حين كنت اكتب في الاسبوع الماضي مقالاً لهذه الزاوية اثير فيه موضوع المعتقلين اللبنانيين في السجون الاسرائيلية, واصرار تل ابيب على معرفة مصير الطيار رون اراد الذي سقطت طيارته فوق جنوب لبنان في العام 1986 ما كان ليدور في خلدي ان الحكومة الالمانية كانت تجري مفاوضات سرية مع الحكومة الاسرائيلية لاطلاق سراح خمسة معتقلين لبنانيين, هم قيد الاحتجاز الاداري منذ اكثر من عشر سنوات مقابل تزويدها بالمعلومات المتوافرة حول مصير الطيار الاسرائيلي الحدس السياسي يسبق احياناً المعلومات السياسية. فوجئت بالحدث ولم افاجأ بأن تكون الوساطة المانية, فقد نجح وزير الدولة الألماني لشئون الأمن برند شميدت بادر في العام 1996 بالافراج عن 45 معتقلاً لبنانياً وتسليم 132 جثة لمقاومين لبنانيين في مقابل تسلم اسرائيل رفات جنديين من اصل أربعة جنود سقطوا في معركة السلطان يعقوب خلال اجتياح العام 1982 وقد تكون الوساطة الثانية تكملة للوساطة الاولى, وقد تحضر لوساطة ثالثة تدور رحاها حول الافراج عن رود اراد إذا كان لا يزال حياً. في المحصلة ليس مهماً من يتوسط لدى من؟ المهم ان يتحرك موضوع المعتقلين اللبنانيين سواء أكان الامر عبر اتصالات سرية ام عبر المفاوضات العلنية التي استؤنفت على المسار السوري والتي ستستأنف قريباً على المسار اللبناني. بالطبع ينفي (حزب الله) وجود اي (صفقة) بينه وبين اسرائيل في هذا الشأن, ولا يوافق الجانب اللبناني على الربط بين هذه العملية وعملية استئناف مفاوضات السلام لكن الافراج عن المعتقلين يدل بحد ذاته على تحسن ملحوظ في مناخات أزمة الشرق الاوسط, وينبىء بتبادل (حسن النيات) بين (حزب الله) وايران واسرائيل بالواسطة, وبين سوريا ولبنان واسرائيل التي تستعد لاستئناف المفاوضات وجهاً لوجه. وليس من باب الصدفة ان يتزامن الافراج عن هؤلاء المعتقلين الخمسة مع اعلان ايهود باراك عن نيته في تقديم موعد انسحاب الجيش الاسرائيلي من لبنان من يوليو المقبل, كما وعد اثناء حملته الانتخابية الى ابريل لمعرفته بأن دمشق تدرك ان انجاز المفاوضات في الربيع يخدم صديقهما بيل كلينتون. وليس من باب الصدفة ايضاً ان يعطي ايهود باراك موافقته على خطة الانسحاب العسكري من لبنان التي وضعتها هيئة اركان الجيش الاسرائيلي تحت تسمية (الافق الجديد) وان يأمر بموجبها ببدء عمليات مسح الاراضي على طول خط الحدود الدولية مع لبنان وبناء سياج جديد واقامة التحصينات حول المستعمرات استعداداً لتنفيذ قرار الانسحاب في غضون ثلاثة ايام في حال اتخاذه وقد تبلغ تكاليف هذه الخطة حوالي 240 مليون دولار. من الطبيعي ان لا نغرق في التفاؤل المبكر وما زالت مفاوضات السلام في بداياتها ولكن من الطبيعي ان نورد الايجابيات من دون اغفال السلبيات ومنها ان حركة (شاس) كادت ان تنسحب من الائتلاف الحكومي لو لم تحصل على مخصصات مالية لدعم المدارس الدينية التابعة لها, وان الحاخام المتصوف كادوري دعا الى عدم التنازل عن الجولان بأي ثمن بحجة (ان الجولان ارض اورثها النبي لابناء شعبه) . من نافلة القول ان المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية تسير على حبل رفيع ومشدود الى اقصى حد والفارق واه بين ان يقطع المفاوضون المسافة التي تفصلهم عن السلام من دون ان يقعوا او ان يسقطوا عن الحبل بفعل التشدد والمزايدات او بفعل مفاجآت غير متوقعة. ومما لا شك فيه ان الوضع السوري هو اكثر تماسكاً من الوضع الاسرائيلي لكن هذا الواقع لا يبرر اقدام المفاوض الاسرائيلي على استخدام الصعوبات الداخلية لابتزاز المفاوض السوري, ولا ان يفرض على الطرف السوري تنازلات بقصد تعزيز مواقع ايهود باراك ولا يعقل ان يستثمر طرف صعوباته الداخلية بقصد تحقيق مكاسب على حساب الطرف الآخر. صحيح ان اسرائيل اقدر من سوريا على الحرب لكن الصحيح ايضاً ان سوريا تبدو الاقدر على السلام وطالما ان الوضع على هذه الشاكلة لا استغرب ان تبقى المفاوضات مشدودة حتى لحظاتها الاخيرة مع ثقتي بأن الحبل لن ينقطع وان المفاوضين سيجتازون ولو بمشقة المسافة التي تفصلهم عن سلام الشرق الاوسط.