لم تواجه حكومة اسرائيلية على مدى نصف قرن من عمر الكيان الصهيوني متاعب وأزمات وصراعات داخلية مثل التي تواجهها الان حكومة نتانياهو, هذا في الوقت الذي لم يعاني فيه العرب تفككا وتفتتا مثل الذي يعانون الان , خاصة بعد حرب الخليج, وهناك العديد من التفسيرات لهذه الظاهرة, وان كنا نرى ان اهم الأسباب هي طبيعة المرحلة ذاتها التي يمر بها الكيان الصهيوني, وهي مرحلة الانتقال من اثبات الوجود وكسب الاعتراف الى مرحلة بناء الدولة وتوطيد دعائمها داخلياً وخارجياً, فقد تولى الأعباء في المرحلة الأولى جيل من الصهاينة المهاجرين أمثال بن جوريون ومائير وبيجن وشامير ورابين وبيريز وغيرهم, بينما يتطلع لمرحلة البناء وتأسيس الدولة جيل اخر نشأ وترعرع في أحضان الكيان الصهيوني أمثال نتانياهو وايهود باراك ويوسي بيلين وشلومو بن عامى وإفراييم بن سنيه, وهو الجيل الذي يتطلع اكثر الى السلطة ويصارع من أجلها بحكم انتمائه للكيان الصهيوني القوى بعد حرب 1967 وبعد انهيار المعسكر الاشتراكي وانتهاء الحرب الباردة, وهو الجيل الذي يواجه صراعات خارجية اقل حدة جعلته يتفرغ اكثر للصراعات الداخلية. ظهور الصراعات الداخلية وفي ظل التفتت العربي وغياب التوازن على الساحة الدولية فإنه من المتوقع للجيل الحالي داخل اسرائيل ان يكون أكثر تطرفاً وعداء لجيرانه العرب. وعلى الرغم من الديمقراطية داخل الكيان الصهيوني والذي تفرضه التعددية القومية للمهاجرين اليهود بمختلف انتماءاتهم وثقافاتهم وحضاراتهم ولغاتهم وعاداتهم, وهو الأمر الذي يستحيل معه فرض حكم ديكتاتوري او شمولي قوي يحكم كل هذه القوميات المتناقضة, الا أن هذه الديمقراطية تحمل في طياتها خطراً أكبر على هذا الكيان يتمثل في صراعات عرقية وقومية كبيرة لم تظهر معالمها في المرحلة السابقة بسبب كثرة التهديدات الخارجية, والأن بدأت تظهر على سطح الحياة السياسية بوضوح وأصبحت بالفعل تشكل تهديدات واقعية قد تظهر تداعياتها في المستقبل القريب. اضطهاد السفارد ومن أبرز الصراعات القومية داخل الكيان الصهيوني الصراع بين اليهود الأشكناز المنحدرين من أصول غربية واليهود السفارد المنحدرين من أصول شرقية وغالبيتهم من اليهود المهاجرين من دول عربية, والذين يعاملون بشكل من العنصرية والتمييز من قبل الأشكناز الذين يشغلون المناصب الهامة والرفيعة في الدولة ويتركون للسفارد الأعمال والمجالات المتدنية, وقد دفع هذا الاضطهاد السفارد في السبعينات الى التكتل وتكوين تشكيلات وأحزاب سياسية بداية بمنظمة (الفهود السوداء) ثم تشكيل حزب (شاس) عام 1984 والذي صعد هجومه ونضاله ضد الاضطهاد العنصري من قبل الاشكناز الى حد الهجوم على الصهيونية كفكرة من أساسها باعتبارها اختراعاً أشكنازياً, ووصل الأمر الى درجة طلب بعض اليهود السفارد من أصل عربي اللجوء السياسي الى السلطة الفلسطينية عام 1997 هرباً من اضطهاد الأشكناز لهم. واشنطن لا تريد ليفي وحتى رجال السياسة من السفارد الذين استطاعوا بجهد ومشقة الوصول الى اعلى المناصب في الدولة عانوا ومازالوا يعانون من الاضطهاد العنصري وسيادة الاشكناز عليهم. ومن ابرز هؤلاء وزير الخارجية السابق اليهودي المغربي الاصل (ديفيد ليفي) والذي نافس على زعامة حزب الليكود ورئاسة الحكومة سنوات طويلة منذ عهد مناحم بيجن وحتى الان, والذي صرح مؤخراً بأنه سوف يخوض المعركة الانتخابية القادمة للفوز برئاسة الحكومة عام 2000. وقد ناضل ليفي كثيراً ضد اضطهاد اليهود الأشكناز له في السلطة قبل أن يستقيل من منصبه كوزير للخارجية في مطلع عام 1998 بسبب خلافات حادة مع (نتانياهو) الذي سحب منه كل الصلاحيات في الحوار مع الفلسطينيين, وبسبب عدم رضا واشنطن عنه خاصة بعد تولي مادلين اولبرايت شؤون الخارجية الامريكية والتي عبرت اكثر من مرة هي ومساعدها في الشرق الاوسط دنيس روس عن نفورهما وضجرهما من التعامل مع (ليفي) الذي لا يجيد اللغة الانجليزية ويتعامل معهما دائماً من خلال مترجم, ووصفوه بأنه شرقي أكثر منه يهودي, ولديه من الأبناء اثنا عشر ولا يؤمن بتنظيم الأسرة مثله مثل العرب أعداء اسرائيل الذين انحدر منهم. نشأ مع العمال وقد ولد ليفي في الرباط في المغرب, وتعلم في المدارس الفرنسية, ولم يلتحق بالجامعة, وهاجر الى فلسطين عام 1957 وقد تعدى العشرين من عمره, وتعلم العبرية هناك حتى يستوفي شروط المواطنة, واشتغل في ورشة للنجارة ثم عامل بناء مثله مثل باقي اليهود السفارد الذين كانت تنسب اليهم الأعمال الشاقة, وأتاحت هذه الظروف لليفي الفرصة لتكوين شعبية واسعة في أوساط العمال والطبقات الكادحة من السفارد وغيرهم, وتزعم حركات تمرد واضطرابات عمالية جعلت منه نجماً سياسياً تسعى باقي الأحزاب الى ضمه لصفوفها بهدف كسب أصوات جموع السفارد. خالف التوقعات ولكن رغم كل هذا خالف ليفي كل التوقعات وانضم منذ البداية الى حزب (حيروت) اليميني الذي كان يضم المليونيرات من رجال الأعمال وأصحاب الشركات, وكان يتزعمه انذاك (مناحم بيجن) في مواجهة خصمه العنيد (ديفيد بن جوريون) زعيم حزب (الماباي) الذي نما فيما بعد واندمج مع الأحزاب العمالية ليكون معهم حزب العمل الذي يرأسه الان (ايهود باراك) خلفا لشيمون بيريز, بينما نما حزب (حيروت) واندمج مع حزب الاحرار ليكونا فيما بعد تكتل الليكود الذي يتزعمه الان نتانياهو. الرجل الثاني في هذا المناخ السياسي بدأ اليهودي السفاردي ديفيد ليفي يشق طريقه بمهاراته وامكانياته وذكائه السياسي معتمداً على قاعدته الشعبية وسط السفارد الذين لم يتخلوا عنه بسبب انتسابه للأحزاب اليمينية معتبرين هذا تكتيكاً سياسياً يستوجب تواجدهم في كل التيارات. ودخل ليفي الكنيست الاسرائيلي لاول مرة عام 1969 وزادت فاعليته وشعبيته, واختاره بيجن عام 1977 وزيراً للهجرة وتألق حتى أصبح الرجل الثاني بعد بيجن في الحزب, وكان المرشح الأول لخلافته في رئاسة الحكومة بعد استقالة بيجن المفاجئة عام 1983, ولكن بسبب الاضطهاد العنصري للسفارد من قبل الاشكناز لم يتولى ليفي رئاسة الحكومة وانتزعها منه (اسحاق شامير) الذي أبقى على ليفي في الحكومة بجانبه كنائب له ووزير للاسكان. لم يتفق مع نتانياهو وفي عام 1990 كان الانتقال المفاجىء لليفي الى وزارة الخارجية رغم عدم اجادته للغة الانجليزية, وجاء نتانياهو ليبقيه في منصبه كوزير للخارجية ونائب لرئيس الوزراء كسبا لتأييد اليهود السفارد. وجاءت استقالة ليفي في مطلع العام الماضي بسبب خلافه مع نتانياهو واتهامه له بالمماطلة في تنفيذ اتفاقيات السلام مع الفلسطينيين. ويؤكد الكثيرون على أن استقالة ليفي لم تكن بسبب تعاطفه مع الفلسطينيين بقدر ما كان تطلعاً منه لمستقبل سياسي افضل يطمح فيه لرئاسة الحكومة بعد عامين, وقد اختار هذا التوقيت المناسب للابتعاد عن نتانياهو الذي اهتزت الارض تحت اقدامه وأصبح معرضاً للسقوط قريباً. وكما فعل ليفي مع شامير عام 1992 عندما اختلف معه, عاد يخطب في قاعدته الشعبية من السفارد مهاجماً الاشكناز ومتهماً اياهم باضطهاده ومحاولة اخراجه من الليكود. حزب جيشر ومازال ليفي يتزعم حزبه الصغير المسمى حزب (جيشر) اي الجسر, والذي اسسه عام 1992, ساعياً من ورائه الى تقريب المسافات بين السفارد والأشكناز, والان يستعد ليفي لخوض معركة الانتخابات المقبلة التي ينوي ترشيح نفسه فيها للرئاسة ولديه امل كبير في الفوز معتمداً على قاعدته الشعبية الكبيرة من السفارد الشرقيين. ولكن هل ينجح اليهودي المغربي الاصل في الوصول الى رئاسة الكيان الصهيوني؟ اليهود السوفييت اغلب التوقعات تقول أنه ربما ينجح في الحصول على منصب كبير في الحكومة المقبلة, اما الرئاسة فهي أمر صعب بل وربما مستحيل في ظل الظروف الاجتماعية التي تعيشها اسرائيل الان في الداخل خاصة بعد هجرة اكثر من نصف مليون يهودي من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق, والذين ينتمون (حسب ميولهم) لليهود الاشكناز الغربيين, ويرفضون الانتماء للسفارد المتخلفين, وهذا في حد ذاته يعني مزيداً من الاضطهاد والتمييز العنصري لليهود السفارد ربما لا يستطيع معه (سبارتاكوس اليهودي) ديفيد ليفي, كما يطلقون عليه أحيانا نسبة الى محرر العبيد في روما القديمة, من أن يواصل نضاله ضد التمييز العنصري, وان يصل الى قمة السلطة في الكيان الصهيوني.