جاء توقيت استقالة الرئيس الروسي بوريس يلتسين في وقت يتلاءم معه تماما بصفة شخصية, ومتأخر بالنسبة للحالة العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفقا لرؤية المراقبين السياسيين, فمن ناحية ملائمة المناخ السياسي, فصحة يلتسين لم تعد تسمح له بتحمل تبعات ومهام المنصب, وهو الأمر الذي أثر بصورة واضحة على هيبته كزعيم لأكبر دولة متبقية من الاتحاد السوفييتي, وتخبطه السياسي جعل صورته تهتز أمام الشعب وهو الأمر الذي تزايدت معه مؤشرات رحيله مع الانتخابات الرئاسية المقرر عقدها في مارس المقبل, أما استقالته التي تعد متأخرة بالنسبة لحالة الدولة حيث تسببت سياسته في اثقال روسيا بالديون ولم يحقق أحلام الشعب في الرخاء, كما جر روسيا إلى حروب دموية كانت في غنى عنها في وقت تحتاج فيه لكل دولار لرفع المستوى الاجتماعي الداخلي. كما تسببت سياسته في اثارة غضب الغرب ومنع المساعدات وتجميد المعونات, والآن وقد ثقلت الأعباء على يلتسين, قرر ان يسلم هذه التركة المثقلة إلى من اختاره مقدما وهو رئيس وزرائه (فلاديمير بوتين) , وفي 26 مارس سيتوجه الروس للادلاء بأصواتهم لانتخاب الرئيس وذلك في انتخابات مبكرة. فما هو مستقبل روسيا في ظل سياسة الرئيس الجديد بوتين؟ وهل من المتوقع فوز بوتين في الانتخابات الرئاسية المقبلة؟ وما هي ردود الفعل الأوروبية من هذا التغيير السياسي غير المتوقع مع الألفية الجديدة. هذه الأسئلة وغيرها حملتها (البيان) إلى الدكتور (بارادوسكوفيتش) خبير شئون شرق أوروبا بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في هولندا: ماهي ردود الفعل الأوروبية لاستقالة يلتسين والقراءات الحالية في سياسة بوتين؟ لقد اتسمت معظم ردود الأفعال الأوروبية بالارتياح والترحيب لاستقالة يلتسين, أولا لقيت ترحيباً داخل صفوف الشعب الروسي, حتى ان أثر ذلك انعكس بصورة سريعة على ارتفاع قيمة الأسهم والسندات المالية داخل بورصة موسكو, وحكومة هولندا رغم مفاجأة الاستقالة إلا انها بعثت السرور والبهجة لدى الساسة, وأكد (فان ارتسين) وزير خارجية هولندا ورجالات البرلمان عن ارتياحهم لقدوم (فلاديمير بوتين) وقال وزير خارجية هولندا بأن صورة يلتسين لا تزال في أذهان أوروبا انه الرجل الواقع على دبابة, وهو يشير في هذا إلى قدومه للسلطة عام 91 في موسكو بعد ان تمكن من اجهاض التمرد الشيوعي وحركتهم الانقلابية ومحاولة استيلاء الشيوعيين على البرلمان الروسي, وتمكنه من انقاذ الديمقراطية في الفيدرالية الروسية. لقد اختار يلتسين المناخ السياسي الملائم له للرحيل وافساح الطريق لمزيد من الاستقرار السياسي, فقد رحل بصورة كريمة بالنسبة له تقيه اراقة ماء الوجه, أما القراءات في سياسة بوتين, تتضح من تصريحات بوتين الأولية انه لن يجري تعديلات في السياسة الخارجية والسياسية والاقتصادية, وترى الخارجية الهولندية ان الرئيس الجديد بوتين رجل سياسة قوي وعملي وان التعامل معه يؤدي إلى نتائج جيدة وعميقة وتعلق أوروبا على بوتين الرجل القوي ان