ستبقى الاسباب والنتائج السياسية للمعارك العسكرية والاشكالات الامنية الدائرة في الشمال وبعض المناطق الاخرى في لبنان غير واضحة ولا محددة حتى وقت بعيد, على عكس ما يتم الكشف عنه تدريجيا ويوميا بالنسبة للمواجهات والعمليات الميدانية . لكن بانتظار جلاء ذلك ونقل الحقائق الى فوق الطاولة, لا تبدو المعطيات المتوافرة حتى الآن بعيدة عن الوضوح المطلوب. ضمن السياق الأمني ففي اي سياق امني تأتي مواجهات الشمال في منطقة الضنية؟ سبقت الاحداث الراهنة عدة محطات, كان الاصوليون فيها في الواجهة حينا, وموضع احتمال مشاركتهم في احيان اخرى, ومن ذلك: 1 ـ اغتيال رئيس جمعية المشاريع الخيرية الاسلامية الشيخ نزار الحلبي (من الاحباش) على يد مسلحين, تبين انهم ينتمون الى تيار اسلامي آخر وقد تمت محاكمتهم بعد اعتقالهم. 2 ـ ظاهرة (ثورة الجياع) التي قادها الشيخ صبحى الطفيلي الذي كان احد اركان (حزب الله) واتخذت ثورته طابعا مذهبيا معينا رغم طروحاتها الشاملة باسم الجوع, وانتهت بحملة عسكرية نفذها الجيش ـ مشابهة لما يجري الآن في الشمال ـ وذلك في الاول من فبراير عام 1998 في حوزة عين بورضاي في بعلبك والطفيلي. 3 ـ ما حصل في طرابلس في الشمال في 21 سبتمبر عام 1997 اثر مواجهات مسلحة بين عناصر من قوى الامن الداخلي و(حركة التوحيد الاسلامي) بعد اقتحام اذاعة تملكها الحركة. 4 ـ اغتيال اربعة قضاة لبنانيين في قصر العدل في صيدا اثناء جلسة محاكمة علنية في 8 يونيو الماضي, وقد وجهت اصابع الاتهام في حينه, ولا تزال الى جهات فلسطينية اصولية وان كان الامر غير ثابت في هذا الاتجاه حتى الآن. 5 ـ اضافة الى حوادث أمنية متفرقة ومجهولة الجهات المنفذة منها سلسلة الاعتداءات على رجال الامن وخاصة شرطة المرور في صيدا, واخرى تمثلت بقتل سائقي اجرة بين طرابلس وبيروت وهم من المسلمين, والعثور على جثثهم مرمية في مناطق مسيحية بالقرب من جونية. من هم المسلحون الأصوليون؟ هل في لبنان فعلا جماعات اصولية مسلحة ذات مخططات عسكرية محددة تتدرب من اجل تحقيقها؟ في رأي المراقبين ان الجواب على هذا السؤال دقيق جدا بالنسبة للجميع خاصة للدولة اللبنانية, فالتيارات الاصولية (الاسلامية والمسيحية) الدينية والمسيسة والتي تدرب عناصرها عسكريا كما هو الحال بالنسبة لاي حزب علماني آخر مثلا موجودة ومعروفة لكن لم تظهر حتى الآن جماعة اصولية مسلحة, عسكرية محضة, من دون ان يكون هدفها الاول والاخير نشر دعوتها ومبادئها الدينية وبالتالي الاجتماعية والعامة, اي السياسية داخل المجتمع حيث تتواجد. لذا تكون المواجهات في الشمال حربا من الدولة على مذاهب اصولية لا مسلحين اصوليين يتم التعامل معهم وكأنهم مجرمون بارتكاب اعمال جنائية وان كان هذا لا يعني عدم وجود مجرمين او مخلين بالامن من بين هؤلاء كما هو واقع الحال بالنسبة لتجمعات اخرى لبنانية او متواجدة في لبنان. ولتأكيد الهوية الدينية للمسلحين تقول المعلومات ان الفلسطينيين احمد ابو خروب الذي هاجم مبنى السفارة الروسية الاثنين الماضي في بيروت كان احد مساعدي قائد الميليشيات الاسلامية في الشيشان الاردني جمال خطاب الذي يشارك شقيقه الاصغر احمد في قيادة المجموعات الاسلامية في شمال لبنان. وتفيد المعلومات ان التنظيم الذي تعمل تحت اشرافه الحركات الوهابية هو (حزب التحرير الاسلامي) الذي يتخذ من مخيم عين الحلوة قرب صيدا مقرا لقيادته ولا يعرف من قادته