بعد تسع وعشرين عاما على رحيله يكشف عبدالحكيم أصغر ابناء الزعيم الراحل جمال عبدالناصر عن ذكريات اللحظات الأخيرة في حياة والده... واللحظات التاريخية التي واكبت قراره بالتنحي عقب نكسة 5 يونيو ,1967 والتي رأى انها اهم الاحداث الخطيرة في حياة والده . وقال عبدالحكيم عبدالناصر في حواره مع مجلة (الشباب) الاسبوعية الصادرة عن مؤسسة الاهرام اليوم. أحكي لابنائي ذكرياتي مع والدي, وكثير ما تشاهد الافلام الوثائقية التي احتفظ بها, اما ابني الصغير (جمال) فليس لديه شك في انه (جمال عبدالناصر) الصغير وهو مقتنع بذلك جدا واضاف: عندما اجد الدنيا ضاقت بي في اي امر من امور الحياة انظر الى صورة والدي واتذكر يوم 9 يونيو 67 واقارن بين موقفي وموقف عبدالناصر في ذلك اليوم, فأشعر انه ليس لدي مشكلات كبيرة, ويملأني الحماس لحل مشاكلي بنفسي. وعن منزل منشية البكري قال عبدالحكيم: لا اعرف السبب حتى الآن الذي لم يؤد الى تحويله الى متحف بعد تنازلنا عنه واذا تم ذلك فسنقوم على الفور باهدائه كل ما نحتفظ به من اشياء تخص الوالد الراحل وليس لدي من هذه الاشياء سوى (الفازة) التي تحمل صورة عبدالناصر وتحفة خزفية اخرى, ولكن لابد لكي يتحول المنزل الى متحف ان يعود للحالة التي كان عليها يوم 28 سبتمبر 1970 وهو يوم وفاة جمال عبدالناصر. وعن والدته الراحلة السيدة الفاضلة تحية كاظم قال انها ظلت تعيش في حداد على والدي حتى لحقت به وكانت حياتها كلها مكرسة لبيتها واسرتها. وكشف عن قيامها بزيارات متكررة الى حي الحسين كلما تزايدت الحملات الصحفية ضد عبدالناصر في فترة السبعينات. وكانت تعود بعد ان تغسل مشاعر البسطاء احزانها وتقول... تكفيني مكانة عبدالناصر في قلوب ابناء الشعب, وليهاجمه بعد ذلك من شاء. وعن الشخصيات العامة التي تداوم على الاتصال بأسرة عبدالناصر حتى الآن, قال عبدالحكيم: الرئيس معمر القذافي يداوم على الاتصال بنا حتى هذه اللحظة, وكذلك بعض الشخصيات التي عملت مع ابي مثل حسين الشافعي وسامي شرف, وكان المرحوم شعراوي جمعة يتصل بنا حتى وفاته وكذلك محمد احمد قبل مرضه الاخير, ولا أنسى الاستاذ انور فرغلي في رئاسة الوزارة الذي يحرص ان يوجد في جميع المناسبات العائلية لأسرة عبدالناصر. وعن البصمات التي تركها الوالد على عبدالحكيم, يقول حكيم: اشياء كثيرة جدا, لكن اكثرها هو انه علمنا الاعتزاز بالنفس. وان تكون كرامتنا فوق كل شيء, واهتم بأن يعلمنا الاعتماد على انفسنا, وليس على أي شيء آخر. وعن مصير علاقة الصداقة التي كانت تربطه واخوانه بأبناء المشير عبدالحكيم عامر, قال عبدالحكيم: كان ابناء المشير عبدالحكيم عامر من اقرب الناس الينا خاصة انه منزلينا كانا قريبين, وكنا نقضي الاجازة الصيفية معا, وكان (نصر) ابن المشير الذي توفي عام 76 في حادث سيارة هو الاقرب لي, لكن بعد 67 ابتعد ابناء المشير, ولم تدم علاقة الود. ويتذكر عبدالحكيم الأيام الأخيرة في حياة الزعيم قائلا: قبل الوفاة بعشرة ايام تقريبا الزم الاطباء والدي بالحصول على اجازة نظرا لارهاقه الشديد, فقرر ان يذهب الى مرسى مطروح وصاحبته انا ووالدتي فقط. وفور وصولنا جاء الرئيس الليبي, العقيد معمر القذافي في زيارة له, وكان يزور مصر في احيان كثيرة, ولم يمر يومان حتى وقعت احداث المعارك بين