هل يمكن ان يكون رئيس الدولة رئيسا, او امينا عاما, او رئيسا لمجلس الامناء بمرفق في الدولة مثل الجامعة؟ يبدو ان ذلك سوف يحدث في مصر, والخبر اذيع منذ ايام عقب لقاء بين الرئيس مبارك والدكتور احمد زويل الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء . قبلها كنت قد التقيت الى العالم المصري في رحاب جامعة القاهرة, وفي لقاء ضم اساتذة ورؤساء الجامعات ومراكز البحث العلمي. وقبلها كنت قد استمعت لآراء زويل في قضية العالم والتكنولوجيا كقضية حياة او موت بالنسبة للوطن العربي كله, وكانت كلماته في اجتماع الجامعة صريحة, فإما ان نقرر ان نكون على خريطة العالم او لا نكون! وبقدر ماساءني ان يكون نصف الاجتماع ولمدة ساعة ونصف الساعة احتفاليا حتى انه تضمن قصيدة شعر تتغزل في زويل بقدر ما احسست ان الاجتماع الذي استمر الى منتصف الليل قد حقق امرين: الاول اعادة تمصير احمد زويل الذي ترك مصر عام 69 وعاد اليها حاملا جائزة نوبل عام 99 اي بعد ثلاثين عاما, صحيح انه لم يفقد صلته بوطنه مصر وببلدته (دمنهور) وبجامعته المصرية بل انه ساهم في بعض الاعمال العلمية الهامة قبل ان يفوز بالجائزة, كل هذا صحيح لكن الدفء الذي احيط به في هذا الاحتفال وفي احتفالات اخرى شبيهة اختارت ان تذيع الاناشيد الوطنية واغنيات ام كلثوم الحماسية هذا الدفء هو ما اقول انه لابد ان يصنع انجذابا شديدا عند زويل لخدمة وطنه, رغم انه يحمل الجنسية الامريكية وبات شخصية عالمية, وهمومه العلمية هموم غير قليلة. اما الامرالثاني فهو الكلمات البسيطة التي خاطب فيها زويل رجال الجامعات, فالبحث العلمي هو اداة التقدم, وهو لا يعتمد على المال قدر اعتماده على المبادرة والاصرار, وروح الفريق وامتلاك بنية اساسية. ماذا نملك من كل ذلك في وطننا العربي؟ تلك هي القضية فنحن نستهلك المعرفة ولا تنتجها نشتري ما نتنتجه التكنولوجيا ولانقوم بتصنيعها. نفضل مايسميه رجال الصناعة (تسليم مفتاح) لكننا لانصنع الة ثقيلة, او موتور سيارة خفيفة, ننفق الملايين على الجامعات لكننا نستورد الكوكاكولا والجوارب وادوات الحلاقة والجلباب الصيني! هل نحن مقصرون في قضية التكنولوجيا التي يصنعها بحث علمي وبراءة اختراع واجتهاد معلمي؟ الاجابة نعم, والمقارنة وارد, فهناك عشرة بلاد تنفق (84%) من ميزانية البحث العلمي في العالم وهي نفسها تحتكر 95% من براءات الاختراع التي يتم تسجيلها في الولايات المتحدة وبطبيعة الحال فليس بين هذه البلاد بلد عربي واحد, والمقارنة تزداد فداحة حين نقارن نصيب الفرد العربي من ميزانية البحث العلمي مع نصيب الفرد الاسرائيلي على سبيل المثال. نحن متخلفون رغم ارتفاع نسبة التعليم ونحن خارج العصر رغم اننا نملك معظم ادواته ولاسبيل للتقدم ودخول العصر بغيراكتشاف كلمات السر: تكنولوجيا المعلومات, التكنولوجيا النووية, تكنولوجيا الهندسة الوراثية, والمقصود هنا ان ننتج لا ان نتلقى المعرفة. هل تكون البداية من الجامعات؟ من الطبيعي ان يحدث ذلك, وحين انطلقت في الولايات المتحدة منذ حقبتين او ثلاث كلمة (امة في خطر) كانت الاجابة (والحل في تطوير التعليم) . في بلادنا يزداد عدد المتعلمين ولايزداد العلم, فما هي نقطة التحول؟ يقترح احمد زويل انشاء جامعة خاصة للطلاب المتميزين وللدراسات العليا.. جامعة يقتصر فيها التدريس على العلوم (الاولى بالرعاية) مثل علوم الذرة والفضاء والعلوم الطبيعية الدقيقة والمعلومات والكمبيوتر وعلم التسويق والتكنولوجيا الفائقة التقدم في الصناعة. اقترح زويل ذلك وحصل على موافقة الرئيس مبارك وقال انها لم تكن مجرد جامعة مصرية لكنها ستكون لكل العرب. مساهمة وتمويلا, وتدريسا, وطلابا. والاقتراح هنا وجيه فعند انشاء صناعة كبيرة لابد من البحث عن سوق كبير ونفس الشيء بالنسبة لجامعة من هذا الطراز فلا فائدة من تكرارها على المستوى العربي, ولا فائدة من اضعاف امكاناتها, بل ان اتحاد الامكانيات هو ما يستطيع ان يصنع شيئا كبيرا. الجامعة تقرر انشاؤها في مدينة 6 اكتوبر وزويل يقترح ان يكون رئيس مجلس الامناء هو الرئيس مبارك شخصيا, وهو ما لقي قبولا على ما يبدو عند الرئيس. انها المساندة السياسية التي تدفع بعمل علمي او اقتصادي, ولماذا لايكون بالفعل رئيس الدولة راعيا لجامعة بعينها, امينا على اهدافها؟ ذلك هو ما تقرر ولفت النظر: رئيس دولة في مقعد رئيس مجلس الامناء!!