يتوصل إلى حل للصراع الروسي الدائر في الشيشان وانهاء عمليات العنف التي تقوم بها القوات الروسية, فبوتين أكثر جدية من يلتسين, وهو الشخص المناسب لهذه المرحلة الحرجة التي تمر بها روسيا, ولا يزال شابا, وقد أثبت خلال الأشهر الماضية قدرته على التصرف الحاسم واتخاذ القرار, لكن عليه ان يثبت قدرته في الحفاظ على الديمقراطية و تنميتها, وأتوقع له ان يكون شريكا مناسبا للغرب, الذي كان يأمل في استقالة يلتسين في وقت مبكر عن الآن وفقا لمتطلبات المرحلة السياسية الروسية الحالية مع الغرب, لكن يجب في هذا المجال ألا نغفل ان يلتسين قدم خدمات سياسية كبيرة للغرب ووفر عليها الكثير. هل من المتوقع فوز بوتين في الانتخابات الرئاسية المقبلة؟ مجيء يلتسين ببوتين كان مفاجأة للغرب لكنه كان مناسبا في ذات الوقت, ولا نستطيع الجزم تماما بما سيفعله بوتين, فكل ما يعرف عنه ان رجل مخابرات وله دور واضح في حرب الشيشان ويرى بعض الساسة ان ما حدث الآن هو تنازل رجل غير متوازن سياسيا لشاب مجهول عن كرسي السلطة, ولا يرون من بوتين إلا انه رجل حرب, وان فرحة الكرملين برحيل يلتسين وقدوم بوتين انما تستند على عنصرين هامين وهما : الأول لهجته الشيفونية القومية العالية, العنصر الثاني: هو قدرته على ادارة ماكينة الحرب, ورغم ان هذا الرأي له اعتباراته إلا انني أتوقع ان ينجح بوتين في الانتخابات الرئاسية المقبلة, فهو يحظى بشعبية جماهيرية نظرا لما يقوم بها من حملات عسكرية في الشيشان, والتطور الأخير زاد من اسهمه السياسية الآن لدى الشعب الروسي, والغرب يضع في اعتباره مع ترحيبه الآن بقدوم بوتين ان نجاحه في استعادة الخبراء العسكريين السابقين لروسيا انما يعني أمرين أولهما قدرته العسكرية الداخلية, والأمر الثاني رسالة ضمنية عسكرية للغرب تؤكد لهم ان الجيش الروسي لا يزال قويا. ما هي الأسباب الحقيقية وراء وثيقة الأمان التي حصل عليها يلتسين من بوتين؟ لقد شهدت روسيا خلال الفترة الماضية اتباع الادارة السياسية في الكرملين تصرفات سياسية غير عادية وسلوك اقتصادي أهدر المليارات من الأموال الروسية, وهو أمر لو حدث في أي بلد آخر على الأقل في أوروبا الغربية لأدى إلى محاكمة القيادة السياسية ويلتسين يعلم جيدا, وأول تهمة كانت ستوجه إليه هي الفساد السياسي وضياع أموال روسيا, لذلك كان عليه ان يضمن عدم تعرضه للمحاكمة أو السجن, خاصة وان القوانين الروسية المتخلفة من الإرث الشيوعي قاسية جدا في محاكمة المتسببين في ضياع المال العام وأموال الدولة, والأمر الذي لم يكن متوقعا هو توقيع بوتين على هذه الوثيقة وهو الأمر الذي سيحميه من أية ملاحقة قانونية أو القبض عليه أو محاكمته عن أية مشاكل فساد أو مشاكل ادارية, ولكن الأمر سيصبح مختلفا من الناحية الدستورية إذا لم يصبح بوتين هو الرئيس لروسيا في مارس المقبل, وتم اختيار شخص آخر, فلن تجد لهذه الوثيقة قيمة رسمية مع الأخذ في الاعتبار بأنه لا يوجد شخص آخر حتى الآن مرشح لرئاسة روسيا خلاف بوتين. أمستردام سعيد السبكي