القوات الاردنية والفلسطينية التي عرفت باسم (ايلول الاسود), فقطع الاجازة ودعا لمؤتمر القمة العربي الذي سمي بــ (مؤتمر المصالحة) وذهب الى الاسكندرية وقبل ان يصل الى الاسكندرية كان يتحدث في التليفون ويقول لمحدثه: (ان امامي شهر واحد ولابد ان يكون العمل في حائط الصواريخ قد انتهى) وكنا نشعر من خلال حديثه ان النصر مؤكد. يضيف عبدالحكيم: في يوم الوفاة, وبعد انتهاء مؤتمر القمة ذهب والدي ليودع امير الكويت عند مغادرته مصر, وكنا في انتظاره على الغداء بالمنزل. ولكنه خرج من المصعد الذي تم تركيبه بالبيت بعد مرضه الى غرفته مباشرة وهو يفك ربطة عنقه, وكان يبدو عليه التعب الشديد, فذهبت اليه والدتي, وظلت في غرفته ولم يحضر لتناول الغداء معنا, وبعد قليل بدأ يتردد في المنزل ان والدي مريض, وحدثت حركة غير عادية في المنزل فشعرت ان شيئا ما سيحدث وانقبض قلبي, ولم يمض سوى وقت قليل حتى جاء الفريق محمد فوزي ونائب الرئيس حسين الشافعي وسامي شرف وسكرتير الرئيس للمعلومات ومحمد احمد سكرتير الرئيس للمعلومات ومحمد احمد سكرتيره الخاص, والذي اتذكره جيدا انني دخلت غرفته فوجدت الأطباء حوله يقومون بتدليك موضع القلب فخرجت مسرعا, وبعد دقائق سمعت شقيقتي منى تصرخ, وعلمت ان والدي قد انتقل الى الرفيق الأعلى. وعن ذكريات أيام حرب يونيو قال عبدالحكيم كنا: قد انتهينا من امتحانات آخر العام, وكنت أجلس مع اشقائي ووالدتي على مائدة الغداء, وعندما حضر والدي اقترحت عليه والدتي ان نذهب الى الاسكندرية يوم الاثنين التالي, فقال والدي: الحرب ستقوم يوم الاثنين!.. فقالت والدتي: ان شاء الله لن تقوم.. واتفقنا على السفر فعلا, وكان الموعد المقترح لسفرنا هو يوم الاثنين الخامس من يونيو. وفي يوم الاثنين فوجئت بأشقائي يوقظوني في الصباح الباكر, فقلت: هل سنسافر الآن؟ فقالوا: لا.. لكن الحرب قد بدأت. يضيف عبدالحكيم: قام كل منا بجمع بعض الأشياء البسيطة للنزول الى (المخبأ) الذي كان معدا لمثل هذه الظروف في بيت الرئيس بمنشية البكري, وعندما عاد والدي دخلت عليه مكتبه فوجدته مهموما جدا, وفي يده بعض الصور للمطارات التي دمرها العدو. وبعد قليل خرج من المنزل متوجها الى القيادة العامة للقوات المسلحة ونزلنا مرة اخرى الى (المخبأ) في انتظاره, لكنه تأخر فنمنا, وعندما استيقظنا في الصباح اكتشفنا انه عاد الى غرفته, فصعدنا الى الطابق العلوي لكي لا نتركه بمفرده, وفي يوم التاسع من ابريل خرج ليذيع بيانا الى الشعب. ويضيف عبدالحكيم: كنت أستمع أنا ووالدتي وشقيقتي هدى الى الخطاب الى ان أعلن والدي التنحي, في البداية لم أفهم معنى كلمة (التنحي) لكنني فوجئت بانهيار شقيقتي هدى, فقد ظلت تصرخ وتقول: (مستحيل.. هذا لن يحدث) .. أما الوالدة فلم تنزعج أبدا, وقالت: يكفي هذا, نريد ان نستريح. بعدها بقليل عاد الوالد الى المنزل ودخل مكتبه, ولم يمض سوى وقت قليل حتى بدأنا نسمع أصوات الناس في الشارع والهتافات التي تطالبه بالتراجع عن قراره, حتى ان هناك هتافا لا أنساه هو (عبدالناصر يا حبيبنا.. مش ها يهون عليك تسيبنا) , وفجأة انقلب المنزل الى خلية نحل, وجاء الوزراء والعاملون في الدولة, بالاضافة الى المواطنين الذين ظلوا حتى الصباح موجودين عند بوابة المنزل. القاهرة ــ مكتب البيان