استقطبت الاحداث الاخيرة في داغستان اهتمام المراقبين ووسائل الاعلام في مختلف انحاء العالم. وتركز اهتمام المحللين على أهمية داغستان الاستراتيجية بالنسبة لروسيا, باعتبار ان الجمهورية هي اكبر جمهوريات شمال القوقاز الروسي من حيث المساحة (50.3 الف كم2) وعدد السكان (2.1 مليون نسمة). واشارت كتابات كثيرة الى ان فقدان روسيا للسيطرة على داغستان ـ بعد الضعف الخطير الذي أصاب نفوذها في الشيشان ـ يمكن ان يمثل بداية العد التنازلي لنهاية السيطرة الروسية على القوقاز الشمالي بأسره. ولو حدث ذلك فإن من شأنه ان يقلِّص بصورة خطيرة منفذ روسيا الى بحر قزوين, بعد أن تقلَّص الى حد كبير منفذها على البحر الاسود بانهيار الاتحاد السوفييتي وبروز اوكرانيا وجورجيا كدولتين مستقلتين. ومعروف ان الوصول الى المياه الدافئة يمثل احد أهم التوجهات الاستراتيجية للدولة الروسية منذ ظهورها على مسرح العلاقات الدولية. كل ذلك صحيح بلا أدنى شك, ويعكس جانباً رئيسياً من أهمية داغستان الاستراتيجية بالنسبة لروسيا. لكن الجانب الاكثر اهمية ـ والذي يبرز بصورة متعاظمة في السنوات الاخيرة ـ هو موقع داغستان الخطير في المعركة الكبرى المحتدمة منذ أوائل التسعينات للسيطرة على ثروات بحر قزوين الهائلة من النفط والغاز, فضلا عن الموقع الاستراتيجي المهم للجمهورية كمعبر رئيسي, حتى الان, لنفط بحر قزوين. ومن هذه الزاوية بالذات فإن اي صراع مسلح على ارض داغستان يتسم بخطورة خاصة لانه يكون اشبه باشتعال النيران بالقرب من خزان نفط هائل. (الخليج الثاني) ويقدر الخبراء احتياطيات النفط الكامنة في قاع بحر قزوين, وعلى سواحله القريبة, بما يصل الى 200 مليار برميل من أنواع النفط الجيدة. وتعادل هذه الكمية ما يزيد على إنتاج منظمة (الاوبك) خلال عشرين سنة, باعتبار ان المنظمة تنتج حاليا 26 مليون برميل يومياً, اي حوالي 9.5 مليارات برميل في السنة.. وبحساب الاسعار الحالية (حوالي 20 دولاراً للبرميل) فإن قيمة احتياطيات بحر قزوين من النفط تبلغ نحو 4000 مليار دولار.. أي اربعة تريليونات من الدولارات, تعادل تقريباً الناتج القومي الياباني خلال عام كامل.. وعلى ضوء هذه الأرقام يصبح مفهوما تماما لماذا يطلق الاعلام الغربي على بحر قزوين اسماء من قبيل (الخليج الثاني) و(خليج القرن الـ 21) .. ولماذا تكتسب قضية نقل نفط بحر قزوين, والمناطق المتاخمة له, الى الخارج اهمية كبرى في العلاقات الدولية خلال السنوات الأخيرة. ولماذا تلعب هذه المسألة دوراً محورياً في تحديد سياسات عدد من القوى الدولية والاقليمية الرئيسية تجاه التطورات السياسية في دول (حوض بحر قزوين) والدول المتاخمة لها. ويصبح مفهوماً كذلك تأثير الخلافات بين الدول المطلة على هذا البحر حول اقتسام ثرواته, في تحديد مواقف هذه الدول من مختلف القوى الاقليمية والدولية, واختيار تحالفاتها الاقليمية والدولية. ومنذ بداية العشرينات حتى اوائل التسعينات كانت تطل على بحر قزوين دولتان فقط هما الاتحاد السوفييتي من الشرق والشمال والغرب, وايران من الجنوب. وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي (عام 1991) ظهرت مكانه اربع دول (سوفييتية) سابقة على سواحل بحر قزوين هي: * روسيا: وتطل على جزء من الساحل الغربي والركن الشمالي الغربي لبحر قزوين. وتحتل داغستان الجزء الغربي من الساحل الروسي, بينما تحتل جمهورية كالميكيا ومقاطعة استراخان الركن الشمالي الغربي للساحل. * كازاخستان: وتطل على بقية الساحل الشمالي والركن الشمالي الشرقي لقزوين. * تركمانستان: وتحتل