سوى الشيخ ابو محمد كنعان, وهو لبناني من طرابلس وكان ناشطا في صفوف الافغان الغرب الذين قاتلوا ضد القوات الروسية في افغانستان. ويشكل حزب التحرير الاسلامي مظلة تعمل ضمنها ثلاث حركات سلفية هي: (عصبة الانصار) , جماعة ابو محجن في عين الحلوة, (الحزب الوهابي اللبناني) بين صيدا واقليم الخروب و(جمعية الهداية والاحسان) ومحور نشاطها في طرابلس والشمال. وتضيف معلومات اخرى ان الاصوليين الموجودين في لبنان يتعدون تلك الاطر فالمطارات الدائرة في الشمال منذ ايام: تشمل متطرفين اصوليين لبنانيين واخرى غير لبنانيين, مطلوب من العدالة اللبنانية, وغير اللبنانية (في اشارة الى سوريا) ومنهم مسلحون بعضهم شيشانيون. ويضيف اصحاب تلك المعلومات قائلين: ان ما يصح على التيارات الاسلامية المتطرفة في الضنية والمنية, يصح كذلك على قوى مسيحية منها تيار القوات اللبنانية الحزب المنحل منذ مارس 1994 والممنوع حتى اشعار آخر من العودة الى الحياة السياسية في البلاد. التوقيت بين الأسباب والنتائج يبقى السؤال الاساسي المتداول في بيروت متمحورا حول اسباب توقيت تنفيذ الدولة لقرار قديم يهدف الى ضرب الاصوليين ربما بهدف تحجيمهم اكثر وربما المقصود هو تصفيتهم؟ البعض يرى ان الدولة ادركت بحاستها السادسة الاستخباراتية ان التمادي الاصولي يعني تحويل لبنان الى جزائر ثانية او انها تريد ان تذهب الى المفاوضات المرتقب عودتها اليها وهي مالكة لأمنها على ارضها المحررة على الاقل. يبقى ذلك من قبيل التحليل وهذا لا يعني انه خاطىء بل بعكس الغموض السياسي الكافي وراء معرفة اهداف الدولة في قرارها ذلك. وفي هذا المجال يلاحظ احد المراقبين ان ما يميز حوادث الضنية عن حادث اغتيال القضاة الاربعة في صيدا مثلا باعتبار ان وراءه اصوليون وفق الترجيح هو ان الحكم يواجه هذه المرة في الشمال اعتداء لا صلة له بخرق اسرائيلي استخباراتي بل يجد نفسه وجها لوجه امام قوى اغفلت السلطة في السنوات الماضية تصفية جيوبها انذاك قبل ان تتحول الى اكثر من جيوب. رغم معرفتها بدورها في التسبب باضطرابات داخلية منها ما يتردد عن تفجيرات ضد كنائس في طرابلس. وثمة اسباب عدة يرى البعض انها وراء القرار الحاسم لعهد الرئيس لحود بمواجهة ما يحدث في الشمال وربما قريبا في مناطق اخرى ومن تلك الاسباب: اولا: ازالة القشرة الامنية التي لا تزال تغلف الاستقرار الداخلي وتهدد بحصول خلل امني من هنا واخرى من هناك. ثانيا: اعطاء الفرصة السياسية الفعلية للقوى الاصولية المنخرطة اساسا في الحياة السياسية في البلاد غير المناوئة لمؤسساتها الدستورية والوطنية. ثالثا: مواكبة مرحلة التسوية في المنطقة وهو الامر الذي يعزز الاعتقاد بوجود الدعم السوري للعملية العسكرية التي ينفذها الجيش في الشمال بتخطيها مجرد ملاحقة متطرفين وفارين الى وضع حد نهائي لملف تيارات اصولية عدة تناوىء فكرة التسليم بسلطة الدولة وشرعيتها ومؤسساتها الدستورية. تلك اسباب يصر الحكم على النجاح بتحقيقها تحت عنوان عريض يؤسس لمرحلة جديدة في اعادة تنظيم الحياة السياسية الداخلية. لكن المعارك العسكرية لن تظهر هذا الامر الآن, لعله على المراقبين الانتظار حتى الانتخابات النيابية المقبلة وظهور نتائجها لمعرفة اين يقف لبنان السياسي في حياته الديمقراطية لا لبنان الامني فقط في قراراته العسكرية. جانب من قوى الامن اللبناني لحادث الاعتداء على السفارة الروسية. ـ أ. ب