قد لا يكون جديداً التأكيد على ان اتفاق(واي بلانتيشن)انما يعد فصلا آخر, وليس أخيرا في سلسلة التنازلات الفلسطينية التي بدأت منذ مؤتمر مدريد عام 1991وتواصلت على مدى السنوات التالية حتى وصلت الى الحال الذي نراه والذي من المنتظر ان يصل قمته في مفاوضات المرحلة النهائية التي من المنتظر ان تبدأ في غضون شهور والتي من المفترض ان تحسم بشكل نهائي المشكلة الفلسطينية. ورغم اتساع المجال للحديث في الموضوع سواء من حيث تتبع مراحل المفاوضات وبدايات السقوط الفلسطيني في براثن التشدد الاسرائيلي او غير ذلك الا اننا سنركز في السطور المقبلة على محاولة تحليل الاتفاق الذي جرى التوقيع عليه يوم الجمعة الماضي في حفل بدا من الواضح انه اعد على عجل ما يشير الى طبيعة الاتفاق ذاته. ومن الضروري هنا الاشارة الى ان الاتفاق في حقيقته انما يعد نجاحاً امريكيا وبشكل خاص للرئيس كلينتون, وهو ما يشير الى حالة صارخة لكيفية تسوية قضايا دولية شائكة لحسابات شخصية بحتة. ودون الخوض في تفصيلات نشير الى ان الرئيس كلينتون كان يواجه مأزقاً حاداً بفعل فضيحة مونيكا لوينسكي وذلك رغم استطلاعات الرأى التي كانت تشير الى ارتفاع شعبية. ومن الواضح ان كلينتون الغارق في اجواء الفضيحة كان يسعى بكافة السبل للبحث عن مخرج يرفع من اسهمه سواء على المستوى الرسمي حيث تتواصل الجهود والتحقيقات لبحث امكانيات عزله, او على المستوى الشعبي ليعزز اتجاهات الراغبين في عدم محاكمته بشأن الفضيحة. ومن الواضح ان كلينتون وجد ضالته المنشودة في قضية الشرق الاوسط, التي تعد حسب تعبير البعض ملاذاً لكل رئيس امريكي ليبحث عن انجاز في الداخل, فكانت الدعوة الى قمة (واي بلانتيشن) منتصف الشهر الجاري واستعار كلينتون في هذا الصدد نموذج كامب ديفيد في لهثه وراء تحقيق اتفاق يمكن له تسويقه باعتباره احد انجازات ادارته. ويعزز ما تشير اليه تصريحات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو التي راح يكشف فيها عن ضغط امريكي لمحاولة التوصل الى حلول وسط معلنا انه ليس على استعداد للتنازل لحل مشاكل آخرين قاصداً بالطبع الرئيسي الامريكي. اما على صعيد هذا الاخير فما يكشف عن حرصه الشديد على التوصل الى اتفاق بأي شكل تأكيده للاطراف المتفاوضة صباح الجمعة الماضي على ضرورة التوصل الى اتفاق خلال ساعات وهو ما كان. ليس في الأمر تبسيطاً للأمور ولكنها الحقيقة التي تشير اليها المتابعة الدقيقة لسير المفاوضات. كارثة فلسطينية وقد جاء التوقيع على الاتفاق في صيغة احتفالية حاول المنظمون جعلها مؤثرة بشكل تتوه معه التساؤلات حول طبيعة الاتفاق وتركيز الاضواء على مجرد التوصل الى اتفاق. ونظرة في بنود الاتفاق تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك انه كارثة للطرف الفلسطيني يستغرب معها المرء من قبول المفاوض الفلسطيني لبنوده ويطرح التساؤلات بل والشكوك حول طبيعة توجهات هذا المفاوض. ان بعض جوانب الاتفاق ـ وليس كلها ـ متفق عليها من قبل, غير انها لم تنفذ نتيجة مماطلة حكومة الليكود بزعامة نتانياهو, ومن هنا فان الاتفاف في هذا الجانب انما يمثل اتفاقاً على نقاط تم الاتفاق