تحول رمضان الكريم عند الكثيرين من شهر للعبادة إلى شهر للتلفزيون, وتحول شهر التلفزيون من مهرجان كبير إلى مهرجان للتاريخ.الكثير من المسلسلات في سائر القنوات العربية تعرض للتاريخ الاسلامي, وبعضها يعرض للتاريخ القريب مثلما هو الحال مع المسلسل الذي اشتركت فيه معظم القنوات العربية وهو مسلسل (ام كلثوم) . والسؤال في كل ذلك: ما هو مغزى أو جدوى ما نشاهده؟ اذا كان الهدف هو الثقافة التاريخية فلا بأس, واذا كان الهدف هو قطع وقت الفراغ خاصة ان الليل هذا العام بين الغروب والفجر يصل إلى (12) ساعة كاملة, اذا كان هذا هو الهدف فلا بأس ايضا, ولكن هل يكفي ذلك؟ قضيت سهرة مع نجوم مسلسل ام كلثوم, والذي تقرر ان يستمر عدة ايام بعد عيد الفطر, وكانت وجهة نظر الكاتب المؤلف محفوظ عبدالرحمن, وهو نفسه الذي قدم فيلم ناصر ,56 انه لا يهدف لمجرد تقديم شخصية أو سرد التاريخ, لكنه يريد ابلاغ رسالة إلى من يهمه الامر, و(من يهمه الامر هنا) هم عموم المشاهدين, وعموم الجماهير العربية التي يلفها اليأس والكرب بسبب تردي الواقع الذي نعيشه. في مسلسل ام كلثوم فهمت ان الرسالة هي اعطاء نموذج من عصر مضى, نموذج للاصرار, وكيف يمكن ان يتحول الانسان من نقطة تقترب من الصفر إلى عنصر فاعل ونموذج ناجح, بل إلى نجم بازغ. وقد كانت ام كلثوم هي ذلك المثال بالفعل, فقد نشأت فقيرة, وغاية المراد لديها ان تتقن الانشاد الديني, وكان صوت ام كلثوم صوتا خشنا, حتى انك لو سمعته في حديث عادي لما تصورت انه يصنع مطربة عظيمة, لكن ذلك الصوت الذي تصور البعض انه عيب في الشخصية تحول إلى ميزة في الغناء. حكاية ام كلثوم هي حكاية عصر, ورصيد ام كلثوم رصيد غير متكرر, فمن يستطيع اخضاع المستمع إلى اغنية يصل طولها إلى الساعة أو اكثر؟ قبلها, كان المؤلف نفسه فيلم ناصر 56 وهو استدعاء للتاريخ من زاوية اخرى, وان كان يصب في المجرى نفسه, مجرى الشعب المنهزم الذي يبحث عن نقطة ضوء. وقد كان عبدالناصر نموذجا للاصرار والتحدي والعزة الوطنية والكرامة القومية لذا فانه عندما يطل علينا بعد غياب يزيد على ربع القرن من خلال فيلم سينمائي فانه يعيد لدينا الاحساس بكل هذه المعاني بعد ان باتت السياسة كالتجارة, لا تحكمها القيم بل يحكمها المكسب والخسارة, ونحن في سياستنا ولفترة طالت, دائما خاسرون. المسلسلات التاريخية اذن مهمة في هذا السياق, سياق الوصل بين ماض مجيد, وحاضر مرغوب, لكن ذلك ايضا ليس سهلا فالمؤلف والمخرج والممثل, محاصرون في الفيلم التاريخي بصورة يراها الناس للبطل التاريخي, خاصة اذا كانت الاحداث قريبة والشخصيات حاضرة في الاذهان. خاض هذه التجربة الكثير من المؤلفين, ولكن وعندما سألت الراحل الكبير صالح مرسي عن شخصية رأفت الهجان, وعما اذا كان عمله الفني الكبير تسجيل كامل لحياة الهجان واسمه الحقيقي رفعت الجمال قال لي: لقد حافظت على الوقائع الاساسية في رحلة الجمال بعالم التجسس بين مصر واسرائيل, ولكن في التفاصيل كنت اضع البناء الفني, بل وبعض الاحداث كما اريد, اي انني لا أخل بالامانة التاريخية لكنني اقدم ايضا عملا روائيا. هذه الحرية التي توافرت لصالح مرسي في (الهجان) , لا اظنها تتوافر دائما, ربما تتوافر في مسلسلات التاريخ البعيد فمسلسل (القضاة في الاسلام) الذي تشارك فيه عدة محطات يتيح ايضا حرية التصرف, فالمعاني الاساسية قائمة والتفاصيل من صنع المؤلف. ولكن هل تتوافر هذه الحرية في فيلم كفيلم عبدالناصر, أو مسلسل كمسلسل ام كلثوم؟ لا اظن فالجمهور حاضر مع البطل, له ذكرياته معه, وله انطباعاته عنه, وله معرفة بأن الجمهور يريد ان يرى ناصر شخصيا على الشاشة كما عرفه, ويريد ان يرى ام كلثوم كما الفها وفهم شخصيتها, اي ان الجمهور يضع قيدا على المؤلف بل والممثل ايضا, تقول صابرين والتي لعبت دور ام كلثوم: بصراحة كنت مرعوبة, فكيف استطيع ان اقنع المشاهد بأنني بديل لهذه الشخصية الضخمة, ام كلثوم. ومع ذلك, وكما شهدت الفنانة سميحة ايوب اثناء حوارنا في السهرة: كانت صابرين في غاية الاتقان, ذلك انها قد عاشت الشخصية بكل تفاصيلها, استمعت لكل ما انتجته ام كلثوم, وقرأت كل ما كتبه الاخرون عنها خاصة ما كتبته د. نعمات احمد فؤاد في كتابين كاملين. وبين صعوبة استعادة التاريخ كما هو, واهمية ان يكون هناك مغزى لذلك جاءت مسلسلات رمضان واظن ان من ابرزها (القضاة في الاسلام) والتي تقول لنا ان القاضي اهم من الحاكم لانه يملك العدل, وان ضمير القاضي اخطر من سيف الحكم.