دمشق تطالب بضرورة إيجاد مشروع مائي عربي،إسرائيل فجرت خزانات المياه في الجولان تكمن حساسية المسألة المائية السورية في اعتمادها على مياه الانهار بنسبة تصل الى 80% من مواردها المائية, واذا كانت الحكومة السورية قد رسخت اتفاقات مع الاردن حول نهر اليرموك ومع لبنان حول نهر العاصي الا ان المشكلة الاساسية تكمن في علاقتها مع تركيا بما يخص نهري الفرات ودجلة واللذين يشكلان 70% من مياه سوريا, كما ان هناك مشكلة الجولان المحتلة واستحواذ اسرائيل على مصادر مياه مهمة فيها. لقد ادركت سوريا مؤخراً ضرورة تحفيز الاهتمام العربي العام والخاص بأزمة المياه والقضايا المرتبطة بها, فبدأت خطوة اولى تعد لانضاج آليات عمل متقدمة للتعامل بكفء مع أزمة المياه في المنطقة, وتمثلت بمحاضرات القاها وزير الري السوري المهندس بركات معلوف. ورأى معلوف انه ينبغي كشرط اول للتعامل مع الازمة وضع مشروع مائي عربي يحقق الامن المائي على مستوى قطري اولاً ثم على المستوى الشامل ويفضي لتحقيق الطموحات العربية والاقتصادية والسياسية, ومن ثم الى الارتقاء بمستوى معيشة الانسان العربي. وهدف معلوف هو تحقيق القناعة لدى المعنيين في التعامل مع الازمة المائية متعددة الابعاد تعاملا يبدأ من الحقائق الجغرافية والتاريخية فضلاً عن الاعتبارات النابعة من القانون الدولي للاحاطة بسائر جوانب وابعاد الموضوع واستشراف المستقبل المائي بعد ذلك. ينطلق معلوف من حقيقة ان الكميات الموجودة من المياه على سطح الارض هي نفسها منذ مئات السنين, اذ يقدر الحجم الكلي للمياه بحوالي 1360 مليار متر مكعب, ويوجد 97% من هذا الحجم في البحار والمحيطات بينما بقي 2% منه مجمد في الطبقات الجليدية وتمثل المياه المالحة المصدر الرئيسي للمياه العذبة.. اذ يتبخر يومياً من السطوح المائية 875 مليار متر مكعب من الماء بفعل الطاقة الحرارية وهو ما يتحول الى امطار بالدورة المعروفة للطبيعة معوضاً جزءاً مما يستهلكه الانسان. ويضيف معلوف ان لكل مورد مائي مشكلاته, وتصبح المشكلة المائية مشكلة متعددة الابعاد تحتاج الى آليات متقدمة للتعامل الناضج معها قد لا تكون متوفرة الآن, ويرى من خلال لغة الارقام الواقع المائي العربي فالموارد المائية في الوطن العربي لا تشكل اكثر من 5.0% من موارد العالم ونصيب الفرد العربي من المياه يبلغ الف متر مكعب في اطار حدود كالفقر المائي, ويوجد 70 مليون فرد لا تتوفر لهم مياه نظيفة صالحة للشرب و50% من حاجياتنا الغذائية ما زلنا نستوردها من الخارج رغم صلاحية اراضينا للزراعة. الوزير السوري اكد على ضرورة مواجهة التحديات المائية وايقاف عمليات الاستغلال والهدر في بعض الدول العربية التي تعيش دون خطوط الفقر المائي, اضافة الى كون اكثر من 65% من انهارها, موارد مشتركة مما يؤثر على عملية الاستفادة منها على الوجه الاكمل وصعوبة عمليات الاستثمار والصيانة.. مشيراً الى انه لا تتوفر بيانات كافية او قاعدة بيانات مائية على مستوى شامل لاستخدامها في الاقطار العربية ووضع نظم لتغذيتها. الجولان.. فتيل اشتعال مقبل والجولان.. اكبر خزان مائي عربي.. تستولي عليه ايد اجنبية, بمعنى ان مصادر المياه الاخرى حدودها لا تتعدى الحدود الدولية لكن