أحداث وتطورات سياسية واقتصادية عديدة, هيمنت على الساحتين العربية والعالمية, واحتلت مكان الصدارة في حصاد العام المنصرم 1998. غير ان تنوع الأحداث وآثارها العميقة تجعل من الصعب ترتيبها في شكل هرمي بحيث يكون حدث واحد في القمة هو الأهم, فهناك أكثر من حدث عربي وعالمي, تأتي كلها في قمة الاهتمامات وعلى المستوى نفسه من عمق التأثير ومداه, زمانيا ومكانيا. عامل مشترك يبقى الأبرز بين هذه التطورات كلها, حيث يغلب التراجع على التقدم والتدهور على التطور, سواء على مستوى القيم أو بالنسبة للممارسات فيما يوصف بأنه (نظام عالمي جديد) . فالصرعات السياسية والنزاعات المحلية والاقليمية المدفوعة بمصالح قوى الهيمنة العالمية والمدعومة بأسلحتها, ما زالت تقطع أوصال الشعوب وتفتت الدول وتباعد بين الأمم. وبعد ان كانت قوى الهيمنة تعمل من وراء الستار خلف واجهات مصطنعة وأسماء مستعارة, أصبحت الآن تمارس شهوتها التدميرية وتشبع نهمها الدائم للنهب والسيطرة, علنا على شاشات التلفزيون وعبر أحدث وسائل العرض والبث الفضائي. وكما أصبحت (دبلوماسية الصواريخ العابرة) تتحكم في العلاقات الدولية, فإن الاقتصاد العالمي محكوم هو الآخر بسياسة الاستثمارات المتحركة والانهيارات المالية المتعمدة الى درجة إسقاط الحكومات والتصرف في مصائر الدول. رغم كل ذلك, فإن سفر الأحداث المؤلمة والمظلمة هذا لا يخلو من مواقف مضيئة وصفحات مشرقة, تبعث الأمل وتستثير الهمم نحو مستقبل أكثر عدلاً وأقل طغياناً. قمة التعاون على المستوى العربي الخليجي تأتي قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية في أبوظبي على رأس أبرز الأحداث السياسية في المنطقة, حيث مثلت انطلاقة جديدة للعمل الخليجي المشترك نحو المزيد من التفاعل والتعاون في كافة المجالات, خاصة وان القمة عقدت في توقيت بالغ الأهمية, حيث تزامن مع انخفاض حاد في أسعار النفط المورد الرئيسي في اقتصاديات المنطقة, وأحد أهم العوامل المؤثرة في خطط البناء والتنمية. وقد أكدت لقاءات ومناقشات القادة خلال القمة حرصهم الدائم واهتمامهم بتوفير الأمن والاستقرار والرفاهية للشعب الخليجي الواحد وللمنطقة بشكل عام, حيث قرر المجلس الأعلى عقد لقاء تشاوري أخوي نصف سنوي لأصحاب الجلالة والسمو قادة مجلس التعاون لدول الخليج العربية فيما بين القمتين السابقة واللاحقة, وتدارس المجلس الأعلى وضع السوق البترولية والآثار الناجمة عن انخفاض الأسعار على اقتصاديات دول المجلس, اضافة الى عدد من القرارات الأخرى التي أصدرها القادة حول مسألة التركيبة السكانية في دول المجلس, والهيئة الاستشارية للمجلس والشؤون الإعلامية وغيرها. وفيما يتعلق بالشؤون العربية عامة أكد (إعلان أبوظبي) الصادر عن القمة ضرورة العمل على تعزيز العلاقات العربية وفق المبادئ والقواعد والمواثيق العربية والاسلامية والدولية المستقرة, وبذل الجهد المتواصل لإعادة بناء العلاقات العربية على أساس متين من الأمن والاطمئنان والثقة, والعمل على بناء التضامن العربي الفعال, وتطوير العمل العربي المشترك, (بهدي من ديننا الحنيف وشريعتنا السمحاء .. وإيمانا بالمصير المشترك للأمة العربية وبالترابط الذي لا ينفصم بين الشعوب العربية, وبأن السبيل الى تحقيق