قدم الرئيس الأمريكي بيل كلينتون حزمة سياسات اعتبرها أهم أولوياته التي يعتزم التركيز عليها خلال الفترة المتبقية له في البيت الأبيض. واعتبر كلينتون ان العراق لا يزال يمثل أكبر التحديات التي تواجه واشنطن وانها ستواصل العمل من أجل احتوائه . كما أكد في خطاب شامل ألقاه بسان فرانسيسكو أمام حشد من رجال الأعمال عزمه على مضاعفة جهوده لاحلال السلام بالشرق الأوسط.. وعرج كلينتون في خطابه الأول منذ نجاته من قرار بالعزل أمام مجلس الشيوخ إلى الحالة السياسية لدول العالم من وجهة نظر أمريكية وكيفية تعاطي واشنطن مع كل حالة على حدة فأكد دعمه للأردن وحذر بلجراد من استخدام القوة في كوسوفو وتوعد بمحاربة الارهاب بكل قوة كما تطرق إلى علاقات الولايات المتحدة بكل من موسكو وبكين. وحذر الرئيس الأمريكي من الدعوات الانعزالية ولم يغير الرئيس الأمريكي شيئا من الموقف الأمريكي تجاه بغداد إذ أكد ان العراق لا يزال يمثل أكبر التحديات للولايات المتحدة الأمريكية اليوم. وقال في هذا الصدد ان واشنطن تعمل من أجل احتوائه حتى لا يهدد العالم, والمنطقة بأسلحة الدمار الشامل. ووعد الرئيس بالسعي حتى اليوم الاخير من ولايته الرئاسية الى ابرام تسوية شاملة (عادلة ونهائية) للسلام في الشرق الاوسط. وقال اذا قام الاسرائيليون والفلسطينيون (بواجبهم فيتعين علينا القيام بواجبنا) . واضاف الرئيس الامريكي (انوي ان استخدام الوقت المتبقي لي للحض على ابرام سلام شامل في الشرق الاوسط, وتشجيع الاسرائيليين والفلسطينيين على التوصل الى تسوية عادلة ونهائية وان ابقى الى جانب اصدقائنا المؤيدين للسلام كالاردن) . وفي اشارة الى المأزق الراهن لعملية السلام التي توقفت مجددا بعد الاتفاق الاسرائيلي الفلسطيني في واي بلانتيشن في اكتوبر الماضي, قال ان (شعوب الشرق الاوسط قادرة على التوصل الى السلام, لكن الوقت ثمين ولا يستطيعون ان يسمحوا باضاعته) . واعلن ايضا (انهم في اعماق انفسهم يعرفون انه طالما لم يكن هناك امن وعدل للجميع, لن يكون هناك لا امن ولا عدل لاي كائن يعيش على هذه الارض الصغيرة المقدسة) . واكد كلينتون ان من مصلحة الولايات المتحدة القيام بدور وسيط السلام (ليس لأننا نعتقد اننا قادرون على ازالة جميع المشاكل, انما لاننا (...) تعلمنا ان العالم يسير بشكل افضل عندما تحل المشاكل بقوة الحجج وليس بقوة السلاح) . واوضح انه لن ينسى يوم وقع رئيس الوزراء الاسرائيلي الراحل اسحق رابين ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات اتفاق السلام في البيت الابيض في سبتمبر 1993. وقال (السؤال الذي كان مطروحا انذاك, هل يصافح رئيس الوزراء رابين الرئيس عرفات على مرأى من العالم للمرة الاولى؟) . وذكر كلينتون بان (النقاش كان مهما ولم يخل من الدعابة) . واضاف (انتهى النقاش عندما قال لي اسحق رابين الذي كان عسكريا على الدوام) سيدي الرئيس لقد حاربت هذا الرجل, طوال ثلاثين عاما, ولقد دفنت كثيرا من اخواني خلال تلك الفترة, لكننا لا نصنع السلام مع الاصدقاء) . وقال كلينتون ان الولايات المتحدة تستخدم جميع الموارد المتاحة لها من أجل ملاحقة الارهابيين (وحتى إذا احتاج الأمر الى سنوات فإن على الارهابيين أن يعلموا انه ليس هناك ملاذ آمن لهم) . وأشار إلى ان على الأمة الأمريكية ان تكون مستعدة لمواجهة تهديدات بيولوجية وكيماوية وحتى نووية (ولا تزال هناك امكانية بأن تهدد حروب اقليمية رئيسية أمننا) . وأيد الرئيس الامريكي الجهود التي تبذلها المكسيك لمكافحة المخدرات على الرغم من تقرير امريكى جديد يحمل المكسيك مسؤولية التهاون ازاء الفساد الناجم عن ترويج المخدرات. ورغم ما ذكره راديو صوت امريكا انه جاء في تقرير وزارة الخارجية الامريكية السنوي الذي يقدم الى الكونجرس عن تجارة المخدرات في العالم ان الفساد المستمر في اجهزة تطبيق القانون المكسيكي يعرقل جهود مكافحة المخدرات... الا ان كلينتون اعلن انه سوف يؤكد ان المكسيك حليف للولايات المتحده في الحرب ضد المخدرات على الرغم من هذه الانتقادات. وحذر كلينتون الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش من ان حلف شمال الاطلسي سيتحرك اذا شنت