الجولان محتلة عسكرياً تتميز بغزارة مياهها وهطولاتها المائية والثلجية فنهر الاردن وبحيرة طبريا ونهر بانياس الذي يشمل ثاني رافد لنهر الاردن ويسير في الارض السورية حوالي الف متر ويبلغ تصريفه السنوي 157 مليون متر مكعب من المياه العذبة ونهر اليرموك الذي يبلغ طوله 57 كم يسير داخل الاراضي السورية بمجرى طوله 47 كيلو مترا معظم المسافة في الجولان ثم يرفد نهر الاردن جنوب بحيرة طبريا. واراضي الجولان غنية بالاودية وعيون وينابيع المياه فقناة العفريتية التي تؤمن ري الاراضي البطيحة ونهري زاكية ومسعدية وهما يصبان في بحيرة طبريا, الى جانب بحيرة مسعدة وهي عبارة عن تجويف بركاني يقع على ارتفاع 950 مترا والامطار مصدرها الرئيسي وحولها يوجد بعض الينابيع, ولا يخلو واد او قرية او مزرعة في الجولان من ينابيع وعيون ومن اهمها: نبع البرجيات وتذهب مياهه الى الارض المحتلة قرب كفر شامير ونبع عين الكبش, في وادي الدبورة ويلتقي مع بعض الينابيع ليصب في نهر الاردن قرب بستان الخورى, اضافة الى ينابيع الجوخدار وسنابر والقصبة والدورة وتأتي ينابيع الحمة في الدرجة الاولى من حيث الفائدة والمناخ ليس فقط على مستوى الجولان بل في منطقة الشرق الاوسط. احتلت اسرائيل الجولان صبيحة الخامس من يونيو عام ,1967 واستخدمت كل اسلحة الدمار مستولية على ثلثي مساحة الحافة التي احدثت قبل الاحتلال بأقل من ثلاث سنوات وطرد سكانها بقوة السلاح باستثناء خمس قرى تقع في شمال الجولان وهي(مجدل شمس, مسعدة, بقعاتا, عين قنية, والفجر) ويبلغ مجموع سكانها (20) الف نسمة ولم تستطع قوات الاحتلال الاسرائيلية طرد السكان بالقوة بسبب وصول قوات الامم المتحدة السريع الى القرى. وتعد قضية مياه الجولان وجنوب لبنان ونهر الاردن اهم قضية مائية بين الدول العربية واسرائيل وهي تشكل بمجموعها اكثر من نصف مصادر اسرائيل من المياه. وحسب تقرير صادر عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا عام 1998 فإن اسرائيل تحصل على 67 بالمئة من المياه من الدول العربية حيث تسد ثلث احتياجاتها من المياه عن طريق سرقة المياه اللبنانية ونسبة 32 بالمئة من الجولان والباقي من الاردن والاراضي المحتلة. تبلغ امطار الجولان 1.2 مليار مترمكعب سنويا قياسا الى مساحتها البالغة 1800 كم2. وفي هضبتها يوجد مئة نبع تنتج كمية مياه تتراوح بين 50 ــ 60 مليون متر مكعب سنويا. اما نهر بانياس الذي ينبع من سوريا ويصب في نهر الاردن فهو يعطي 100 مليون متر مكعب من المياه في السنة. لهذه الاسباب اي لاعتبارات مائية بالدرجة الاولى فان اسرائيل تتسمك بهضبة الجولان التي تشرف على بحيرة طبريا ووادي اليرموك وروافد نهر اليرموك والسيطرة على الجولان تعني استفادة اسرائيل من مصادر المياه القريبة منها في منطقة جبل الشيخ حيث المنابع الرئيسية لنهر الاردن وبحيرة طبريا, اي ان الجولان يتحكم بعملية تغذية بحيرة طبرية بالمياه, لقد منعت اسرائيل المواطنين السوريين في مرتفعات الجولان من بناء خزانات للمياه واقامة ابار لجمع مياه الامطار وقامت بتفجير بعض الخزانات, ومن اصل 400 خزان كان موجودا قبل الاحتلال لم يبق سوى عدد محدود ولا يتجاوز اصابع اليد الواحدة. الازمة مع تركيا