من المحيط الهادر, الى الخليج الثائر .. كانت اغنية وحلم الستينيات من هذا القرن, تلك الستينيات الجميلة!! كانت الحقبة الاستعمارية تحمل حقائبها وتغادر المنطقة قطعة قطعة, كانت الارض تهتز بشدة في كل العواصم العربية, واختلط الامر على العرافين والمنجمين, وضاربي الودع حيث اصبحت (القومية العربية) الشبح الذي يؤرق بعض مراكز اتخاذ القرار الاقليمية والدولية, بينما الارض تتفتق عن نظام عربي وليد, بدأ طفلا بذراعين ممتدين من القاهرة ودمشق, وحبلت كل امرأة عربية بجنين يحمل ملامح (صلاح الدين الايوبي) . كانت ستينيات جميلة حقا!! ستينيات الآمال التي لاسقف لها, ستينيات المؤامرات التي لاخلاق لها, ستينيات انطلاق عدم الانحياز والوحدة الافريقية, وتضافر الثوار من هافانا الى هاتوي, ستينيات عبد الحليم حافظ وام كلثوم وعبد الوهاب ويوسف ادريس ونجيب محفوظ وصلاح شاهين, ستينيات الحرية والاشتراكية الوحدة. كم مرت مياه تحت الجسور منذ ذلك الزمن البعيد. نكسة, عبور, بترول, كامب ديفيد, بيروسترويكا, جلاسنوست, تهاوي سور برلين, تفتت الامبراطورية السوفييتية, حرب الخليج الاولى, فالثانية, منظمة التجارة العالمية, عولمة, شرق اوسطية, اوسلو, وادي عربة. كل هذه الاحداث في عمر جيل واحد, كل هذه المتنقاضات في وعي نصف قرن, شموخ فانكسار فشموخ فانكسار .... متوالية النظام العربي التي تستعصي على المنطق والحساب, ففي زمن (الثورة) تعملقت اقزام الردة, وفي زمن (الثروة) انكمشت افكار (الثورة) , وبين هذا وذاك توالت الازمات القلبية على النظام العربي, اصبح مدمنا لغرفة الانعاش, حتى انهار جهاز المناعة, واصبح ذلك النظام كمن يعاني من مرض (الايدز) . لقد تصالح العرب مع طوب الارض الا انفسهم, وعرفوا حلول الوسط مع كل الناس الا جيرانهم, وفي حين اصطدمت الاحلاف العسكرية في صخور الستينيات, اصبح الوجود الاجنبي مصدرا للاعتزاز والفخر والتباهي, واوشك القرن على الرحيل في حين عاد الى المنطقة من غادروها في منتصف القرن غير مأسوف عليهم, ومن المفارقات اللافتة للنظر ان الوجود العسكري الاجنبي في المنطقة كان في السابق على حساب الاجنبي, اما الآن فقد اصبح على حساب صاحب المحل!! .. فالعرب يدفعون فاتورة الوجود الاجنبي مرتين, مرة لشراء وتكديس اسلحة لاتستخدم, ومرة لدفع نفقات الوجود العسكري الاجنبي. لقد اهترأ النظام العربي, اصبح به من الثقوب اضعاف ما به من النسيج, وحتى محاولات التنسيق الجهوية او الثنائية تتم على ارضية من الريبة وعدم الثقة, حتى صار اجتماع طرفين عربيين يعني ميلاد خلافات جديدة, بحيث اصبح من الاصح الا يلتقيا, ومن الواضح ان الغني يرتاب في الفقير, والضعيف يكره القوي, ومع ذلك فما زال البعض ينشدون: وحدة مايغلبها غلاب) و (الحلم العربي) . لقد طالب البعض بتأجير مبنى الجامعة العربية شققا مفروشة كي تكون له ولو مرة فائدة ذات قيمة !! او على الاقل لدفع اجور جهازها البيروقراطي, واصبح ذلك المبنى يقف في قلب القاهرة كشاهد على مقبرة النظام العربي, او كدار للمناسبات في احسن الفروض, وقد قيل ـ وهو حق ـ انه لو جمعت وثائق تلك الجامعة لامكن ان يبنى بها هرما يطاول هرم خوفو, ولكنه هرم من ورق. اصبحت عناصر الوحدة هي نفسها عناصر الفرقة, فاللغة الواحدة قد يسرت تبادل الشتائم واللعنات والتأثير السلبي على الرأى العام المحلي, بحيث غلبت النعرة المحلية على الشعور القومي, بينما اصبحت العروبة مثل تذكارات العائلة القديمة, يتم الاعتناء بها وتلميعها ووضعها في فاترينة انيقة ولاتخرج الا في المناسبات, اما التاريخ المشترك فقد وجد من يشكك في كونه مشتركا, فكل قطر له ثورته وابطاله, ثم ان له اسبابا تدفعه للظن بأن اية اضافة لتاريخ قطر آخر تعني سحبا من رصيده التاريخي, فكل قطر هو الزعيم وهو الذي لم ينطق عن الهوى, وهو محتكر الحقيقة!! اما الجغرافيا فهي حتمية غير ذات معنى, فهناك عرب المغرب, وعرب الخليج, وعرب الهلال الخصيب, وعرب افريقيا, وعرب آسيا, وعرب الأنجلو فون, وعرب الفرانكفون, وعرب البترول, وعرب اللابترول, وعرب الصحارى, وعبر الوديان, وعرب السنة, وعرب الشيعة .. الخ. لم يعد المحيط هادرا, ولم يعد الخليج ثائرا .. بل تجرأ البعض ووصفوا العرب بأنهم ظاهرة صوتية, فالهدير لم يكن الا صوتا, ومثله الثورة, ويقفل القرن العشرون ابوابه ولايزال العرب يبحثون عن نقطة البداية, او نقطة النهاية, حيث يأتي المدير الحقيقي مع امواج العولمة المكتسحة كي تزيح امامها تلك الاحلام البالية التي تتناثر في بعض بقاع الشرق الاوسط وفي بعض العقول المراهقة المرهقة, ويأخذ النظام العربي مكانه التاريخ في فاترينة الزمن الى جوار حضارة الاتكا البائدة, ومومياء الفراعنة. لقد انكمش النظام العربي فأصبح اقصى تعبير عنه هو اغنية او حلم, انسحبت افكار الوحدة لتحل محلها تهويمات شوفينية وصوفية, الا ان ذلك لايعني ولايمكن ان يعني الاستسلام لهذا الواقع الكئيب فلابد ان تحل الصحوة محل الغفوة, ويتقدم من يحمل بوصلة الاتجاه الصحيح كي يعيد لجسد العروبة صحته وحيويته, لان الاستسلام يعني ببساطة تسليم اقدار اجيال مقبلة الى مستقبل مظلم, كي يكونوا عبيد القرن الواحد والعشرين, واول خطوة في الطريق الصحيح هي ان نتحلى جميعا بقدر اكبر من الشفافية والايثار, ان نفهم ارتباط مصيرنا الواحد على تلك البقعة من الارض, ونتكاتف كي نزيل من فوقها باقي آثار التبعية والخلوع .. ان اجيالا آتية في رحم الغيب تنظر الينا, وتنتظر منا ان نخوض آخر معاركنا من اجل الحرية . الحرية الحقيقية التي تعني الكرامة والتقدم واستقلال الارادة, بالعمل .. العمل الكثير وقليل من الكلام والغناء.