مستقبل أفضل للأمة العربية, إنما يكمن في التمسك القوي بالأهداف والمبادئ التي كرستها المواثيق وقرارات جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي والأمم المتحدة ..) كما جاء في ديباجة اعلان أبوظبي. وقد أكد صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة في كلمة له أثناء الجلسة الختامية للقمة, ان دولة الامارات لن تكون حجر عثرة في وجه العمل العربي المشترك, وانها ستكون مع رأي تتفق عليه الأغلبية سواء في مجلس التعاون أو الجامعة العربية, كما أكد سموه على ضرورة أن يشمل عمل مجلس التعاون ابناء الأمة العربية. وهكذا تؤكد الامارات مجددا, وعلى أعلى المستويات مواقفها الثابتة وحرصها الدائم على التضامن العربي, ورفع شأن الأمة وتجاوز الجراح حتى تعيد إلتئام الشمل واستعادة النهوض والتطلع نحو المستقبل. مأساة العراق أكثر الجروح العربية نزفا وإيلاما في السنوات الأخيرة, ما يتعرض له الشعب العراقي, بأطفاله ونسائه ومسنيه, من حصار وصل الى درجة الإبادة الجماعية, حيث تموت آلاف الأطفال والمرضى شهريا, بسبب نقص الأدوية وندرة الغذاء وتدني المستوى المعيشي, رغم النداءات والتقارير الاقليمية والدولية المنددة بالحصار والمطالبة بوقفه. لكن القوى المهيمنة والمتحكمة في القرارات والسياسات الدولية, لم تكتف بما عاناه ويعانيه الشعب العراقي عبر ثماني سنوات كاملة من التجويع والقهر ومحاولات التفتيش والتفتيت, فقد عمدت أمريكا بمشاركة بريطانيا الى توجيه أعتى ما في ترسانتيهما من صواريخ عابرة, وطائرات (لا يكشفها الرادار) لقتل العراقيين وتدمير المنشآت الانسانية والعلمية والتعليمية في بغداد وغيرها من مدن العراق. ولم تأبه القوتان المعتديتان بعدد الضحايا من الأبرياء, أو بمدى التدمير الأعمى للبنية التحتية والمرافق المدنية, وأكثر من ذلك فقد تجاهلتا عمدا استمرار القصف المدمر رغم حلول شهر رمضان المبارك أكثر الشهور حرمة وقدسية في الاسلام وعند الله. لكن (الثعلب المستأسد) لم يحقق أهدافه, سواء على المستوى العسكري التدميري, أو على المستوى السياسي والدبلوماسي, بل جاءت النتائج عكسية على أكثر من صعيد, عربيا واقليميا وعالميا. فقد أحدث العدوان ردرد فعل غاضبة في مختلف أرجاء الوطن العربي وعلى الصعيدين الشعبي والرسمي, وكان من نتائج هذا الغضب العارم عقد جلسة طارئة للاتحاد البرلماني العربي, دعت في ختام أعمالها الى رفع الحصار فورا عن الشعب العراقي, والى عقد قمة عربية عاجلة. وقد أكد محمد خليفة بن حبتور رئيس المجلس الوطني الاتحادي رئيس وفد الدولة الى الاجتماع ان دعوة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة ان عقد قمة عربية تشارك فيها كافة الدول العربية, تستند الى المصارحة والمصالحة لحل الخلافات العربية ووضع رؤية مستقبلية تتجاوز سلبيات الماضي وتتكئ على وحدة الآمال والأهداف والمصير المشترك, هي السبيل الوحيد الى صياغة مشروع مستقبلي يخرج هذه الأمة من وضعها الراهن ويعيد لها مكانتها بين الأمم ودورها الحضاري الرائد. وطالب البيان الختامي للاتحاد البرلماني العربي الحكومات العربية برفع الحصار عن العراق, وأدان بقوة الهجوم الأمريكي البريطاني على بغداد, كما دعا مجلس الأمن الى ضمان عدم