الامن والسلام هدف تنشده كل شعوب العالم مع القرن الجديد, نتغنى به وندعو الله الا يرث القرن الجدد كل اضطرابات وصراعات القرن المنتهى الذي حفل بالحروب الدموية واريقت في ثنايا اجندته انهار من الدماء, ولعل هذا القرن قد حفل بحروب خلفت وراءها ملايين القتلى وملايين الجرحى ومثلهم من المشردين اكثر مما تركه قرن اخر حتى مقارنة بالعصور الوسطى والعصور التي شاهدت حروب التتار والرومان وغيرهما , لان حروب هذا القرن استخدمت فيها الاسلحة الحديثة الفتاكة بدءا من الالغام الارضية المتطورة ومرورا بالقنبلة الذرية في هيروشيما وناجازاكي والاسلحة الكيماوية التي اباد بها العراق مجتمعات من الاكراد من سكان الشمال, ولا يزال ملايين من سكان العالم يعانون حتى الآن اثام الحروب العالمية الاولى والثانية, والحروب الثنائية التي جرت بعدها, فهناك المعوقون من مبتوري الاطراف والمشوهين, وهناك حاملو الاشعاعات النووية من الاجيال الذين ورثوا آثار هذه الاشعاعات من ابائهم فاصابتهم بامراض لا علاج لها, لذلك فالقرن الجديد لن يخلو من مخلفات اثار الحروب التي شهدها هذا القرن. بجانب تلك الملفات من الصراعات النووية والصراع على التسلح الذي لا تزال تجري على قدم وساق في معظم دول العالم سواء سرا او علانية, فهناك تطويرات بالصواريخ النووية في امريكا, وصراع في التسلح النووي في الهند وباكستان, وحمى قوى في روسيا, وتوجه لقوى عالمية في اوروبا, وتطوير باستراتيجية الاسلحة بدول حلف شمال الاطلسي, وهذه الصرعة من تطوير الاسلحة خاصة النووية والحديثة الفتاكة من كيماوية وبيولوجية لا يمكن القول بان هذه الدول سوف تحتفظ بها في مخازنها او تعدها لمجرد اثبات القوة النظرية, بل تؤكد من جانب اخر ان قراءات هذه الدول في المستقبل انما تنبىء بتفجر مناطق صراع جديدة او تجدد بؤر صراع قديم, واذا كان انتهاء الحرب الباردة وانهيار الكتلة الشيوعية وتفكك قواها قد انهى صراعا بين الشرق والغرب, فان من المؤكد ان اطرافا عالمية اخرى سوف تدفع الشرق والغرب بصورته الحديثة في دخول صراعات من نوع اخر خاصة مع تشابك مصالح كل من الطرفين بدول تتعرض للغليان, وما حدث في العراق دليل واضح على هذا فقد تدخلت امريكا مع دول شكلت تحالف لضرب العراق وانقاذ الكويت رغم ان القضية (عربية ـ عربية) ولكن المصالح دفعت الغرب بالدرجة الاولى للتدخل لانقاذ دولة عربية من براثن اخرى, وبقيت روسيا كطرف نقيض تناوىء التدخل الغربي في العراق وكذلك الصين, ونموذج اخر هو ما حدث مؤخرا في كوسوفو فقد تدخلت قوة امريكية مع قوة اوروبية لفض قضية (اوروبية ـ اوروبية) في البلقان, في حين تدخلت روسيا كطرف وبصورة رسمية في النزاع لوجود مصالح لها في المنطقة وارتباطها القديم بالصرب, وما تفعله روسيا الآن في الشيشان نموذج اخر على امكانية دخول دول كبرى في صراعات بسبب تشابك مصالحها مع دويلات صغيرة, فامريكا الآن تكشر عن انيابها في وجه روسيا بسبب ضربها الشيشان, واوروبا تقف حائرة بين فرض العقوبات الهزيلة وبين التدخل بقوة, ولا يمكن لاحد في الوقت الحالي على الاقل ان ينكهن بردود فعل امريكا مستقبلا في هذه القضية, ولكن المؤكد ان هذا الصراع او غيره سوف يفرز صراعات بين الدول الكبرى. في الغالب وبكل ثقة سوف يتسلم القرن الجديد كل تداعيات الصراعات من القرن الماضي, فما يجرى على الساحة العالمية الآن لا يجعل معظم المراقبين العسكريين يتفاءلون او يستبشرون بالخير, فماكينة الحرب لا تزال دائرة في بعض المناطق وتمهد للتحرك في مناطق وفي مجملها يمكن تصنيفها في قسمين: الاول هو: حروب بين دول متجاورة بسبب الحدود او مناطق نزاع فيما بينها. ثانيا: حروب داخلية بسبب الصراعات القبلية بين فئات اقلية او عرقية, تغذيها بعض الدول الكبرى لترجيح كفة فئة على اخرى, طبعا لمصالحها الشخصية. ولنبدأ بالرصد في اوروبا, لا تزال منطقة البلقان مشتعلة الآن من قبل الفتيل الروسي وطموحها في دول القوقاز, وهناك المشكلة الالبانية التي لم تنته تماما ولا تزال النيران تحت الرماد بينها وبين الصرب, فصربيا يراودها الحلم القديم في صربيا كبرى لا يزال ومن اجل هذا الحلم كانت البوسنة والهرسك, ثم حرب كوسوفو, والتاريخ القديم لمنطقة البلقان يؤكد انها ستظل دائما القنبلة الموقوتة في اوروبا, والتي يمكن ان تنفجر اي لحظة, كما ان الصراعات على متطلبات الحياة اليومية