. ان مثل هذه الاراء المتضاربة والمتناقضة طبيعية وذلك لان سياسة يلتسين كانت متناقضة مما يعود الى طباعه المميزة كما يرجع الى الظروف الموضوعية التي واجهت روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ودخوله في مرحلة تطور جديدة. لقد اتسمت هذه المسيرة بالظواهر السلبية العديدة بينما احتوت على المنجزات الايجابية الكثيرة والسؤال المطروح: اي هذين الطرفين ـ سلبي أو ايجابي كي يكون معيارا لتقييم نشاط يلتسين وبالتالي استقالته؟ وانطلاقاً من معيار تدهور الاقتصاد وانخفاض مستوى معيشة الناس يكون التقييم سلبيا اما انطلاقا من ترسيخ بعض الاشكال الديمقراطية والتعددية الفكرية والسياسية وغيرها من معايير الديمقراطية فيكون هذا التقييم إيجابيا فاي من الحكمين هو الاهم في ظروف روسيا الحالية وايهما من الاولويات لروسيا الآن؟ الاجابة عن هذا السؤال ليست سهلة فمن النظرة الخارجية من الواضح تماما قبل كل شيء آخر أنه يجب تأمين النهوض بالاقتصاد والتنمية الاجتماعية. بل كيف يمكن تحقيق هذا الهدف؟ بالطبع اتباع الاساليب الاشتراكية السابقة محكوم عليه بالفشل مقدما وليست لهذه الاساليب الافاق التاريخية لانها تعني العودة الى الظروف التي ادت الى سقوط النظام الاشتراكي. اما الطرق البديلة فتتمثل في اقتصاد السوق الحرة والديمقراطية السياسية, من المؤكد ان السير في هذا الطريق صعب ولكنه وحده يفسح آفاق تطور روسيا في المستقبل واذا لم يمكّن من معالجة قضايا الفقر والمجاعة بالسرعة فمن شأنه خلق الظروف الملائمة للنمو الاقتصادي المضطرد في ظل الديمقراطية وعلى هذا الاساس من المستحيل تطوير الاقتصاد دون الديمقراطية السياسية الامر الذي كان يميز سياسة يلتسين كما كان محورا اساسيا لكل انشطته كرئيس للدولة. لقد ارتكب يلتسين اخطاء كثيرة في هذا الطريق وذلك لان الديمقراطية امر صعب والانتقال من النظام الشمولي الى الاشكال الديمقراطية معقد بل أكثر تعقيدا مما كنّا نتصوره في روسيا خاصة حينما تعرقل القوى المعارضة اليمينية واليسارية السير في هذه التجربة التي دخلها يلتسين وكان يحمل معه رواسب الماضي ويطمح الى الامام. وعلى ضوء ماتقدم يجب الحكم على أعمال يلتسين قبل كل شيء على اساس الأهداف التي كان يسعى الى تحقيقها اي انطلاقا من القاعدة المشهورة القائلة بأن الامور بمقاصدها وبطبيعة الحال الى جانب الاهداف يجب الاخذ بعين الاعتبار مدى تحقيقها وبهذا الصدد يمكن الرجوع الى القاعدة الاخرى وهي (التصرف على الرعية منوط بالمصلحة) ومن البديهي ان المصلحة في حالة يلتسين يمكن فهمها بالطرق المختلفة ـ اما كبلوغ النتيجة ـ الملموسة القريبة اما كخلق الظروف الكافية والكفيلة بتأمين النتيجة الخفية والبعيدة التي تفسح المجال امام التصور اللاحق وقد اختار يلتسين الطموح النتيجة الثانية. ومن الطبيعي ان يلتسين قد استنزف احتياطاته السياسية منذ فترة طويلة نسبيا ولم يعد يقدر على التقدم بالمزيد من الخطوات في سبيل تطور روسيا الى الامام وقد لعب دوره في انتقال روسيا الى الديمقراطية, وعلى المستوى الشخصي كان من الممكن أن يستقيل قبل نهاية العام الماضي بكثير ولكن قبل ذلك لم تتبلور الظروف التي تضمن بالثقة البالغة منع عودة الشيوعية وفي نفس الوقت تعطي آمالا لامتداد سيرة روسيا في طريق الاصلاحات الديمقراطية, اما تعيين بوتين رئىسا للحكومة والانتخابات التشريعية الاخيرة فأدى الى نشوء مثل هذه الظروف الامر الذي اتاح ليلتسين فرصة تسليم مقاليد السلطة للشخص الذي اختاره هو نفسه مما يؤكد مرة اخرى ان يلتسين اثبت انه رجل السياسة المستقل القادر على صنع قراراته واتخاذها ولذلك لامجال للقول بارغام يلتسين على الاستقالة او الضغط عليه لان الضغط كان يمارس طويلا اما قرار الاستقالة فصدر في 31 ديسمبر الماضي كما يجب الاشارة الى ان مجيء هذا القرار في اعقاب بعض الخطوات القوية وهي الى جانب تعيين بوتين رئيسا للحكومة والعزم على حل قضية الشيشان كذلك مشاركة يلتسين في قمة اسطنبول تمثيلا لمواقف روسيا القوية. هذا ويفسح قرار الاستقالة مجالا واسعا امام بوتين في انتخابات الرئاسة المقبلة الامر الذي رغب فيه يلتسين اذ رأى انتخاب بوتين رئىسا لروسيا خطوة في طريق تعميق الديمقراطية وضمانة اخرى لمنع عودة الشيوعية وبهذا انتهى عهد يلتسين في تاريخ روسيا الحديث وبدأت مرحلة تطور جديدة, واذا كان يلتسين قد مثل حاضر روسيا فقد يمثل بوتين مستقبلها. هل يتحقق هذا الاحتمال؟ نتمنى ذلك ولكن الكثير من عوامل هذا الاحتمال ليست واضحة وذلك لان شخصية بوتين السياسية مازالت غامضة ومجهولة ولكن ما انجزه حتى الان يثبت قدرته على الزعامة السياسية ولاتقتصر هذه القدرة على الحملة العسكرية في الشيشان بل تشمل مؤهلاته الدبلوماسية وعزمه على حل القضايا الاجتماعية واستعداده على الحوار مع مختلف القوى السياسية اي الحوار الذي لم ينجح فيه سلفه يلتسين والقول بأن دعم القوى الموالية لبوتين من قبل الناخبين في الانتخابات البرلمانية الاخيرة يعود الى حرب الشيشان ليس بصحيح وذلك لان الناخبين صوتوا لصالح السلطة القوية الفعّالة القادرة على معالجة القضايا المواجهة للبلاد وبوتين اكثر مناسبة لهذا الغرض من غيره لانه غير مرتبط بفضيحة غسيل الاموال ولابتورط في العلاقات مع اية عصابات سياسية وليس وراءه ثقل الرواسب السياسية الماضية ولذلك عنده المزيد من الامكانيات لمكافحة غسيل الاموال ووقف الفساد في السلطة خاصة اذا اخذنا بعين الاعتبار خبرته السابقة في الاجهزة الامنية. احيانا يسمى بوتين رئيسا لحكومة الصقور ففي اعتقادي هذا التقدير ليس صحيحا, نعم في الحقيقة قد اثبت بوتين عزمه على حل القضايا بالطرق الحاسمة بل القاسية أحيانا تأكيدا من خلال ذلك انه يسعى نحو تحول روسيا إلى دولة قوية الأمر الذي كان غائباً خلال عهد يلتسين وربما الآن حان الوقت لاضافة هذا العنصر الجديد المتمثل في السلطة القوية إلى الأشكال الديمقراطية التي ترسخت في ظل سلطة يلتسين, ففي رأيي يجب ان يرافق قيام السلطة القوية تعميق الاصلاحات الديمقراطية في روسيا, وبدون ذلك تتحول هذه الاصلاحات إلى الفوضى والفساد, وعلى ضوء ذلك قد تطرح تساؤلات منها: هل تقود القيادة الروسية الجديدة تحولات جذرية أم تشكل امتدادا لنهج يلتسين, وفي تقديري: لابد من استمرارية نهج يلتسين بشرط ان تدخل عليه التعديلات الهامة التي من شأنها تعميق الاصلاحات الاقتصادية وترسيخ القيم الديمقراطية الحقيقية على الصعيد السياسي وعلى بوتين تغيير الكثير مما قام به يلتسين الأمر الذي يستلزم وضع المناهج الجديدة انطلاقا من القاعدة (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان) وقد أشار إلى ذلك بوتين في تصريحه في الخامس من شهر يناير الجاري حيث قال بأن استمرارية السلطة تعني الحفاظ على كل ما يساعد على المسيرة إلى الأمام, ورد كل ما يعرقل هذه المسيرة أو بكلمة أخرى قد اعترف بوتين بوجود تراث يلتسين القابل لرفضه, ومن هذا التراث على سبيل المثال العجز عن تعبئة كل القوى الديمقراطية وانتقاء الكوادر على أساس الكفاءات والمؤهلات وليس على أساس الولاء الشخصي, وإذا نجح بوتين في تجاوز هذا التراث ستخطو روسيا خطوة أخرى في طريق الديمقراطية. ومن المؤشرات الدالة على قدرة بوتين على تحقيق هذا الهدف دعمه من قبل القوى السياسية الروسية المختلفة بما فيها أحزاب المعارضة له في الانتخابات التشريعية الأخيرة, فقد صرح بعض القادة السياسيين الذين أيدوا بريماكوف سابقا بدعمهم لترشيح بوتين في انتخابات الرئاسة المقبلة, وبالتالي يتحول بوتين الآن بالسرعة إلى شخصية قادرة على تعبئة المجتمع الروسي كما كان يلتسين عام 1991م, ونتيجة لقرار استقالة يلتسين ازدادت فرص بوتين في الانتخابات المقبلة. وفي الوقت نفسه تفقد المعارضة فرصها سريعا الأمر الذي يؤكد ان استقالة يلتسين ضربة قوية حاسمة للمعارضة الشيوعية وحصانة أخرى ضد عودة الشيوعية, الأمر الذي يدل على استمرارية نهج يلتسين نحو مكافحة الشيوعية وإذا أضيف إلى ذلك قيام السلطة القوية القائمة على القانون والممثلة في شخصية بوتين فيأتي ذلك تأكيدا على صحة سياسة يلتسين ودليلا آخر على ان اصلاحاته لم تذهب سدى. * محلل سياسي روسي بمعهد الدولة والقانون ـ موسكو