رفضت الحكومات التركية المتعاقبة اعتبار دجلة والفرات من الانهار الدولية, وكانت تهدد بين الحين والاخر بقطع مياه النهرين لصالح مشاريعها المائية والزراعية في الاناضول ويتوقع ان تصل تفاعلات المشكلة ذروتها عندما تنتهي من اتمام سدودها على نهر الفرات عام 2000. وفي لقاء مع عبدالعزيز المصري رئيس دائرة المياه الدولية بوزارة الري السورية قال للبيان: دار جدل واسع بين جميع دول العالم من طرف وتركيا فقط من طرف ثان فحاولت تركيا الدولة الوحيدة في العالم ان تميز بين نوعين من الانهار: المجاري المائية الدولية والانهار العابرة للحدود, لكنها لم تجد سندا من احد مطلقا, وقيل لها ان الاصرار على هذا التعبير للهروب من التزاماتها هو امر خطير. ان اول نص مكتوب رسمي هو اتفاقية تخطيط الحدود السورية التركية ( 20 نوفمبر 1921 انقرة) فقد ورد في مادتها الثانية عشرة ما يلي: ان مياه نهر قويق توزع بين مدينة حلب والمنطقة الشمالية الباقية لتركيا بصورة عادلة يبقى معها الطرفان راضين عنها ويحق لمدينة حلب ان تأخذ قسما من مياه نهر الفرات في الاراضي التركية على نفقتها, وذلك لسد حاجات المنطقة. وهناك وثيقة موجهة من يوسف كمال وزير خارجية تركيا الى المسيو فرانكلان بيوون المفوض المطلق الصلاحية لحكومة فلنسيا ومؤرخة ( 20/10/1921). فيما يتعلق بالمادة الثانية عشرة من الاتفاق الموقع هذا النهار وبين حكومتنا, لي الشرف ان اصرح لفخامتكم ان طريقة توزيع مياه (قويق) يمكن تحديدها من قبل ممثلين عن سكان المناطق التركية التي بقيت شمالي الخط المعين في المادة الثامنة وممثلين عن سكان مدينة حلب. وثيقة موجهة من بويون الى يوسف كمال وزير خارجية تركيا ورد فيها ان بويون اخذ علما بموضوع توزيع نهر قويق. وهناك معاهدة لوزان التي ورد في القسم الرابع منها: المادة 109 ــ عندما يكون نظام المياه ( اقنية, تطويف, سقاية, تصريف المياه, او مسائل مشابهة لها, في دولة على اثر تخطيط حدود جدية تتعلق بالاعمال الجارية على اراضي دولة اخرى) او عندما يجري استعمال فوق اراضي دولة وفقا لعادات سابقة للحرب مياه او قوة مائية محركة مولدة على اراضي دولة اخرى يجب ان يجري الاتفاق بين الدول ذات العلاقة بصورة يحتفظ فيها بالمنافع والحقوق المكتسبة لكل منها, وعند عدم الاتفاق يصار الى طريق التحكيم. * وفي عام 1978 تم التوقيع في دمشق على بروتوكول بين رئيسي حكومتي سوريا وتركيا ورد فيه فقرة خاصة تتعلق بالمياه هي: (خلال ملء سد اتاتورك وحتى التوزيع النهائي لمياه الفرات بين البلدان الثلاث الواقعة على ضفته, يتعهد الجانب التركي بان يوفر معدلا سنويا يزيد عن خمسمائة مترمكعب في الثانية عند الحدود التركية السورية وفي الحالات التي يكون فيها الجريان الشهري تحت مستوى خمسمائة متر مكعب في الثانية فان الجانب التركي يوافق على ان يعوض الفرق اثناء الشهر التالي. وسوف يعمل الجانبان مع الجانب العراقي لتوزيع مياه نهري الفرات ودجلة في اقرب وقت ممكن. واتفق الجانبان على تعجيل عمل اللجنة الفنية المشتركة للمياه الاقليمية. وفي هذا البروتوكول اعتراف صريح بمبدأ توزيع مياه نهر الفرات ودجلة بين الاطراف الثلاثة وقد ورد مبدأ التوزيع مرتين في هذا البروتوكول. * وصدر