في دول البلقان يغذي حدة الصراع في العديد من المناطق هناك كما هو الحال في شرق مقدونيا, فلهيب الضائقة الاقتصادية يشعر بها المواطنون تحت اقدامهم هناك, وبلاد مثل بلغاريا ورومانيا لا تعاني من مشاكل جذور الخلافات العرقية, إلا ان تدني مستوى الحياة الاقتصادية يجعلها مناطق ساخنة وقابلة للانخراط في الصراعات المحتملة, كما ان المشكلة في ايرلندا الشمالية لم تنته تماما ولم يضع الصراع كل اوزاره خاصة وان بريطانيا لا تزال تحتفظ بقوات عسكرية لها في ايرلندا الشمالية وكأنها تستقرىء صراعات اخرى متجددة مع المستقبل, وفي اسبانيا يثور صراع الايتا المسلح ويجعل منها منطقة ساخنة, وما بين المنطقة الاوروبية والاسيوية ستمثل تركيا نقطة ساخنة من خلال ملف الاكراد, فعلى حدود تركيا الشرقية الجنوبية وفي بلدان اوروبا الغربية يوجد اكثر من 12 مليون كردي, بينما يتوزع الباقون ويزيدون على 15 مليون داخل العراق في الشمال وسوريا وايران واطراف ارمينيا, وسوف تفرض قضية الاكراد نفسها وبقوه لم يسبق لها مثيل خلال القرن الجديد. وفي اسيا هناك الصراع في شبه القارة الاسيوية بين الهند والباكستان والتنافس بينهما على امتلاك القوة النووية, وهو صراع له جذور بدأ عام 1947 عندما كان التوتر الاسيوي يسود المنطقة, وكانت صراعا الاقليات والطوائف الدينية بين المسلمين في باكستان والاغلبية من الهندوس في الهند, كما ان الصراع شمل منطقة حساسة وهي كشمير, والتي تسببت في قيام ثلاثة حروب بين البلدين بشأنها, وباكستان التي بدأت سرا بمساعدة الصين في برنامجها النووي الحقيقي كرد فعل على هزيمتها امام الهند عام 1972 في حرب البنجلاديش, مستمرة الآن هي والهند على حد سواء في التسلح النووي, كما ان اندونيسيا لا تزال حتى الآن نقطة صراع ساخنة خاصة بعد انفصال تيمور الشرقية وتفجر صراعات الملوكيين في امبون ومحاولتهم الانفصال والاستقلال بها على غرار ما حدث لتيمور الشرقية. ولعل من اشهر النزاعات والمناطق الساخنة في العالم هي في افريقيا, خاصة القرن الافريقي والتي ستعد مشاكلها من اعقد مشاكل الصراعات في القرن الجديد, فهناك الصراعات الافريقية في جنوب السودان ومثيلتها في الصومال والتي ادت الى انهيار الدولة الصومالية الموحدة وانتهاء تمثيلها الدولي منذ اكثر من 28 عاما وصراع في اريتريا بين قبائل الهوتو, وصراع قبائلي في الكونغو وتنبىء كل التوقعات للاوضاع في الكونغو الديمقراطي ان استمرار الحكم العسكري ضربا من المستحيل, فمن جاء بقوة العسكر سيرحل ايضا بقوة العسكر, خاصة وان تاريخ زائير او الكونغو الديمقراطية له باع طويل في المؤامرات والانقلابات العسكرية منذ استقلالها عام 1960 وحتى قبل استقلالها ايضا, وهناك صراع في انجولا وسيراليون وصراع حدودي في جيبوتي, وصراع بين اثيوبيا وارتيريا, وصراع حدودي بين الصومال واثيوبيا. وسيمثل الصراع النووي في تطور صوره واشكاله ملفا هاما من الملفات التي سيرثها القرن الجديد, فامريكا ابدت بوادر لتخليها عن الحماية النووية لاوروبا, واوروبا تسعى الآن ليكون لها استراتيجية نووية خاصة بها, وروسيا تحاول ان تستعيد مجدها القديم من خلال السلاح السنوي, وتكشر عن انيابها وترهب امريكا من خلال تعاونها مع بعض البلدان التي تثير مخاوف وعلامات استفهام كبيرة بالنسبة لامريكا والعالم العربي على غرار ايران, وتقف امريكا خلف اسرائىل لوقف التعاون الروسي مع ايران, حتى ان امريكا اتخذت اجراءات تهديدية لروسيا مؤخرا على غرار فرض حظر وعقوبات على 3 معاهد علمية في موسكو واتهمت المعاهد الروسية بالتعاون مع ايران في مجال التكنولوجيا, واوقفت واشنطن المساعدات المالية التي كانت تقدمها لمؤسسة (نيكيت) التي تعد واحدة من اهم المعاهد العلمية في روسيا بهذا المجال, كما هددت امريكا بوقف المساعدات نهائيا لروسيا, وهددت بوقف التعاون العلمي مع روسيا ومنع تحميل الاقمار الصناعية على متن السفن الفضائية الروسية, الامر الذي يعني توقف خطة ارسال 611 قمر صناعي وتبلغ تكلفة المرة الواحدة 130 مليون دولار, اي باجمالي 2080 مليون دولار من الممكن ان تخسرهم روسيا في حالة تنفيذ امريكا لتهديدها, وامريكا على يقين الآن ان ايران لديها طموح في امتلاك قوة نووية فاعلة, وتطوير صواريخ شهاب, ليقفز مداها من 1300 كيلومتر الى 6 آلاف كيلومتر. خبير الشئون الاستراتيجية العسكرية في هولندا