تكراره وتعويض العراق عن خسائره, مؤكدا ضرورة عقد قمة عربية عاجلة (لاتخاذ القرارات الضرورية بشأن مساندة العراق, ودراسة المستجدات التي جرت في الوضع العربي والتهديدات الموجهة الى الأمن القومي العربي) . وسواء عقدت القمة قريبا كما هو مطلوب ومأمول, أو تأجل انعقادها, كما حصل في مرات سابقة عديدة, الا ان مجرد الدعوة اليها في هذه الظروف تحديدا ومدى الاستجابة التي أظهرتها الدول العربية للمشاركة فيها, تؤكد اولا فشل أمريكا وتابعتها بريطانيا في تحقيق الأهداف السياسية للهجوم الصاروخي والجوي على العراق, كما تؤكد ثانيا وربما هذا هو الأهم, عودة الروح الى الجسد العربي وجريان الدم في شريانه من جديد, بعد ان تصور البعض ان العرب (ما عندهم دم) !! (السلام) المجمد لم يترك العرب مناسبة ولم يفوتوا فرصة الا وأكدوا فيها ان السلام (خيار استراتيجي) بالنسبة إليهم وأنهم جادون وماضون في سبيل تحقيقه, غير ان السلام لا يتحقق من طرف واحد, أو كما يقول المثل (يد واحدة لا تصفق) . والواضح ان الطرف الاسرائيلي, خاصة في عهد نتانياهو الليكودي, ليس عازفا عن السلام ومستخفا به فحسب, بل انه يسعى الى وضع أكبر قدر من العراقيل في سبيله وتعطيله بأي شكل. فقد جمد المسار السوري اللبناني كليا, وتحول المسار الفلسطيني الى لعبة في يد نتانياهو فلا هو يعطله كليا مثل المسار السابق, ولا هو يترك الامور تسير حسب الاتفاقات التي تم التوصل اليها, وما أكثرها. فكلما تم الاتفاق على جدول زمني أو خريطة مكانية, بعد سلسلة من الشروط التعجيزية التي يضعها الجانب الاسرائيلي, يأتي هذا الجانب نفسه في اليوم التالي أو قبل ذلك لينقض العهد كعادته ويفتعل الأسباب والمبررات لعدم الالتزام بما وقع عليه ويضع المزيد من المطالب والشروط. لا التنازلات نفعت, ولا الوساطات على كثرتها وتنوعها أثرت, ولا التواقيع تم احترامها .. وكأن هذا (السلام) المطلوب لا يتحقق, إلا بامتصاص آخر قطرة دم فلسطينية, ونزع آخر خيط عن عورة النظام العربي وأزمة السلطة, أما الأرض فقد تم ابتلاعها فعلا ولم يعد الحديث الا عن (كسور) لا تسمن ولا تغني من كرامة أو حرية, ولا تسد الرمق الأدنى من السيادة والاستقلال. ورغم ما أبدته السلطة الفلسطينية من أقصى درجات المرونة و(التسامح) الا ان ذلك لم يزد نتانياهو وعصابته الا غطرسة وشهوانية للمزيد من إسقاط الحقوق الوطنية الفلسطينية والعربية, والنكوث بالمواثيق والاتفاقيات الملزمة. أما الشاهد الوحيد الذي (لم ير شيئًا) مما تقوم به سلطات الاحتلال الاسرائيلي من عمليات ارهاب وبطش ضد الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدساته, فإنه مشغول بمتابعة ما تخفيه أصغر نملة في أرض العراق, وهدم أكبر قدر من منشآته ومرافقه الحيوية المدنية. لكن الأمة العربية لم تمت ولن تموت أو تقبل باستمرار اغتصاب حقوقها وإهانة كرامتها, سواء في فلسطين أو العراق أو ليبيا وغيرها من أقطار الوطن العربي, وهو ما أكدته الاحداث والتطورات الأخيرة, وتؤكد على الدوام مواقف قادة لم ترهبهم القوة ولم ييأسوا من روح الله. لوكيربي .. أزمة مستمرة يبدو وكأن الحصار (الدولي) أصبح حكرا على الدول والشعوب العربية دون غيرها من شعوب العالم, ربما لأنها الأكثر استيرادا