في الحلقة قبل الاخيرة يحكي جمعة الشوان العميل المصري المزدوج فصلا جديدا من ملحمته الخاصة في خداع جهاز المخابرات الاسرائيلي الموساد, وكيف عاد الى القاهرة حاملا معه جهاز التخابر الذي سلمه اياه العملاء الاسرائيليون , ثم كيف استدعوه مرة اخرى الى اوروبا ليفاجئه بحفلة ضرب مبرح في انتظاره استمرت ما يقرب من ثلاثة ايام على فترات متقطعة في عملية اختبار للولاء ـ ولاؤه للمؤساد! .. فلنتابع مع الشوان سرد فصول قصته. اتفقنا ان تكون اول رسالة يوم الثلاثاء بعد عودتي, وبمجرد وصولي الى القاهرة جريت مسرعا الى الريس زكريا او الحاج احمد وهو الضابط المصري وحكيت له كل ما حدث لي وما تعلمته, وابلغته بميعاد الرسالة واتفقنا على عدة طرق للتلاقي, وفي اليوم المحدد جلست بجوار الشرفة ورفعت ايريال الراديو على موجة الـ FM. وفي الرابعة تماما انطلق المذيع يقول: (يانكى اوتيل فوك استورنا) وكررها وكانت هذه الاشارة المتفق عليها لأتلقى الرسالة المشفرة, ثم استقبلت الرسالة وسهرت للصباح لفكها من كتابي طه حسين ونجيب محفوظ, وكانت رسالتهم هي معلومات عن حال الشارع المصري والشائعات التي يتم ترديدها والنكات السياسية والاجتماعية.. وكانت الرسالة الأولى امتحانا لي, وعندما عرضتها على ضابط المخابرات, طلب مني الرد عليها في اسرع وقت, فكتبت الرسالة وذهبت لعرضها عليه مرة أخرى فوافق عليها, ورحت أمارس ما علموني, أي كتابتها بالحبر السري, ثم أعادة كتابتها بالحبر العادي كرسالة عادية لاحد اصدقائي في لندن, وكتبت على المظروف اسم الراسل احد الاطباء المشهورين, وكان جاك قد فسر لي هذا ان لا أحد يشك في هذه الاسماء الشهيرة ولاتخضع لرقابة, ومع هذا الخطاب قالوا لي أن اكتب رسالة أو اكثر لاحد اقاربي في مصر حتى اذا وقعت في يد احد استطيع ان اقول انها رسالة عادية لاحد اقاربي والرسالة الاخرى لا شأن لي بها, وفي الرسالة الثانية طلب جاك مني شراء سيارة مكيفة بداخلها ثلاجة صغيرة لتكون مناسبة للسفر الى السويس في شهر اغسطس وفي اوقات الحر الشديد, وفسر ذلك قائلا: ان السفر على طريق السويس ـ القاهرة في هذا الوقت يسمح لك بالتقاط الجنود من على الطريق لتوصيلهم... وتقديم المشروبات الباردة والسجائر في هذا الوقت يسمح بان توجه الاسئلة الى هؤلاء الجنود وتحصل منهم على كل ما تريد من معلومات, ويضيف الشوان: وطبعا كان لابد أن استشير الحاج احمد رجل المخابرات المصرية وقال لي نفذ ماطلبوه منك. * وهل سافرت الى السويس وحدث ذلك؟ ـ يضحك الشوان بمرارة قائلا: للأسف كان الجنود يخرون بكل شيء بأسماء قادتهم ونوع الاسلحة التي يستخدمونها. وكنت أغلي من الغيظ اتمنى لو أخبرهم وأعلمهم اصول العسكرية والحفاظ على الاسرار الخاصة بهم وبوحداتهم وسلاحهم, وكثيرا ما كنت اشكو للحاج أحمد من عقدة لسان جنودنا وكان يستقبل الامر بابتسامة مطمئنة ليهدىء من روعي. ويستدرك الشوان: لم تكن هناك درجة من الوعي في ذلك الوقت. * وكم كانت تستغرق الشفرة من وقت لحلها؟ ـ يضحك الشوان ويقول لن تصدقي إذا قلت لك انني كنت أمكث بالمنزل اسبوعا لا أبرحه, وكنت أصطحب معي سيدة ليظن الجميع انها عشيقتي.. ولكنها لم تكن تجلس معي, وكنت أبعث البواب لشراء بعض المشروبات ومأكولات كثيرة تكفيني لهذه المدة, وكنت أقوم بسكب المشروبات في الحمام, بل احيانا كنت اشتري ملابس نسائية ابعثرها في انحاء المكان والحمام واطلب من البواب تنظيف الشقة وحتى يظهر انني معربد وافسر اقامتي لفترة طويلة دون الخروج. ويستطرد الشوان قائلا: قد تستغرق الشفرة يومين كاملين في حلها, وقد تستغرق أكثر, والمصيبة كل المصيبة حين تصل الشفرة مشوشة ويكون هناك خطأ ويطلبون مني أعادة الرسالة. * ما أهم الرسائل طوال هذه المدة؟ ـ لا أنسى أبدا الرسالة التي طلبوا مني أن احضر فيها لهولندا, جهزت حقائبي وغيرت الـ (11) دولارا وحصلت على تأشيرة باعتباري وكيل شركة بيتر لايسون السياحية التي تم فتحها لي بالقاهرة, وهناك حجزت في أحد الفنادق, كتبت الخطاب المتفق عليه, ولكن لم أتلق ومرت الايام ثقيلة لم أذق فيها طعما لنوم من شدة الرعب فقد كانت هذه الزيارة الاولى بعدما قاموا بتدريبي, ماذا حدث؟ هل عرفوا إنني اعمل مع المخابرات المصرية؟ ولم يكن الخوف وحده بل كان الجوع ايضا فقد كان الفندق لا يقدم إلا وجبة الافطار فقط, وكنت قد انفقت الـ 11 دولاراً, ولم يتبق حتى ثمن طابع البريد, وحتى أخرج من حالتي نزلت للاستقبال ربما قابلت أحدا من طرفهم, من حسن حظي وجدت بعض العملات الهولندية ملقاة على الارض, اخذتها وقلت ربما القوها لي ـ وطبعا كانت صدفة ـ فأسرعت لشراء طابع البريد أرسلت الرسالة الثانية, وكان مر على الرسالة الاولى اربعة ايام, وبعد ثلاثة ايام اخرى, وجدت موظف الاستقبال يقول لي ان هناك شابين في انتظارك ـ فتأكدت انهما جاك وابراهام فجريت مسرعا لاعاتبهما على هذا التوتر والقلق الذي سببوه لي واذا بي لم اجد احدا منهما, وبينما انا شارد قطع شرودي احد الشباب الذي مد يده مصافحا وقال: انا من طرف جاك, وقد دفعنا لك حساب الفندق وسوف تأتي معنا, استسلمت لهما وقلبي لايشعر براحة .. فلأول مرة لا يستقبلني جاك وابراهام. * فماذا حدث؟ ـ ذهبنا في سيارة خاصة الى احد المزارع باحدى ضواحي مدينة لاهاي ولاحظت ان المزرعة عليها حراسة مشددة, ثم ادخلاني الى فيلا داخل المزرعة, وقالا لي انتظر جاك وابراهام سيحضران بعد يومين, حاولت النوم دون جدوى فلم تترك رأسي الافكار السوداء, فنطقت الشهادة وجلست انتظر الموت, وفي هذه الاثناء قبل بزوغ الفجر اقتحم الغرفة علي اربعة من الشباب يبدو انهم ابطال في كمال الجسام او رفع الاثقال, شيء من هذا القبيل .. وقبل ان استفسر عن سبب اقتحامهم غرفتي جذبني احدهم من فوق السرير للارض وقبل محاولة نهوضي فوجئت بالاربعة يوجهون لي ضربات وركال متلاحقة في كل انحاء جسمي .. وقال احدهم ان لدينا معلومات تؤكد انك توجهت الى مبنى المخابرات المصرية وكنت تلبس كذا, وتستقل سيارة بيجو, فقلت لم يحدث, وكلما قلتها زادت ضربات نعالهم, واستمر الحال هكذا كلما وقعت مغشيا علي افاقوني بالماء والثلج, واستمرت حفلة الضرب لوقت لا اعلمه حيث رحت في غيبوبة تامة لم اعرف كم من الوقت استمرت, وافقت لاجد حولي طبيبا وممرضة, وجاك وابراهام حولي يبتسمان ابتسامة صفراء محاولين تبرير هذا بانه سوء تفاهم بسيط .. يضحك الشوان بمرارة قائلا صرخت بداخلي, ولكنني كنت سعيدا بصمودي .. ابادره بالقول: اظنه كان امتحانا!! * نعم وياله من امتحان, ويضيف الشوان: لقد كان صمودي نجاحا لي امامهم في اصعب امتحان ممكن ان يتعرض له عميل .. يستطرد الشوان: لقد شعرت بعد هذا اليوم ان اي شيء يحدث لي بعد مارأيت من عذاب لن يساوي او يعادل ما رأيت .. كما انه منحني ثقتهم التي استمرت كل هذه السنوات, ويكمل الشوان قائلا: وبادرني جاك بالقول: هيا استعد عافيتك سريعا لنذهب الى البيت .. فلم افهم في البداية, ولكنني عرفت ان المقصود هو الذهاب الى اسرائيل. ويستدرك الشوان: جمدتني المفاجأة, وحاولت تصنع السعادة, ويكمل الشوان: بعد ايام حاول جاك وابراهام ان يستميلاني ويصلحاني بعدة طرق تارة بجلب اجمل الفتيات, واخرى بالهدايا, حتى جاء موعد السفر الى اسرائىل, ويعلم الله كم كانت اعصابي تتحطم في تلك اللحظة .. ويتساءل الشوان بمرارة: هل يتصور احد ان اذهب الى اسرائيل الغاصبة التي تستقر على ارض عربية مغتصبة!! يتنهد الشوان تنهيدة مريرة ويقول في تلك الايام كانت بعد وفاة الرئيس عبدالناصر كان كل شيء في اسرائيل ينطق بالفرح ـ الشوارع مضيئة .. المحلات علقت لافتات التفاؤل برحيل الزعيم .. الشوارع تضحك .. والوجوه تضحك. * ولماذا كانوا يريدونك في اسرائىل؟ ـ كانوا يريدون اختباري وتزويد خبرتي في التدريب عن طريق عرض افلام لانواع من الاسلحة حتى اتعرف عليها حين اراها في مصر, ثم حاولوا الاسراف في حسن استضافتي بعدما اثنى علي الخبراء الذين دربوني وقالوا انني على درجة كفاءة عالية. الحلقة المقبلة سألني وايزمان هل تعرف كم راتب السادات؟