الساحل الشرقي للبحر. * اذربيجان: وتحتل الشطر الجنوبي من الساحل الغربي لبحر قزوين. وبالاضافة الى هذه الدول, هناك ايران التي تحتل الساحل الجنوبي لقزوين, كما سبقت الاشارة. وقد شهدت السنوات القليلة الماضية خلافات واسعة حول اسلوب اقتسام ثروات بحر قزوين. وتكمن مشكلة كبيرة في حقيقة ان الجزء المواجه لاذربيجان هو الجزء الاغنى بثرواته النفطية, لذلك تتبنى باكو طريقة لتقسيم قزوين تقوم على اعتباره (بحرا مفتوحاً) , بحيث تكون لكل دولة مياهها الاقليمية التي تتمتع بسيادة مطلقة عليها (12 ميلا بحريا وفقا للقانون الدولي) تتلوها (منطقة اقتصادية) تمتد حتى 200 ميل بحري يحق للدولة استغلال ثرواتها دون ادعاء بحق السيادة المطلقة عليها. ولان المنطقة المواجهة لكازاخستان تلي المنطقة الآذرية في غناها بالثروات, فقد كان الكازاخيون اميل الى هذه الطريقة, حتى العام الماضي (1998) حين توصلوا الى اتفاق مع الروس يقوم على أساس مختلف هو تحديد منطقة كل دولة بخط يقع على مسافة متساوية عن ساحل الدولة الاخرى عند قاع البحر. وبالتوصل الى هذا الحل تخلت روسيا عن الطريقة التي كانت تطالب بها ـ ومعها ايران وتركمانستان ـ وهي الاستغلال المشترك لثروات بحر قزوين بينما لاتزال ايران وتركمانستان تطالبان بالاستغلال المشترك لثروات قزوين. ولاشك ان خروج روسيا عن صفهما يضعف مطالبتهما الى حد كبير. ولاتزال العلاقات متوترة بين اذربيجان وتركمانستان لان اهم حقلين لدى باكو اقرب لسواحل تركمانستان منهما للسواحل الآذرية (حقلا تشيراج, وآذري). وقد اصدر الرئيس التركمانستاني حسين مراد ينازوف قراراً باعتبارهما واقعين في الاراضي التركمانستانية!! رغم انهما يستغلان فعلا من جانب الحكومة الآذرية, والشركات التي حصلت على امتياز استغلالهما. وغنى عن البيان ان هذا القرار لم يجد سبيله الى التنفيذ. اما مياه البحر فلم يتم الاتفاق بين اي دولتين على استغلالها بصورة مقننة سواء للملاحة او للصيد, علما بأن قزوين غنى بأسماك الزجر التي يؤخذ منها (الكافيار) الروسي والايراني الشهيرين في العالم بأسره. وتحقق الدولتان مكاسب اقتصادية لا بأس بها من (الكافيار) المعروف بارتفاع اسعاره. التغلغل الامريكي معروف ان اسم القوقاز يطلق على المنطقة الواقعة بين بحر قزوين في الشرق والبحر الاسود في الغرب. واذا كانت روسيا تسيطر على الجزء الشمالي من القوقاز, فان الجزء الجنوبي تحتله ثلاث دول هي اذربيجان في الشرق, وارمينيا في الوسط, وجورجيا في الغرب, على الساحل الشرقي للبحر الاسود. ولا نحتاج الى شرح لما يعرفه القارئ الكريم من اهمية استراتيجية للمنطقة الواقعة في خاصرة روسيا الجنوبية, والملاصقة لمنطقة اسيا الوسطى التي تمثل (البطن الرخو) لروسيا. وهذه الاسباب اكثر من كافية بالنسبة للولايات المتحدة لكي تضع هدف التغلغل في هذه المنطقة الحساسة بين اولويات استراتيجيتها. وقد جاء ظهور احتياطيات النفط الهائلة في حوض بحر قزوين, ليضاعف من الاهمية الاستراتيجية لمنطقة القوقاز بالنسبة للولايات المتحدة, بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, وتضعضع قوة روسيا, وظهور دول مستغلة صغيرة في المنطقة. وبالتالي فان توسع (الناتو) في اتجاه الشرق, كان من الطبيعي ان يمتد ليشمل هاتين المنطقتين الاستراتيجيتين الهامتين. وتم ذلك من خلال ادخال دولهما في (مشروع المشاركة من أجل السلام) , بالاضافة الى العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وكل من هذه الدول, (باستثناء طاجيكستان.. فهي الدولة الوحيدة في آسيا