واستهلاكا لمنتجات الآخرين! فعلى الرغم من الحصار المأساوي المفروض على العرب في العراق, ها هو شعب عربي آخر يواجه حصارا مستمرا منذ سنوات, هو الشعب الليبي الشقيق لا لشيء إلا لان اثنين فقط من أبناء هذا الشعب (متهمان) بالضلوع في تفجير احدى الطائرات الأمريكية قبل نحو عشر سنوات. ورغم ان القاعدة القانونية الثابتة في جميع دساتير وقوانين العالم هي ان (المتهم بريء حتى تثبت ادانته) فإن الإدانة صدرت قبل المحاكمة ليس على المتهمين الاثنين فقط, وإنما على شعب بكامله دون ذنب أو جريمة ارتكبها, أو حتى اتهم بارتكابها؟ ومع ان مبادرات كثيرة طرحت, ووساطات عديدة تمت كانت آخرها وساطة الأمين العام للأمم المتحدة وزيارته لليبيا في أوائل ديسمبر ,1998 الا ان امريكا وتابعتها بريطانيا دأبتا على رفض كل الحلول والمقترحات الرامية الى إنهاء هذه الأزمة المفتعلة, والتي تؤثر على احتياجات شعب بأكمله من الغذاء والدواء وغيرها من الاحتياجات الأساسية. وسبق لمحكمة العدل الدولية ان اصدرت حكما يؤكد اختصاصها بحل المشكلة قانونيا, مما يعني بطلان قرارات الحظر أساسا. وهذا ما دفع الدول الافريقية الى اتخاذ قرار بانهاء الحظر الجوي ضد ليبيا, اثناء قمة منظمة الوحدة الافريقية في مايو ,1998 وقد التزمت أغلبية الدول الافريقية غير العربية بهذا القرار, إلا الدول العربية في القارة والتي وافقت على القرار أو لم تعلن معارضتها له, لم تلتزم به رغم انه كان من الأولى والأجدر بها ان تكون السباقة الى ذلك, وان تصدر الجامعة العربية قرارا برفع الحظر قبل ان تتخذ المنظمة الافريقية هذا القرار وتلتزم به وتنفذه بشجاعة لم تستطع أي من الدول العربية الافريقية ان تصل الى حدها الأدنى بعد!! وهكذا تستمر أزمة لوكيربي, وتستمر معها الحصارات المتعددة والمتنوعة ضد العرب, ويكون العرب أنفسهم ــ للأسف ــ هم الأسبق في تنفيذها والأكثر التزاما باستمرارها! حرب السودان .. إلى متى؟ ما زالت جراح السودان تنزف خسائر بشرية وتراجعا تنمويا واقتصاديا .. بسبب الحرب العبثية الدائرة على أكثر من جبهة عسكرية وسياسية بين المعارضة والحكومة السودانية. وقد أدى استمرار الحرب أكثر من خمسة عشر عاما الى تزايد وتعميق حجم المجاعة في جنوب السودان مما أودى بحياة الكثيرين وعرض أرواح الباقين لمخاطر الموت جوعا وسوء تغذية. ورغم سنوات الحرب الطويلة ومعاناة الشعب المستمرة, لم يستطع أي من الطرفين (الحكم أو المعارضة) حسم الصراع لصالحه, بالقدر نفسه الذي لم يستطعا فيه التوصل الى حلول وقواسم مشتركة تضع مصالح الأمة والوطن فوق كل الاعتبارات الأخرى. بل يبدو ان مواقف الجانبين تتشدد أكثر كلما زادت المعاناة الشعبية وتضاعفت الخسائر الوطنية والقومية, من جراء استمرار المعارك وزيادة التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة. ويبدو كذلك ان اطرافا اقليمية ودولية, بعضها صرح بموقفه علنا والبعض الآخر يفضل العمل خلف الستار, تغذي هذا الصراع وتعمل على سد كل الأبواب والنوافذ التي يمكن أن يدخل نسيم تقارب وطني أو هواء تصالح بين أبناء الشعب الواحد. فإلى متى يستمر هذا الهدر العابث لمصالح الوطن والأمة, وهل من نهاية لموقف اللامبالاة عربيا وإسلاميا؟! كوسوفو .. الصمت