عام 1988 بيان صحفي عن اجتماع وزراء الري والمياه لكل من سوريا والعراق وتركيا في انقرة. يومي 21 و 22 اكتوبر 1988 لدراسة المياه الاقليمية اخذين بعين الاعتبار مبادئ حسن النية وحسن الجوار, واستعرضوا العمل المنجز من قبل اللجنة الفنية المشتركة التي كانت شكلت لدراسة مختلف النواحي الفنية المتعلقة بحوضي نهري الفرات ودجلة والاحتياجات المائية للبلدان الثلاثة لاعطاء التوجيه بالنسبة للاعمال اللاحقة للجنة الفنية المشتركة . اتفاقيات سورية اخرى ويتابع المصري حديثه حول الاتفاقيات السورية مع جيرانها معتبرا ان الازمة مع تركيا هي امتداد مكمل للازمة مع الدول الاخرى هادفا الى وضع المشكلة برمتها في دورق واحد. ـ يقول المصري حول بناء سد الوحدة واستثمار مياه نهر اليرموك بين سوريا والاردن. ــ لقد عقد مؤخرا اجتماع في دمشق وناقشت مياه نهر اليرموك مع الاردن استنادا الى قانون رقم 32 لعام 1978 الذي هو عبارة عن تصديق الاتفاقية بين سوريا والاردن, تلك الاتفاقية التي تتألف من خمس عشرة مادة ورد في مادتها الثانية ما نصه: لاسباب طبيعية وحقوقية تقرر الدولتان انه يمكن الحصول على المياه الاضافية والطاقة الكهرومائية التي يحتاجها البلدان بصورة اقتصادية وعملية عن طريق انشاء سد الوحدة وتبعا لذلك توافقان على اقامة المنشآت التالية. سد وخزان الوحدة وهما سد يعد لجمع مياه النهر وخزان مقام على نهر اليرموك في الاراضي السورية والاردنية وعلى مقربة من محطة المقارن في سوريا وهذه المياه معدة لتوليد الطاقة الكهربائية وارواء الاراضي الاردنية والاستعمالات الاخرى في المشاريع الاردنية وكذلك لارواء الاراضي السورية الواقعة بعد السد والمحاذية لمجرى النهر حتى منسوب مائتي متر فوق سطح البحر. منشأة لتوليد الطاقة الكهربائية من مياه الخزان المتدفقة عن السد. ويقول الاردن بتصميم وانشاء سد الوحدة بارتفاع اجمالي قدره مائة متر بما فيها بوابات المفيض وذلك لتخزين المياه المارة في نهر اليرموك بعد تأمين المياه لاملاء خزانات السدود السورية وحق سوريا في الحفاظ على كامل هذا المخزون من المياه والذي يعتبر جزءا من هذه الاتفاقية لايتجزأ على ان يراعى في تصميم وانشاء السد تعليتيه مستقبلا لزيادة سعة التخزين ( تعلية وسعة يمكن تبريرها فنيا واقتصاديا) بموافقة الدولتين. تحتفظ سوريا بحق التصرف بمياه جميع الينابيع التي تتفجر في اراضيها في حوض اليرموك وروافده باستثناء المياه التي تتفجر ما قبل السد تحت المنسوب مائتين وخمسين مترا وتحتفظ بحق الانتفاع بالمياه التي ترد مجرى النهر وروافده فيما بعد السد لارواء اراضيها المحاذية لمجرى النهر. يحق للاردن ان يتصرف بالمياه المنبثقة من الخزان ومركز توليد سد الوحدة لتوليد الطاقة الكهربائية. توزع الطاقة الكهربائية التي يمكن توليدها في منشآت سد الوحدة الكهرمائية بين سوريا والاردن بنسبة ( 75% لسوريا و 25% للاردن). يحق لكلا الدولتين الاستفادة من بحيرة السد الواقعة في اراضيها لاستثمارها وتشغيلها وصيانتها في اغراض السياحة وتربية الاسماك بما لايتعارض مع ادارة منشآت سد الوحدة. وقد اسفرت الاجتماعات التي عقدت في دمشق عن توقيع محضر يتضمن احياء الاتفاقية لبناء سد الوحدة