يشكل استئناف المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية بعد طول توقف اختراقا مهما على هذا الصعيد, جهدت فيها وساطات اوروبية وغير اوروبية ناهيك عن مجهودات الادارة الامريكية.وقد افاضت الصحف الاسرائيلية دون سواها في الحديث عن تفاصيل مواقف الطرفين السوري والاسرائيلي, مشيرة الى ان هناك مفاوضات سرية سبقت الاعلان عن استئناف المفاوضات . وتشير توقعات المسئولين الى احتمال التوصل الى معاهدة سلام خلال بضعة اشهر, فاكثر من ثمانين في المئة من مواضيع المفاوضات انجزت وتمت الموافقة عليها من الطرفين السوري والاسرائيلي, على اساس التفاوض من حيث انتهت المفاوضات عام 1996 مع بعض التعديلات الطفيفة على مطالب سوريا بالعودة الى خط (4 يونيو 1967). ورغم تلميحات سوريا باستعادة الجولان بالقوة ان فشلت المفاوضات الا ان مسئوليها اكدوا على اقامة علاقات سلام مشيرين الى قبول التطبيع مع الدولة العبرية بكافة مجالاته. ولم يشر في اي تصريح سوري الى ربط بين توقيع المعاهدة مع اسرائيل وانسحابها من الارض الفلسطينية المحتلة عام ,1967 ويرى المراقبون انها اشارات على رغبة سورية في انجاز اتفاق حقيقي مع الدولة العبرية بدون اشتراطات مسبقة قد تؤدي الى تفجير المفاوضات. محاور تفاوضية تدور المفاوضات بشكل رئيسي حول اربعة محاور هي: الانسحاب, فالامن, ثم السلام والتطبيع, فالتزامن. وتطالب سوريا بانسحاب اسرائيلي من كامل هضبة الجولان الى حدود الرابع من يونيو وعلى اساس القرار 242. ولا توجد مؤشرات على قبول الطرف الاسرائىلي لذلك, فحكومة باراك ومن قبلها حكومة رابين ـ بيريز تصر على الانسحاب الى الحدود الدولية التي تم ترسمها عام 1923 بين فلسطين وسوريا والتي جعلت ما يسمى بـ (منطقة الحمة السورية) ضمن حدود دولة فلسطين وقد وقعت هذه المنطقة في قبضة سوريا بعد عام ,1949 وفق مصادر سياسية ووثائقية. وعلى هذا الاساس تصر اسرائيل على الاحتفاظ بهذه المنطقة وبضمها الشاطئ الشمالي الشرقي لبحيرة طبريا. وتطرح الحكومة الاسرائىلية من اجل ذلك اجراء تعديلات على حدود 4 يونيو 1967 بما يضمن اعادة منطقة الحمة الى السوريين مع استمرار سيطرة اسرائىل على بحيرة طبريا بالكامل. ويدخل في هذا الاطار ايضا موضوع المياه الذي تطالب اسرائىل بالاستمرار بالاحتفاظ بمصادرها في المنطقة بينما تطالب سوريا بتقاسم الحصص. اما الموضوع الاكثر حساسية بالنسبة للطرف الاسرائىلي فهو موضوع الامن. تشترط هذه الموضوعة شروطا عدة اهمها وضع محطة انذار مبكر في منطقة جبل الشيخ وهو ما وافق عليه السوريون في عهد رابين. ورغم ان النقاش تعثر في هذا الامر بين المطالب السورية والاسرائىلية الى انه تم التوصل الى صيغة مرضية هي ان تشرف الولايات المتحدة على نظم الانذار المبكر على ان تكون المراقبة عبر الاقمار الصناعية فقط, ولم تشر اية جهة اذا كانت سوريا قد وافقت على تواجد عناصر أمن اسرائيلية تحت اشراف امريكي في هذه المحطة ام لا. وتذكر المصادر ان هذه النقطة تضمنتها وثيقة الاهداف والمبادئ والتي تمسك السوريون بها وسميت بـ (وديعة رابين) . والنقطة الثانية في موضوعة الامن تشمل الاجراءات الامنية التبادلية, فقد اصر الجانب السوري عليها مقابل مطالب اسرائيل المتعددة في هذا المجال وتشير المصادر الى ان سوريا تجاوزت مطالبها فيما بعد بالتساوي في الاجراءات الامنية بين الطرفين ووافقت على مبدأ التكافؤ بحيث يتم تجريد المنطقة السورية المحاذية للجولان لمسافة 10 كم من السلاح, بينما يتم تجريد المنطقة الاسرائىلية لمسافة 6 كم فقط, اضافة لمطالب اسرائىلية