في الوقت الذي تعتمد فيه روسيا على صندوق النقد الدولي لدعم اقتصادها لم تحقق هذه القوة العظمى في المقابل وضعا لها على المستوى السياسي. التطورات الاخيرة اظهرت انه على رغم ان حجم هذه الدولة وقوتها العسكرية يضمنان لها موقعا اقليميا , فإن ايام ممارسة ذلك النفوذ خلف ما كان يعرف بالقسم الغربي من الاتحاد السوفييتي قد ولت. عندما أرادت موسكو ان تعزز حضورها في مطار بريشتينا في يوليو من العام الجاري مندفعة في تحدي حلف شمال الاطلسي, فإن جهود الجيش الاحمر عرقلها حلفاء سابقون لهذا الجيش من بلغاريا ورومانيا وهنجاريا العضو الجديد في حلف الاطلسي الذين رفضوا جميعهم حقوق موسكو في القفز فوق الوضع, ما يعني انه لا يحق لموسكو ان تعزز وجودها في كوسوفو قبل ان يوافق حلف الاطلسي على دور محدد لها في الاقليم. في المقابل كانت تجري تطورات اكثر جدية في الحديقة الخلفية الروسية فعلى هامش احتفالات الاطلسي بالذكرى الخمسين لتأسيسه في يونيو لم ينتبه كثيرون الى الاجتماع الذي عقده في واشنطن حلف يتخذ اكثر فأكثر طابعا رسميا وهو حلف جوام الاسم يرمز الى الحروف الاولى GUUAM من اسماء الدول المشاركة فيه الذي يضم كلا من جورجيا واوكرانيا واوزبكستان وانضمت اليها اخيرا كل من اذربيجان ومولدوفا. هذه الدول الاعضاء في كومنولث الدول المستقلة تشترك في رفضها لهيمنة موسكو على تلك المنظمة CIS السياسية وتتحدث بوضوح متزايد عن ضرورة كبح نفوذ العاصمة الروسية في غير منطقة ولا سيما في جنوب القوقاز. وشهد اجتماع حلف (جوام) توقيع وثائق توسيع دور المنظمة من مسائل مبدئية كالتجارة الى شؤون الدفاع والتعاون الامني, وأرسيت قواعد جديدة تسمح باقامة مراكز ثابتة للحلف في عواصم كل من الدول المشاركة فيه, وعقد اعضاء الحلف لقاءات ثنائية كذلك مع كبار مسؤولي حلف شمال الاطلسي الهدف منها تعزيز التعاون المستقبلي بين عواصم دول الحلف الناشىء والحلف الغربي. واعترف مساعد وزير الخارجية الاذربيجاني (آراز عظيموف) في لندن اخيرا بأن عقد اجتماع حلف جوام في اثناء قمة الاطلسي في واشنطن لم يكن عرضيا.. اردنا ان نبعث برسالة الى بعض الاطراف وفي رد على الحضور المتزايد للحلف الجديد, وجه وزير الخارجية الروسي ايجور ايفانوف انتقادا شديدا للمنظمة السياسية الناشئة قائلا انها تحولت الى اتحاد عسكري سياسي, لكن اعضاء جوام ردوا بقوة على الانتقادات الروسية فقال وزير خارجية جورجيا ان احد لا يحق له ان يعلم جوريجا.. مع من يمكنها التعاون وفي اي محور سياسي تنخرط. الانتقادات الاخيرة المتزايدة الصادرة من موسكو ضد دول حلف جوام تناقض الى حد ما مواقفها السابقة من هذه المنظة فحتى الربيع الماضي كانت موسكو تتجاهل الحلف (كان لا يضم في حينه اوزبكستان) متقبلة التوضيحات الواردة من عواصم دول التجمع التي حصرت اهدافه بتقوية العلاقات التجارية بين الاعضاء لكن على رغم ذلك فإن القرار الاخير الذي اتخذه ثلاثة اعضاء هم جورجيا وازوبكستان واذربيجان بعدم تجديد عضويتهم في اتفاقية طشقند الموقعة العام 1992. تعد الوثيقة الامنية الرئيسية وهي جوهر التعاون بين اعضاء كومنولث الدول المستقلة كان بمثابة صدمة لموسكو فمن دون تأييد هذه الدول الثلاث لمقتضيات الاتفاقية لا يمكن للكومنولث ان يكون حلفا قويا, وذلك على رغم ان دوله ترتبط باجواء مشتركة واتفاقات ثنائية اخرى مع روسيا, وفي المقابل شددت دول