بتكلفة (400 مليون) دولار وسيقوم الاردن خلال الاشهر القادمة باجراء اتصالات لتمويل بناء السد من بنوك وصناديق عربية ودولية وسيدعو الى عقد مؤتمر دولي خاص بسد الوحدة. وسينفذ بخبرات مشتركة. اما بخصوص اقتسام نهر العاصي مع لبنان ــ والحديث للمصري ــ فقد اتفقت سوريا ولبنان على تقاسم مياه نهر العاصي في خطوة كبيرة حددها القانون رقم 15 تاريخ 11/12/1994 وصدر بموجبه الاتفاق المتعلق بتوزيع المياه بين سوريا ولبنان. وكانت البداية الأولى على هذا الطريق عندما وقع لبنان وسوريا خلال الدورة الثانية لهيئة المتابعة والتنسيق الثنائية يومي 19 و20 من سبتمبر 1994 على اتفاقية تتعلق بتوزيع المياه من نهر العاصي النابعة من الاراضي اللبنانية. وابرز ما في هذه الاتفاقية هو تحديد حصة لبنان السنوية بمقدار 80 مليون متر مكعب عندما تبلغ موارد النهر ضمن الاراضي اللبنانية 400 مليون متر مكعب فما فوق وتعد هذه الحصة ذات اهمية قصوى نظرا الى حجم تصريف النهر المتوسطي سنويا يصل الى 403 ملايين متر مكعب ويصل تصريفه الشهري خلال شهر اغسطس الى 25.62 مليون متر مكعب و39.34 مليون متر مكعب في شهر مايو. والشيء الهام والمميز في الاتفاقية ان لبنان اذا لم يستفد فعليا من كامل حصته خلال فترة ما من السنة يمكن الاستفادة من رصيد هذه الحصة خلال الشهر الذي يلي تلك الفترة من السنة نفسها. وتعتبر سنة شحيحة كل سنة ينخفض فيها تصريف النهر عن 400 مليون متر مكعب عند جسر الهرمل بما فيها استثمارات الآبار ومحطات الضخ وفي هذه الحالة تخفض حصة الجانب اللبناني بنسبة تعادل نسبة انخفاض التصريف بالقياس الى متوسط تصريف النهر. ونصت الاتفاقية على أن يتولى الجانبان السوري واللبناني القيام وعلى حساب الجانب السوري بالأعمال التي تتعلق باصلاح الاقنية داخل الاراضي اللبنانية وصيانتها وتهذيب نهر العاصي وتعزيله داخل الحدود اللبنانية للحفاظ على مياه النهر ومنع تسربها ويتم التنفيذ وفق الانظمة اللبنانية. العبث التركي يوقع سوريا في موجة جفاف كانت سوريا لفترة قريبة من دول الوفرة هذه الى ان بدأ العطش يتسلل الى مناطق زراعية واسعة واخذت مصادر مياه الشرب في النضوب التدريجي وانخفض منسوب الابار وتدفق الينابيع. وبالرغم من المشاريع المائية الضخمة التي اقيمت في البلاد من سدود سطحية وترابية وحفر مئات الآبار ورصد مبالغ مالية كبيرة لمشاريع الري التي تقدر سنويا بــ 16 مليار ليرة سورية, الا ان المشكلة ظهرت في السنوات الاخيرة واستفحلت مؤخرا ووصلت الازمة الى مرحلة خطيرة سواء بالنسبة لمياه الشرب في دمشق وريفها أو بالنسبة لاهم المناطق الزراعية السورية في الشمال الشرقي مما أثار قلق المسؤولين والجهات المعنية وعقد المجلس الاعلى الزراعي عدة جلسات طارئة لمعالجة الموقف والعمل للحد من آثار الجفاف. يبشر تقرير اعدته مديرية الري لحوض بردى الى اسباب جفاف النهر. فالموارد المائية بهذه المنطقة تتكون بشكل رئيسي من الهطولات المطرية والثلجية في المنطقة الغربية من الحوض وتشكل 60% من الموارد المائية. وبين التقرير ان اسباب الجفاف ترجع الى الانشطة المستهلكة للمياه ومحدودية الموارد المائية في الحوض والاستخدام الجائر لها سواء السطحية منها أو الجوفية