اخرى بتخفيض عدد قوات الجيش السوري ومستوى تسلحه, وتقليص القوات السورية المدرعة بين الجولان ودمشق, وهذه المطالب لاتزال محل خلاف بين الطرفين. ويذكر ان الطرفين كانا سيناقشان دور القوات الدولية قبل ان تتوقف المفاوضات عام 1996 لكنهما كانا قد وصلا الى طريق مسدود اثناء مناقشة الفقرة الثانية حول مطالبة اسرائيل بأن يكون لها قدرات ارضية للانذار المبكر في الجولان حتى بعد ابرام السلام وتذكر مصادر سياسية سورية ان الاسرائيليين اشاروا الى انهم يريدون الاحتفاظ بنظامهم للانذار المبكر الموجود حالياً في جبل الشيخ, لكن سوريا رفضت وعدته انتقاصاً للسيادة السورية ونوعاً من التجسس على سوريا بعد السلام. عقدة اسرائيل ومن ضمن المحاور التفاوضية المعلقة بين سوريا واسرائيل مسألة السلام والتطبيع, ويشمل ذلك وفق المصادر اجراءات فتح السفارات والتبادل الدبلوماسي اضافة للتطبيع في العلاقات والسماح لمواطني البلدين بالزيارات التبادلية, وهو ما وافقت عليه سوريا منذ العام 1996 وفق مفهوم ان عملية التطبيع ليست مسألة ادارية تتحكم فيها الحكومات لكنها قرار وتوجه شعبي, وذلك يعني بأن علاقات اسرائيل ـ سوريا ستكون علاقات سلام عادية وليس بالشكل الذي يجري على الصعيد الاردني. وتصر سوريا على ان يبدأ التطبيع مع انتهاء آخر مرحلة من مراحل الانسحاب الاسرائيلي من الجولان, وان كانت لا تربط ذلك بانجاز السلام على كل المسارات. ويرى المراقبون ان مسألة التطبيع ستبقى عقدة اسرائيل في هذا المسار, وان سوريا ستسعى الى صيغة قريبة من الحالة المصرية بأن تسترد ارضها كاملة فيما تمنح الاسرائيليين تطبيعاً شكلياً ونظرياً دون تعميق العلاقات بين البلدين. وترى وجهة نظر اخرى ان الوصول لسلام مع سوريا سيفتح الباب لتغييرات اخرى ستؤثر دون شك على مسألة التطبيع فالولايات المتحدة الامريكية سوف تسعى والحالة هذه لاحياء صيغة الشرق اوسطية وسوف تعمل على نفخ روح جديدة في المؤتمر الاقتصادي للشرق الاوسط وشمال افريقيا ولا يستبعد ان تمارس واشنطن ضغوطاً على دمشق لتشارك في هذه الصياغة الجديدة طالما التزمت اسرائيل بالانسحاب من الجولان. ثم ان تحقيق التقدم على المسار السوري سيرفع الحرج عن بعض البلدان العربية التي اضطرت لوقف تعاونها مع اسرائيل ويدفعها لاعادة النظر في هذه السياسة وتفتح من جديد القنوات التي جمدها عهد بنيامين نتانياهو. وتشير الدراسات الى ان الشرق أوسطية ليست الصيغة الوحيدة التي تشارك فيها سوريا واسرائيل, فهناك صعيد آخر لهذا التطبيع قد تصعب مقاومته او وقف آثاره وهو التعاون الاوروبي المتوسطي, فكل من دمشق وتل أبيب متوسطي وشريك فيه. وتأتي المدة الزمنية اللازمة لانجاز معاهدة السلام والانسحاب الكامل من الجولان هي النقطة الرابعة في محاور المفاوضات حيث لا تزال هناك خلافات بين سوريا واسرائيل حول مدة الانسحاب. وتطالب سوريا الا تتجاوز هذه المدة سنة واحدة على الأبعد بينما تتحدث اسرائيل عن 4 ـ 6 سنوات, رغم ان هناك حديثا عن حل وسط البلدين يختصر هذه المدة لتصل الى سنتين على ابعد تقدير. وتقول المصادر ان هناك حديث عن الاتفاق اولاً على اطار مفصل لقضايا المفاوضات ينهي حالة الحرب بين الطرفين, شرط ان تحل اولاً قضايا الامن والسلام والتطبيع والتزامن قبل ان يتم التطرق الى الانسحاب من الجولان الذي تعتبر اسرائيل ان عمق الانسحاب منه سيكون بعمق الترتيبات التي ستوافق عليها سوريا كنتيجة لهذا الانسحاب. المسار السوري ـ اللبناني ومن المحاور المضافة الى لائحة المفاوضات هو موضوع الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان والذي يفترض ان تسير مفاوضاته مع لبنان بالتوازي مع المفاوضات على المسار السوري, اضافة الى انجاز الانسحابين من الجولان وجنوب لبنان بشكل متزامن. ويرى المراقبون ان تلازم المسارين السوري واللبناني فيما يتعلق بأية تسوية سلمية في هذه المنطقة هو تلازم عضوي, ولا يمكن الحديث عن احدهما الا من خلال ربطه بالآخر. وأسباب ذلك وفق المراقبين ان الامتداد الجغرافي للجبهة الشمالية مع اسرائيل تشمل حدود لبنان, وحدود سوريا مع اسرائيل, كما ان الامتداد الجغرافي لهذه الارض يؤكد وحدة العمل العسكري على امتداد هذين البلدين المتجاورين اضافة للعوامل الاخرى مثل العامل القومي الذي يربط بين الشقيقين اللبناني والسوري, والعامل الاقتصادي الذي يجعل اقتصاد البلدين متشابكاً, وهناك العامل المائي وغيره من العوامل الاخرى. ولا بد من الاشارة هنا الى وحدة الحدود بين البلدين فيما يتعلق بشمال فلسطين, وهي وحدة لا يمكن تجزئتها من حيث العمل العسكري, من هنا نقول ان تلازم المسارين السوري واللبناني تجاه اسرائيل هو تلازم عضوي لانه ينطبق على جزأين من الاراضي المحتلة هما الجنوب اللبناني والجولان السوري ولذا اصبح من الطبيعي ان ينعكس كل عمل عسكري في احدهما على الآخر سواء كان عدوانا عسكرياً او عمل مقاومة وطنية او فكرة انسحاب اسرائيل من الجنوب اللبناني سواء كان هذا الانسحاب جزئياً ام كلياً. ويبدو في اطار هذين المسارين ان اسرائيل ستوافق على استمرار اطلاق يد سوريا في لبنان في مرحلة ما بعد اتفاقيات السلام في محاولة لارضاء سوريا والتأكد من الالتزام اللبناني بمنع حزب الله من تنفيذه عمليات عسكرية ضد الدولة العبرية, حيث ان سوريا تستطيع من خلال علاقاتها المميزة مع حزب الله اقناعه بالتوقف عن عملياته العسكرية بعد استعادة جميع المناطق المحتلة في جنوب لبنان. التعويضات ومتعلقات اخرى من ضمن هذه المتعلقات بمحاور المفاوضات مطالبة اسرائيل للولايات المتحدة الامريكية بتعويضات عن الانسحاب من الجولان تصل قيمتها حسب احد التقديرات الى 18 مليار دولار لحوالي 17 الف مستوطن يقطنون الجولان وسيضطرون لمغادرتها في حال توقيع المعاهدة مع سوريا. ويشمل هذا المبلغ ايضا كلفة الانسحاب وتشغيل محطات الانذار المبكر. وعلى الرغم من ان الإدارة الامريكية ترفض مبدأ التعويضات, الا انها اجلت ذلك لمرحلة لاحقة لمعرفتها انها ستضطر لخوض معركة شرسة بشأنها مع الكونجرس الامريكي ذي الاغلبية الجمهورية الذي يعارض بشدة مبدأ دفع التعويضات على صعيد عملية التسوية. وتبقى هناك مسألة تعهد باراك بعرض اي اتفاق يتم التوصل اليه مع سوريا للاستفتاء الشعبي بعد موافقة الكنيست عليه, وهو ماقد يشكل عقبة امام تنفيذ الاتفاق في ظل ميل الشارع الاسرائيلي نحو رفض الانسحاب من الجولان وان كان باغلبية بسيطة. وقد ذكر آخر استطلاع اجرته صحيفة يديعون احرونوت في (10/12/99) ان 45% من الاسرائيليين ضد الانسحاب مقابل سلام كامل يتضمن الانسحاب من لبنان وترتيبات امنية مناسبة, بينما ايد 45% الانسحاب ضمن هذه الترتيبات. وتعتقد اوساط اسرائيلية ان المعارضة قد تخف حدتها في حالة تحقيق تفاهم مع سوريا ولبنان, وان الحكومة الاسرائيلية ستعمد الى عرض مجمل الاتفاقيات النهائية: الانسحاب من الجولان والانسحاب من جنوب لبنان والاتفاقيات النهائية مع الفلسطينيين معا يشكل استفتاء رزمة واحدة يتضمن انهاء حالة الحرب مع الدول العربية, وهو ما قد يزيد من فرص نجاح الاستفتاء اذا استطاع باراك تجاوز المعارضة قبل ذلك داخل ائتلاف الحكم. قوات اسرائيلية تحتل الجولان