حلف جوام على ان يجير اتفاق الامن الجماعي في كومنولث الدول المستقلة لمصلحة التقارب مع حلف الاطلسي وارساء تعاون اوثق معه. وتتهم موسكو (وروسيا البيضاء التي ترتبط مع روسيا باتحاد كونفدرالي) تجمع جوام بأنه كان السبب الرئيسي وراء الاجتماع الفاشل الذي عقده في الرابع من يونيو الماضي وزراء خارجية الدول المستقلة في مينسك. اجتماع مينسك استهدف احياء التعاون بين اعضاء الكومنولث على مستوى رفع القيود الجمركية عن التجارة بين اعضائه وتوقيع اتفاق يسمح باجراء فحص دقيق ومطول لآلية غير مجدية لاتخاذ القرارات في منظمة كومنولث الدول المستقلة.. وعلى رغم ذلك فإن انهيارا كاملا ومشينا تم تداركه في اللحظة الاخيرة عندما وافق وزراء الخارجية على رفع مسودة قرارات الى مجلس قادة دول الحلف معلقين عمليا النزاع وملقين مسؤولية حله على عاتق القادة, وقد عززت تعليقات صدرت اخيرا عن رؤساء دول حلف جوام مخاوف روسيا من ان دولهم تجهد للتحرر من المحور الروسي والابتعاد بوضوح عن نفوذه. الرئيس الجورجي ادوارد شيفارنادزة الذي ابحر غير مرة عكس تيار التدخل الروسي في المنطقة, ومنه دعم حركة التمرد في ابخازيا, قال ان الوقت لم يحن بعد لبلاده كي تتقدم بطلب عضوية الى حلف شمال الاطلسي, مشيرا في المقابل الى طول مدة اقامته في السلطة, ويواصل شيفارنادزة انتقاد ما يسميه الدعم الروسي السافر لانفصال اقليم ابخازيا عن جورجيا وبرز ذلك في حملة التحضير للانتخابات الرئاسية في المنطقة التي تجري في اكتوبر من السنة الجارية. علاقات اوزبكستان مع روسيا ازدادت برودة منذ ان بدأ رئيس البلاد اسلام كريموف يتصرف وكأنه زعيم الامر الواقع لمنطقة وسط آسيا, فالجهود التي يبذلها لاحياء امجاد غابرة من خلال طريق الحرير الجديدة وطائفة الـ (تامر لاين) تعكس نهمه على دفن النفوذ الذي كانت تتمتع به موسكو في المنطقة وتأكيدا لذلك, اعلنت الحكومة الاوزبكية في السادس والعشرين من يوليو عن خطة لبناء نصب تذكاري مميز في طشقند للاشخاص الذين عانوا في ظل النظام الشيوعي, وفي ضربة واضحة لآمال موسكو في احياء الاتحاد السوفييتي من خلال كومنولث الدول المستقلة عبرت الحكومة الاوزبكية عن نيتها ان تطبع في الشباب (روح الاحترام الكامل لبطولة الجدود وعدم انانيتهم, والايمان بانتصار العدالة الاجتماعية, والتفاني في سبيل خدمة افكار الاستقلال والوطنية. وبعيدا لجهة الغرب, كانت اذربيجان في المدة الاخيرة عرضة لانتقادات من جانب موسكو, بسبب مواصلة اجتذابها شركات استثمار غربية ودعما خارجيا لتطوير احتياطها الكبير من النفط الخام الموجود داخل المياه . رئيس البلاد حيدر علييف طالما عبر عن نيته وضع مسافة في التعاطي بين باكو وموسكو. وقد دعا بشكل علني حلف الاطلسي الى ان يكون وسيطا في النزاع على الارض بين اذربيجان وارمينيا فيما يتعلق باقليم ناجورنو كاراباخ. وتنظر العاصمة الروسية في المدة الاخيرة بشكل متزايد الى حلف جوام على انه حلف معاد لكومنولث الدول المستقلة, وهناك مخاوف من ان يتحول الحلف بمثابة (حصان طروادة) للمصالح التركية في المنطقة, كما يوضح (روي آليسون) من المعهد الملكي للعلاقات الخارجية في لندن, ويقول آليسون) ان العلاقات الوطيدة بين المتنامية بين اعضاء حلف غوام ولاسيما منهم دولتا اذربيجان واوزبكستان, والدور التركي الناشط في منطقة القوقاز, كلها تسجل انعاشا لتجاذبات العداء