الوسطى التي لا تدخل في إطار المشروع المذكور). وترافق هذا التوجه الامريكي مع ظرف تاريخي ـ سياسي خاص يتمثل في تفجر النزاعات القومية والعرقية في عديد من مناطق الاتحاد السوفييتي السابق, وخاصة في القوقاز بشماله وجنوبه. وهو ظرف خلق مناخاً مواتياً للغاية للتغلغل الامريكي في المنطقة. فبالنسبة لاذربيجان, على سبيل المثال, كان خلافها مع روسيا بسبب دعم الاخيرة لارمينيا في نزاعها مع باكو حول اقليم (ناجور نوكاراباخ) . وكان هذا دافعاً لاذربيجان لتسعى لاجتذاب حليف دولي قوي كالولايات المتحدة, بالاضافة الى الحليف الاقليمي التركي. ثم جاءت الخلافات حول اقتسام ثروات بحر قزوين لتدفع اذربيجان بقوة نحو الولايات المتحدة, بل ونحو اسرائيل ايضا. وكان طبيعيا والحال هكذا ان تفوز الشركات الامريكية بحصة الاسد في استغلال النفط الآذري. كما عرضت اذربيجان على الولايات المتحدة مؤخراً نقل قاعدة (انجرليك) الجوية الى اراضيها.. واتساقا مع هذه السياسة تسعى اذربيجان بكل السبل لايجاد طريق لنقل نفطها الى الغرب, لا يمر بالاراضي الروسية, كما سوف نوضح لاحقا. وبالنسبة لجورجيا, فان تفجر النزاع العرقي في ابخازيا, وانتصار الحركة العرقية الانفصالية الابخازية بفضل الدعم الروسي, مثل بدوره دافعاً لتبيليس لتعزيز علاقاتها بالولايات المتحدة, سعياً للاستقواء بها في مواجهة الجار الروسي القوي. وانعكس ذلك في مناورات عسكرية مشتركة (جورجيا ـ اطلسية وامريكية) في البحر الاسود, الذي كان حتى سنوات قليلة مضت (بحيرة سوفييتية) ! كما انعكس في تقارب جورجي ـ تركي على مستويات عديدة, وتأمل جورجيا من خلال ذلك كله ايضا الى اجتذاب الاستثمارات الامريكية والغربية, والى الحصول على نصيب من (الكعكة النفطية) من خلال مرور انابيب نقل النفط القزويني بأراضيها, ليصل بعد ذلك الى تركيا ومنها للغرب. معركة الانابيب ذكرنا في بداية موضوعنا ان داغستان تتسم بأهمية استراتيجية خاصة لانها المعبر الذي يتم خلاله نقل الجزء الاساسي من نفط بحر قزوين الى ميناء (نوفوروسيسك) الروسي على البحر الاسود, عبر الشيشان وأقاليم روسيا الجنوبية (الخط الجنوبي). كما يمر بشمال داغستان, فالشيشان, وصولاً الى نوفوردسيسك (الخط الشمالي) القادم من كازاخستان حاملاً نفط حقلي تنجيز ومنجيشلاق. وفي حالة استمرار الخطين المذكورين في نقل القسم الاساسي من نفط حوض بحر قزوين الى (نوفوردسيسك) , ومع زيادة الكميات بصورة مستمرة, فقد كان متوقعا ان تحصل روسيا على عائدات سنوية تصل الى خمس مليارات دولار مقابل اقل من مليار في الوقت الراهن. وبعد تكرار تعطيل خط الشيشان نتيجة للحرب في تلك الجمهورية, بدأت روسيا تستعد بالفعل لبناء خط اخر لا يمر عبر الشيشان بل يسير شمالها عبر اقاليم روسية اخرى ليصل الى البحر الاسود. وفي كل هذه المشروعات تحتل داغستان موقعا محوريا لا تحتاج اهميته الاستراتيجية الى مزيد من الشرح. لكن روسيا ليست الطرف الوحيد الذي يخطط.. ففي المقابل هناك خطط امريكية لنقل نفط وغاز دول حوض بحر قزوين الى الخارج دون المرور بروسيا.. او مع ترك كميات ضئيلة منها لتمر عبر روسيا. واهمها: * خط باكو ـ تبيليس ـ الى ميناء سوبا الجورجي على البحر الاسود ومنه الى الخارج.. مع التخطيط لإقامة جزء مكمل له يمتد من ميناء طرابزون التركي على البحر الاسود الى ميناء جيهان على البحر المتوسط جنوب شرقي تركيا. ورغم التكلفة الباهظة لهذا الطريق (أربع مليارات دولار) فان العمل يوشك على الانتهاء في جزئه الاول, كما تجرى الاستعدادات للبدء في جزئه الثاني بمجرد