القوات الصربية هجوما على السكان المنحدرين من اصل الباني في اقليم كوسوفو قبل استئناف محادثات السلام في مارس. وقال ان المحادثات التي جرت خارج باريس في وقت سابق من الشهر الجاري بين ممثلي الصرب والبان كوسوفو ادت الى احراز تقدم نحو حل الصراع في الاقليم حتى على الرغم من عدم التوصل الى اتفاق نهائي والاتفاق على استئناف المحادثات في 15 مارس. واردف قائلا ان زعماء الالبان المطالبين بالاستقلال وافقوا من حيث المبدأ على اتفاق سيعطيهم حكما ذاتيا (كبيرا) في حين وافق الصرب على نقاط كثيرة على الرغم من استمرار معارضتهم للسماح بدخول قوات تابعة لحلف شمال الاطلسي الى كوسوفو. وأعرب الرئيس الأمريكي عن قلقه من حالة الضعف التي تشهدها روسيا حاليا والتي (تجعل المستقبل غامضا) . وشدد كلينتون على (المخاطر الناجمة عن كون روسيا منهكة بالارث الشيوعي وعن عدم قدرتها ايضا حتى الان على تحقيق الازدهار لمواطنيها وضبط تدفق الرساميل والاسلحة والتكنولوجيا عبر حدودها) . واعلن الرئيس الامريكي (ان الظرف غير مناسب للمجاملة او (...) التشاؤم) ملاحظا ان روسيا توصلت خلال العقد الماضي الى تحقيق (اول عملية انتقال ديموقراطية سلمية في السلطة في تاريخها) . وقال كلينتون (يجب على الصين عاجلا او آجلا ان تفهم ان في العالم الذي نعيش فيه, وبالخصوص عندما يتعلق الامر ببلد كبير وعريق وغني بالكفاءات كالصين, لا يمكنها ان تشتري الاستقرار على حساب الحرية) . ورفض كلينتون مجددا (عزل الصين عن قوى التغيير) مفضلا الدفاع عن تعاون مكثف مع الصين عن طريق (التزام يرتكز على مبادئ محددة بوضوح) . وقال الرئيس الامريكي انه يجب على زعماء العالم ايجاد وسيلة للسماح بحرية حركة رأس المال دون حدوث عمليات الصعود والهبوط العنيفة التي قال انها ساعدت على عدم استقرار الدول النامية. واضاف ان سهولة حركة رأس المال ضرورية في اقتصاد العالم الحديث الذي يعتمد على التجارة ولكنه اوضح ان الاقتصاديات الناشئة بحاجة الى حمايتها. واردف قائلا (يتعين علينا ايجاد وسيلة لتسهيل حركة المال والتي دونها لا يمكن ان تحدث التجارة والاستثمار بطريقة تتجنب دورات الصعود والهبوط المثيرة تلك والتي ادت الى انهيار النشاط الاقتصادي في دول كثيرة في انحاء العالم) . واتهم التقلبات الكبيرة لرأس المال انها المسؤولة عن الاضطرابات التي اصابت اسيا وروسيا وامريكا اللاتينية على مدى العامين الماضيين. وقال (عندما تغرق امواج رأس المال الاسواق الناشئة في البداية ثم تنحسر فجأة بعد ذلك.. وعندما يسقط الملايين الذين شقوا طريقهم الى الطبقة الوسطى في الفقر فجأة فان الحاجة لاصلاح النظام المالي الدولي تكون واضحة) . وقال كلينتون في خطابه انه سيتم بذل مزيد من الجهد لاعادة تنظيم الطريقة التي يتحرك بها رأس المال حول العالم خلال اجتماع قمة الدول الصناعية السبع الكبرى في العالم في المانيا في يونيو. ودعا كلينتون الأمريكيين إلى تبني منطق العولمة الحتمي عبر رسم الخطوط العريضة لوضع الدبلوماسية الأمريكية في العالم. وقال كلينتون ان الولايات المتحدة (كانت دائما موجودة في اللحظات الكبيرة لكننا نميل إلى الاهتمام بشؤوننا الخاصة) , مشيرا إلى (فرض) العولمة وكذلك إلى (اخطارها) . وتحدث كلينتون عن سباق التسلح بين الهند وباكستان الذي (يفترض ان يذكرنا بأن الحرب المقبلة يمكن أن تكون نووية) . وأعرب عن أمله في (اقامة شراكة بين روسيا وحلف شمال الاطلسي وكذلك بين الحلف وأوكرنيا) , مذكرا بأهمية قمة الحلف الأطلسي التي ستعقد في ابريل المقبل وستشهد توسيع الحلف. وأشاد بالاصلاحات الديمقراطية في نيجيريا قائلا انه سيلغي العقوبات التي فرضت عليها بسبب عدم التعاون في مجال مكافحة المخدرات وأعرب عن استعداده لزيادة الدعم إذا تماسكت عملية التحول إلى الديمقراطية. وبعيد انتهاء الخطاب صرح ساندي بيرجر, مستشار الرئيس الامريكي للامن القومي بان كلينتون اراد ان يوضح في هذا الخطاب (سبب بقاء الولايات المتحدة ملتزمة في العالم) برأيه. واكد كلينتون ان (الولايات المتحدة لديها فرصة وحتى المسؤولية الرسمية للعمل من اجل عالم يعيش بسلام ورخاء في القرن الحادي والعشرين) . ــ الوكالات