المريب تعود بدايات الصراع العرقي في كوسوفو الى منتصف القرن العشرين (بين عامي 1945 - 1949) مع نشأة الدولة الاتحادية اليوغسلافية. غير ان التوتر الذي أوصل الى الحرب الحالية في كوسوفو بدأ منذ عام 1989 عندما أعلن الزعيم الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش الغاء وضعية الحكم الذاتي لكوسوفو, وإلغاء رسمية اللغة الالبانية بالمدارس والعمل على تغيير المنهاج الدراسي, في تحد سافر لمشاعر المسلمين ذوي الأصول الألبانية في كوسوفو والذين يمثلون نحو 94% من سكان الاقليم. واستمرت الصدامات بين الجانبين حتى وصلت المواجهة ذروتها في عام 1998 عندما قامت قوات الأمن الصربية بقتل أكثر من 200 شخص من أهالي الاقليم في حملة محمومة بحثا عن أعضاء (جيش تحرير كوسوفو) تبعتها حملات مماثلة أدت الى مقتل الكثيرين وتشريد الآلاف من سكان الاقليم الذين أصبحوا لاجئين بدون مأوى أو مورد رزق. ورغم الفظاعات التي ارتكبتها القوات الصربية ضد الأهالي المدنيين في كوسوفو وعمليات التدمير الممنهجة للمساكن والمرافق في الاقليم, الا ان ردود الفعل العالمية والغربية خاصة لم تخرج عن اطار رفع العتب والتظاهر بمظهر البراءة, دون القيام بأي عمل فعلي جاد من شأنه ايقاف عمليات الابادة التي تمارسها قوات الجيش والشرطة الصربية ضد النساء والأطفال وكبار السن, في أكبر تحد لحقوق الإنسان والشرعية الدولية والمشاعر الانسانية, في الوقت الذي تعربد فيه بعض القوى الدولية في أماكن ومناطق أخرى بما هو أشد قسوة وفتكا مما يجري في كوسوفو, وباسم القانون والشرعية الدولية؟! أفغانستان وإدمان الصراع لم تعرف أفغانستان الأمن والاستقرار منذ عقدين من الزمن على الأقل بعد الغزو السوفييتي عام 1979. فقد بدأ الصراع في البداية وكأنه مقاومة وطنية ضد القوات السوفييتية الغازية, لكن الامر لم يختلف كثيراً بعد رحيل القوات السوفييتية, وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي كليا, حيث تحول الصراع من مواجهة مع القوات الغازية الى حرب عنقودية بين فصائل (المجاهدين) السابقين, تشهد كل يوم تحولا جديدا وتحالفات مختلفة, والضحية هو الشعب الأفغاني ومصيره الذي لا يزال غامضا حتى الآن. وبعدما استنفدت الفصائل التقليدية قواها وأدوارها ايضا, ظهرت قوة جديدة من طلاب المعاهد الدينية أساسا, أطلقت على نفسها اسم (طالبان) . وسرعان ما حققت هذه الجماعة مكاسب عسكرية وسياسية كبيرة على الأرض الأفغانية بعيد قيامها عام ,1994 وتوجت جهودها بالسيطرة على العاصمة كابول ثم على معظم الأراضي الأفغانية في أواسط عام 1998. وبسبب الموقف الايراني المؤيد لمنافسي طالبان, ومقتل بعض الدبلوماسيين الايرانيين أثناء سيطرة الجماعة على احدى المدن في شمال أفغانستان, فقد كادت أن تندلع حرب ايرانية أفغانية خلال عام ,1998 غير ان حدة التوتر خفت بعد عدة وساطات دولية واقليمية, وبعد اعلان (طالبان) انها ستحاكم الجناة بعد أن أعادت جثث القتلى الايرانيين الى طهران. ورغم تعدد الأبعاد العرقية والدينية والسياسية للصراع في أفغانستان, فإن هناك بعدا آخر لاشك في أهميته ودوره, وهو البعد الاقتصادي ممثلا في نفط بحر قزوين والتنافس حوله بين القوى الدولية والاقليمية المجاورة لأفغانستان