فقد بلغ عدد الآبار في حوض بردى والاعوج حسب احصائية مديرية الحوض /41/ الف بئر النظامي منها (8127) بئرا فقط. وقد بلغت كميات العجز من مياه الشرب لمدينة دمشق 25 بالمائة وبلغت احتياطات دمشق وريفها (950) الف متر مكعب يوميا وهذا غير متوفر ويعالج عن طريق التقنين. واوضحت المذكرة ان هناك اسبابا اخرى لايمكن اغفالها لوجود هذا النقص وهو الاستخدام غير المرشد من قبل المستهلكين وهدر كميات كبيرة منها في ري الحدائق المنزلية والمسابح وغسيل السيارات, ولمواجهة هذا النقص فقد اتخذت عددا من الاجراءات الاسعافية للتخفيف من وطأة الازمة والجفاف فأزيلت جميع المضخات المخالفة في حوض بردى والاعوج, وتم صب فوهات في مجرى نهر بردى بالبيتون لمنع رشح المياه وزيادة الجريان, اضافة الى عدم جر مياه النهر من سد التكية. وتنظيم ري الاراضي على جانبي النهر. وتم العمل على رفد مجرى نهر بردى بكميات اضافية من المياه عن طريق حفر آبار جديدة ومنع الزراعات الصيفية بمنطقة سهل الزبداني والابقاء على زراعة الاشجار المثمرة والزراعات البعلية. وليس والحال في وسط سوريا وشمالها بافضل من دمشق وريفها, فمياه نهر العاصي الذي يعبر سوريا من شمال لبنان ماراً بسهول حمص وحماة والذي كان يروي اهم منطقة زراعية في سوريا هي منطقة سهل الغاب وكانت مياه العاصي تشكل على مساحة السهل مستنقعات طبيعية والفائض باتجاه لواء اسكندرونة ليصب هناك. اما بعد تجفيفه الذي كان الغرض منه الاستفادة من المياه لري الاراضي الزراعية ولكن مع ذلك لم يتحقق هذا الغرض ويعاني المزارعون من الشح والعطش ولجأت الجهات المسؤولة الى معالجة ذلك بجر مياه من سد الرستن بالقرب من حمص عبر شبكة قنوات لتروي القرى والاراضي في هذا السهل الخصيب سابقاً. وامتدت الازمة خلال العام الحالي الى منطقة الجزيرة السورية وهي المورد الاساسي للحبوب, فقد تراجع الانتاج بكميات كبيرة عن حجمها في الاعوام القليلة الماضية ولحقت اضرار كبيرة بالمزارعين بسبب تلاعب تركيا بين حين وآخر بكميات المياه المخصصة لسوريا من نهري دجلة والفرات وكذلك حفر مئات الآبار السطحية والجوفية ليس من قبل الجانب السوري فحسب بل على الجانب التركي بأعداد كبيرة مما انعكس سلبا على مياه الحوض الجوفية الذي يمتد ما بين الاراضي الحدودية السورية والتركية. وفي محاضرة لخبير مياه سوري القيت مؤخرا حذر فيها من استمرار تركيا في العبث بحصة العرب من مياه الفرات ومن المخاطر الناتجة عند انتهاء المشاريع المائية الضخمة التي تقيمها تركيا على مجرى النهر. وقال الدكتور ابراهيم سعيد المدرس بقسم الجغرافيا بجامعة دمشق تحت عنوان مشكلة الامن المائي, ان تركيا قطعت شوطا كبيرا في تنفيذ مشروع يدعى (الكاب) الذي ادى الى خلل مرعب في المنظومة الطبيعية لنهر الفرات, من خلال اقامة (22) سدا و(19) محطة كهرومائية. ويعتبر نهر الفرات الشريان الحيوي لسوريا فهو يلبي اكثر من 70 بالمئة من احتياجاتها المائية ويبلغ طول مجراه في الاراضي السورية وحتى مدينة البوكمال متجها نحو العراق 1200 كيلو متر الى ان يصب في شط العرب. ويبلغ تصريفه السنوي 26 مليار متر مكعب اي ما يعادل في المتوسط 825 مترا مكعبا في الثانية وبالرغم من ان تصريف نهر