التي طبعت مرحلة ماقبل الحرب العالمية الاولى بين كل من تركيا وروسيا. وقد اكد مساعد وزير الخارجية الاذربيجاني (عظيموف) في لندن على ان دول حلف جوام تنظر بشكل اقوى اليوم الى دور لحلفهم يتجاوز التعاون التجاري والتعاون لضمان امن انابيب النفط. واوضح ان المسؤوليات الكبيرة الملقاة على عاتق التجمع في لقاء واشنطن ستترجم على ارض الواقع قريبا. ويقول: ان تغلغل حلف الاطلسي في منطقة وسط اوروبا تقابله موسكو بتعزيز قبضتها على منطقة القوقاز ووسط آسيا وهذا مالن نسمح به, على حد تعبيره. ويضيف: اننا جميعنا في الحلف ملتزمون الحفاظ على حرية قرارنا وسيادتنا على اراضينا واوطاننا. هناك نقطة ضعف بديهية يعانيها اعضاء حلف جوام تتلخص في انهم ليسوا جميعهم جيرانا متجاورين, اوزبكستان على سبيل المثال, لاتجاور حدودها ايا من دول الحلف الاخرى, هذا الواقع يحرم المنظمة بعضا من العضلات الجيوبوليتيكية التي قد تحتاجها. ويسارع المراقبون الى الاشارة الى النقص في اعداد بنية تنظيمية للحلف, والى واقع ان الاعضاء لديهم مصالح مختلفة. الاهتمامات الرئيسية لكل من جورجيا ومولدوفا, الدولتين اللتين شهدتا تدخلا للقوات الروسية في شؤونهما الداخلية تنصب على منع التدخل الاجنبي, اما الاهتمام الاول لاذربيجان فهو وقف الدعم المستمر الذي تقدمه روسيا لجارتها اللدود ارمينيا في النزاع على اقليم ناغورنو كاراباخ, والعلاقات الوطيدة التي تربط موسكو بـ يريفان والتي تعتبر باكو انها تتم على حسابها. وتنظر العاصمة الاذربيجانية ايضا بريبة الى الدور الروسي في منطقة بحر قزوين, وتحرص على ان ترى نفسها محاطة بوجود امريكي وتركي متين في المنطقة. اما اوكرانيا فيهمها في المقبال بشكل رئيسي ان تضمن حقوق الترانزيت على مستوى الطاقة والتقليل ما امكن من الاعتماد في مجال الطاقة على روسيا. وتلتقي معظم الدول الاعضاء في حلف جوام على القول ان العضوية في الحلف لاتتعارض ولاتؤثر في اي شكل من الاشكال على عضويتها في كومنولث الدول المستقلة التي لاتخضع للمساومة, لكن الاجتماعات الاخيرة لاعضاء هذه المنظمة الجديدة, اظهرت ميلا لدى الدول الاعضاء نحو تكوين سلة من المصالح المشتركة التي تعنيها وحدها في معزل عن الكومنولث وكذلك الظهور بمظهر موحد امام العالم. وتبدو العلاقات الثنائية بين الدول الاعضاء المتجاورة جغرافيا, في تطوير مضطرد ولاسيما منها بين كل من اوكرانيا ومولدوفا وجورجيا واذربيجان. وقد وقعت معظمها عددا من الاتفاقات في مجال التبادل التجاري وتحرص كل هذه الدول على توطيد التزاماتها في مجال سلامة اراضيها والحفاظ على استقلالها. ومما لاشك فيه ان انشاء حلف جوام يستهدف الحد من النفوذ الروسي الاقتصادي وغيره. واكدت التطورات الاخيرة ان الدول الاعضاء تنظر الى الحلف على انه آلية ممتازة لتحقيق هذا الهدف, ما يعني ان حلف جوام سيصبح قريبا شوكة في خاصرة روسيا. وسيزعزع بلا شك, اولئك المطالبين باقامة اتحاد سلافي يضم ـ مثلا ـ كلا من روسيا وروسيا البيضاء واوكرانيا, او العودة الى نوع من الاتحاد السوفييتي المنقح وعلى رغم ان العيوب التأسيسية قد تمنع حلف جوام من ان يتحول ندا كاملا وقويا لكومنولث الدول المستقلة, فان نمو الحلف الجديد المتحالف مع الغرب سيظهر بلا شك الضعف الملازم لمنظمة كومنولث الدول المستقلة, وربما ينذر بزوال هذه المنظمة. لندن ـ جستين كاسي: وورلد نيوز لينك