وخاصة بشأن طرق نقله الى الأسواق العالمية الأخرى. وهذا ما يفسر الاهتمام الأمريكي المتزايد بشؤون المنطقة ونزاعاتها, والموقف الروسي المتذمر من محاولات الهيمنة الامريكية, اضافة الى مواقف وعلاقات دول الجوار المتأرجحة بين التقارب حينا والتنافر في معظم الأحيان, خاصة ايران وتركيا اللتين يبدو واضحا ان لكل منهما حساباتها وطموحاتها الاقليمية وعلاقاتها الدولية المختلفة عن الأخرى والمتناقضة معها في الغالب. حوار التفجيرات النووية من الأحداث الاستراتيجية البارزة التي شهدها عام 1998 قيام كل من الهند وباكستان باجراء تفجيرات نووية متعددة, بدأتها الهند بخمسة فكان الرد الباكستاني سداسيا. وقد بدا الاهتمام الهندي بالطاقة النووية مبكرا, حيث أنشأت وكالة للطاقة الذرية عام 1948 أي بعد عام واحد من استقلالها عن التاج الاستعماري البريطاني. وكانت الهند أجرت أول تفجير نووي عام 1974 وصف بأنه تفجير نووي سلمي, الا ان التفجيرات التي أجرتها الهند في مايو من العام المنصرم تعد الأقوى والأكثر في هذا المجال. أما باكستان فقد بدأت بالاهتمام بمجال الأبحاث الفضائية والنووية بإنشاء (وكالة أبحاث الفضاء والغلاف الجوي العلوي) عام ,1961 ومع أنها طورت عددا من الصواريخ البالستية البعيدة المدى نسبيا, الا انها لم تعلن عن القيام بتجارب نووية قبل التفجيرات التي أجرتها ردا على التفجيرات الهندية في مايو من عام 1998. وتبدو هذه التفجيرات وكأنها شكل من أشكال الحوار المتوتر بين البلدين, سواء بسبب مشكلة اقليم كشمير ذي الأغلبية المسلمة, أو بسبب التنافس الاقليمي وتشابك المصالح بين البلدين. وبغض النظر عن الدوافع الذاتية والثنائية, فإن هذه التفجيرات تمثل تحولاً استراتيجيا مهما, آسيويا وإسلاميا, بل وعلى الصعيد العالمي. النمور تتساقط استمراراً أو (استكمالا) للأزمة الاقتصادية السياسية التي عرفتها دول شرق وجنوب شرق آسيا أو (النمور الآسيوية) كما كان يطلق عليها شهدت كل من أندونيسيا وماليزيا تطورات واضطرابات اقتصادية وسياسية كان لها تأثير بالغ على مجريات الحياة العامة في البلدين ولم تنته آثارها بعد. فقد شهدت أندونيسيا مع مطلع عام 1998 انهيارات متتالية في قيمة العملة المحلية, رغم التفاؤل الذي أبدته ميزانية السنة المالية 98 - ,1999 ولم تنفع المساعدات المشروطة (أو الملغومة) التي قدمها صندوق النقد الدولي في وقف تدهور العملة والاقتصاد الاندونيسي بشكل عام. ومع تهاوي المقومات الاقتصادية بدأت الاحتجاجات الطلابية والنقابية والحزبية وتصاعدت المطالبة باستقالة الرئيس سوهارتو حتى سقوطه في 21 مايو 1998. وفي ماليزيا القريبة من أندونيسيا والتي تربطها بها عوامل مشتركة عديدة أهمها الاسلام والجوارالجغرافي والجذور العرقية المتقاربة, تبدو الأزمة مشابهة الى حد كبير وان اختلفت في بعض جوانبها. فقد حققت ماليزيا نموا اقتصاديا وتطورا حضاريا كبيرين خاصة في العقدين الأخيرين ومع زعامة مهاتير محمد رئيس الوزراء منذ عام ,1981 ورغم قوة اقتصادها الا انها لم تسلم من الأزمة الشاملة التي اجتاحت دول المنطقة. وزاد الأمر سوءاً ظهور خلافات سياسية داخلية وخاصة بين رئيس الوزراء ونائبه السابق أنور ابراهيم الذي أقيل من منصبه ووجهت اليه عدة