النجاح في قمع الحركة الكردية التركية المسلحة. ويطلق على هذا الخط اسم (الخط الغربي). * وهناك خط فرعي اخر يخطط لنقل النفط عبره من ميناء سوبا الجورجي نفسه الى ميناء وديسا (بأوكرانيا) ومنه الى اوروبا الشرقية. * كما يجرى الاستعداد لإقامة خط انابيب تحت مياه بحر قزوين ينقل النفط الكازاخي الى باكو, ومنها عبر (الخط الغربي) الى الخارج. * ويدور الحديث ايضا حول خط رابع لنقل الغاز التركمانستاني (يمتد تحت مياه بحر قزوين) الى باكو, فالخط الغربي. * ومعروف ايضا وجود مشروع لمد خط لانابيب نقل الغاز التركمانستاني الى باكستان على شاطئ المحيط الهندي, عبر افغانستان. وهو المشروع الذي عطله عدم نجاح حركة (طالبان) في استكمال سيطرتها على البلاد. وتقدر تكلفته بنحو ثلاثة مليارات دولار وتتبناه شركة (اوتوكال) الامريكية. ورغم التكلفة الباهظة لهذه المشروعات والمخاطر البيئية لبعضها (المخطط لمدها تحت مياه بحر قزوين) فان بعضها يجرى تنفيذه بالفعل. كما تجرى الاستعدادات للبدء في البعض الاخر متى توافرت الظروف المناسبة. انها معركة (تكسير عظام) بين الولايات المتحدة وحلفائها من ناحية وروسيا من ناحية اخرى. ومن كل ما سبق تتضح لنا اهمية داغستان البالغة في (الحرب النفطية) المحتدمة للسيطرة على نفط وغاز بحر قزوين, سواء من ناحية الانتاج او من ناحية النقل والتوزيع. البوابة الذهبية.. وهناك جانب اخر للمسألة لا يقل اهمية من كون داغستان معبراً استراتيجياً لنفط القوقاز, ان لم يزد في اهميته. ذلك ان داغستان تحتل حوالي نصف الساحل الروسي على بحر قزوين. واذا كان استخراج النفط من اراضيها صعبا بسبب طبيعتها الجبلية (تتحدث بعض المصادر الروسية عن انتاج بري يدور حول 15 مليون برميل سنويا) فان سواحلها القزوينية غنية بالنفط. وهي تمثل امتداداً للحقول الاذرية الغنية. وذلك فان داغستان تمثل (بوابة ذهبية) لروسيا على بحر قزوين. كما يقع في اراضيها اهم مينائين لروسيا على ذلك البحر. (ماخاتشيكالا, او محج قلعة, ودربند). ويفسر كل ما سبق ذكره دعوة بعض الزعماء الشيشان للوحدة بين بلادهم وداغستان, فمن شأن مثل هذه الوحدة ـ اذا حدثت ـ ان تضمن للشيشان السيطرة على جزء مهم من ساحل بحر قزوين بثرواته النفطية الضخمة, فضلا عن الاهمية الاستراتيجية المعروفة لداغستان. وتبدو هذه السيطرة مضمونة للشيشان ـ اذا حدثت مثل هذه الوحدة.. وهو احتمال نظري لا أكثر ـ بحكم انهم القومية الاكبر في المنطقة, وان داغستان تسكنها قوميات كثيرة صغيرة, وبحكم ان الشيشان هم الاكثر تنظيما وتسليحا وشراسة قتالية. ولعل هذا يساعد على تفسير ان زعماء شيشان, مثل شامل باساييف, هم الذين يتولون قيادة الحركة المسلحة في داغستان. ونكرر القول ان هذا الاحتمال نظري بحت ولكن ذلك لا ينفي حقيقة مهمة: مادامت داغستان بهذه الاهمية الاستراتيجية, وهذا الغنى.. ومادامت روسيا بهذا الضعف.. فإن تلك الجمهورية القوقازية سوف تظل هدفا مغرياً للطامعين من اللاعبين الكبار والصغار على السواء, من الحرب الجارية بلا هوادة, ومن أجل السيطرة على نفط بحر قزوين. وهناك فارق بالطبع بين كون الهدف مغرياً وبين امكانية اقتناصه... لكن هذه قضية لا يتسع المقام لمناقشتها... وتبقى نقطة لا نستطيع ان نختتم موضوعنا دون ان نشير اليها: علينا نحن العرب قبل ان نقف مع هذا الطرف او ضد ذاك ـ ان نفكر في تأثير (الحرب النفطية) الدائرة في القوقاز على مستقبل اوضاعنا في اسواق النفط.. وأسعار تلك السلعة الاساسية بالنسبة لنا.. حتى لا نفاجأ بان علينا ان ندفع (فواتير) حروب في القوقاز.