دجلة يزيد عن نهر الفرات بحدود 16 مترا مكعبا الا ان الاستفادة من الفرات اهم بالنسبة لسوريا والعراق وبخاصة سوريا حيث لا يتجاوز مجرى دجلة في اراضيها عن الـ 45 كيلو مترا وعبر اقصى الشمال الشرقي من الاراضي السورية, والاستفادة منه محدودة للغاية وأهم المشاريع المائية والكهربائية والزراعية السورية تعتمد على نهر الفرات. واذا كان سد (اتاتورك) لوحده سيخفض تدفق الفرات بمعدل الثلثين فان الحال بعد الانتهاء من جميع السدود التركية سيكون كارثة مائية حقيقية فبرأي الخبراء سوف يتحول النهر الى ارض موات وسيكون مجراه واديا تقذف اليه تركيا مياهها الملوثة؟ وهذه الحقيقة بدأت بالظهور حيث طرحت السلطات التركية قبل فترة كميات كبيرة من المياه الملوثة في مجرى النهر بمعدل سنوي يبلغ 295 مليون متر مكعب. مشاريع تلويث الفرات قد تشعل حربا من المفارقات التي تثير الدهشة, مواقف تركيا ومطالبها التي تختلف عن تصرفاتها في خرق القانون الدولي خرقا فاضحا. فمشروع (الغاب) بسدوده العشرين سيروي مساحة واقعة بين جبال طوروس شمالا والحدود السورية جنوبا وبطول 510 كم, يمتد من لواء اسكندريين غربا وحتى ديار بكر شرقا وبعرض اقصاه 150 كم ونصف هذه الاراضي سورية انتزعتها تركيا عام 1939 ايام الانتداب الفرنسي. في مطلع شهر مايو الحالي وجهت سوريا تحذيرا قويا الى الحكومة البريطانية لدعمها بناء سد مائي في تركيا تبلغ تكاليفه حوالي مليار و500 مليون دولار, تقول دمشق وبغداد انه يلوث مياه الفرات التي تدخل اراضيهما, فيما حذرت جهات بريطانية ودولية وزارة الخارجية البريطانية من امكانية وقوع حرب في المنطقة, بسبب بناء هذا السد بين تركيا وسوريا والعراق من شأنها ان تتحول الى حرب اوسع. وقالت (المجموعة الدفاعية البريطانية) وهي مؤسسة خبراء تقدم المشورة لحكومة توني بلير في النزاعات الدولية والاقليمية ان الدعم الحكومي لشركة (بلفوريتي) في بنائها سد (ابلوزو) التركي قد يجر بريطانيا للانخراط في نزاع مسلح في منظمة الشرق الاوسط حول حق دولها في مياه الفرات. وذكرت مصادر في وزارة الخارجية في لندن قبل ايام قليلة ان المملكة الاردنية الهاشمية بدورها احتجت نيابة عن العراق, مؤكدة ان بناء السد يشكل خرقا فاضحا للقانون الدولي ويصيب حقوق العراق في مياهه باضرار فادحة. وتعتقد جهات عربية وبريطانية معارضة للمشروع ان بناءه في منطقة كردية مضطربة حيث ستغمر مياهه 52 قرية و15 مدينة معظمها كردي, قد يكون ذا اهداف وابعاد سياسية لتفريغ مناطق كردية واسعة ونقل سكانها الى مناطق اخرى. ويقول الدكتور نبيل السمان الخبير بشؤون المياه: لقد تعاقبت على مدى تاريخ المشرق العربي القديم امبراطوريات كثيرة سيطرت على احواض انهار بكاملها. ولكن انهيار الدولة العثمانية عام 1918 ومعاهدة سايكس بيكو الاستعمارية غيرا وضعا طبيعيا حيث قسمت احواض انهار الفرات والاردن والليطاني لسيادات مختلفة ذات مصالح سياسية واقتصادية متضاربة وبالتالي مائية في النصف الثاني من القرن العشرين. ان عملية الشرذمة السياسية في المنطقة خلقت نزاعات حول الانتفاع بمياه تلك الانهار زاد من حدتها قيام دولة اسرائيل ودخولها في المطالبة بمياه الاردن. دمشق ــ يوسف البجيرمي وأيمن فلحوط