تهم سياسية وأخلاقية, مما ادى الى قيام بعض المظاهرات والاحتجاجات وصلت الى حد المطالبة برحيل مهاتير الذي كان يعتبر الى وقت قريب أبا للنهضة الاقتصادية والحضارية الحديثة في ماليزيا. لكن الكثير من المراقبين والمتابعين للأحداث يثيرون الشكوك حول مدى الدور الخارجي في الأزمة الاقتصادية الآسيوية عموما, وفي أندونيسيا وماليزيا بصفة خاصة. وقد تأكدت هذه الشكوك أكثر بمطالبة امبراطور الاسواق المالية اليهودي جورج سوروس برحيل مهاتير محمد وتخليه عن الحكم في ماليزيا, مما يعتبر تدخلا سافرا ومشينا في شؤون ماليزيا الداخلية وانتهاكا لسيادتها وكرامتها, خاصة وان مهاتير محمد قد عرف بمواقفه القوية والصريحة المؤيدة للحقوق والقضايا العربية والمناوئة للصهيونية العالمية ومحاولاتها السيطرة والهيمنة على مقدرات العالم وخياراته الاستراتيجية. روسيا .. إلى أين؟ تعيش جمهورية روسيا الاتحادية الآن مرحلة انتقالية متذبذبة لايمكن التنبؤ بصورتها النهائية الكاملة بعد, فقد تكون آخر حلقات الانهيار الاقتصادي والسياسي, وربما تكون بداية جديدة لنهضة تخرج روسيا من أزمتها الخانقة وتعيد لها بعض مكانتها ودورها على الساحة الدولية. ويرى البعض ان روسيا الآن بدأت تستفيق من غيبوبة الوهم الغربي الرأسمالي الذي عاشت تحلم به طوال السنوات الماضية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي, وقد بدت بعض الدلائل الواضحة على هذا التوجه في الموقف الذي اتخذته روسيا من الهجوم الامريكي البريطاني على العراق أوائل ديسمبر 1998. غير ان الطريق يبدو ما زال طويلا أمام تحقيق هذا الطموح على أرض الواقع, حيث تعاني روسيا أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة لعب دورا كبيرا فيها الملياردير اليهودي جورج سوروس ايضا (حيث لم يكتف بالسطو على مؤسسات البحث العلمي الروسي ولم يقنع بدوره في إحداث أزمة جنوب شرق آسيا الأخيرة, فدك بمدفعيته الثقيلة حصون الاقتصاد الروسي) . ورغم ذلك يبدو واضحا ان قطاعات كبيرة وفاعلة في المجتمع الروسي بدأت تتحسس مكامن الخطر الحقيقي, وتستعيد بعض دورها ووعيها, وقد تتمكن من تحقيق ذلك ولو بعد حين. فضائح عابرة للقارات تمثل الفضيحة ركنا ثابتا في سير معظم الرؤساء الأمريكيين عبر قرنين من الزمان هما عمر هذا الكيان المتضخم فوق كرسي الزعامة العالمية في وقتها الراهن, غير ان فضيحة (مونيكا ــ جيت) تبدو الأكثر إثارة والأعمق تأثيرا بين منجم الفضائح الأمريكي المتعاظم. ولا تعود أهمية هذه الفضيحة وآثارها فقط لجانبها الأخلاقي المشين, أو لما يمكن أن يترتب عليها من آثار قد تصل الى حد عزل الرئيس بيل كلينتون بسبب تضليله للعدالة واستغلاله لسلطة منصبه. لكن الأهم من كل ذلك ان هذه الفضيحة (بجلاجل) قد أثرت وتؤثر على صناعة القرار الأمريكي وتتحكم في دوافعه, وبالتالي فإنها تؤثر على مجمل القضايا والأوضاع الدولية. وقد بدا ذلك واضحا من القيام بتحريك أكبر قوة عسكرية في العالم, وضرب عدة بلدان ذات سيادة على خلفية هذه الفضيحة. وهكذا ينتهي عام 1998 نهاية تهيمن عليها فضيحة سياسية من الوزن العالمي, وتتحكم فيها الأهواء والنزوات, لكن الأمل يبقى رغم ذلك, وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.