عليها من قبل. ومن هذه الزاوية فإنه لا يمثل بأي حال اتفاق جديد. غير ان المشكلة ان بنود الاتفاق الجديدة ـ القديمة الحقت ببنود اخرى هي الغالبة تمثل قيوداً غير مسبوقة على السلطة الفلسطينية وتفرض التزامات تقوض الوحدة بين الفلسطينيين فضلا عن انتقاصها من سيادة السلطة الفلسطينية ما يطرح شكوكاً متزايدة بشأن طبيعة وماهية الدولة الفلسطينية المستقلة التي يجري الترويج للاعلان عنها في مايو المقبل. لقد نص الاتفاق على تنفيذ الصيغة الاسرائيلية للمبادرة الامريكية وهي صيغة (10 + 3) رغم نصه الظاهري على الانسحاب او اي اعادة الانتشار من 13% من الضفة. وطبيعة القيود الواردة في الاتفاق على نسبة الــ 3% التي تمثل محمية طبيعية تجعلنا نخرجها من كون وجودها ضمن نسبة الــ 13% المنصوص عليها, وهو ما يعنى في النهاية ان الانسحاب يتم فعليا فقط من 10% من الضفة. ومن هنا فان المزيد من التساؤلات تفرض نفسها حول التهليل الذي يمارسه بعض الفلسطينيين من اركان السلطة للاتفاق باعتباره انجازاً يجب ان نعض عليه بالنواجذ وان نكثف السبل لاجبار نتانياهو على الالتزام به. التفاوض على المرحلة الثالثة! اما المرحلة الثالثة من الانسحاب وهي تدخل ضمن المرحلة الانتقالية والتي كان من المفترض ان يشملها الاتفاق بالتوصل الى حسم لها فلم ير تحقيق اي تقدم بشأنها. وجاء الحديث بشأنها في الاتفاق في صياغة عامة تشير الى تشكيل لجنة لمعالجة هذا الامر, اي اجراء عملية تفاوض جديدة تستمر عدة شهور, لنا ان نتصور كم المراوغة الاسرائيلية التي ستمارس خلالها, وفي ظل الاداء التفاوضي الفلسطيني في (واي بلانتيشن) فاننا لا نتوقع ان تسفر مفاوضات المرحلة الثالثة سوى عن اتفاق هزيل قد لا يتجاوز اعادة نسبة لا تذكر من أراضي الضفة الغربية. وما طرحه نتانياهو في تصريح سابق هو اعادة 1% خلال المرحلة الثالثة, وبناء على هذا يمكن ان نتوقع اعادة 2% مثلا او 3%.. وهكذا.. واذا كان تنظيم عمليات اعادة الانتشار يمثل الشق الاول من الاتفاق والذي لم يستغرق سوى نحو الخمس من بنودها, فان الشق الامني حظي ببقية الاتفاق, وهو ما يكشف عن حجم الالتزامات التي يفرضها الاتفاق على الطرف الفلسطيني ما دعا الكثيرين الى التأكيد على ان الاتفاق لا يتجاوز كونه اتفاقا امنيا. ومن خلال بنود هذا الشق لا يمكنك ان تقرأ سوى ما يلي: (وافق الجانب الفلسطيني على.. ) او (يضمن الجانب الفلسطيني.. ) (يقدم الجانب الفلسطيني.. ) ما يعنى ان كافة الالتزامات انما تخص الفلسطينيين دون الاسرائيليين وهو ما ينفى صفة الاتفاق ويجعله املاء لشروط او بتعبير آخر (اتفاق اذعان) . وقد وصلت دقة البنود في فرض التزامات على الفلسطينيين حد فرض الالتزام على السلطة محاربة ما يسمى بــ (الارهاب) بالنية وليس بالفعل فقط, ما يعني ان السلطة ملتزمة بمقاومة واعتقال من يشتم انه يفكر في اعمال (ارهابية) وفق التوصيف الفلسطيني لاعمال المقاومة. وللدقة نورد جانب من هذا البند يقول: ان الكفاح ضد الارهاب والعنف يجب ان يكون شاملا بان يتم التعامل مع الارهابيين والهيكل المساند للارهاب والبيئة المؤدية لدعم الارهاب, وينبغي ان يكون ذلك الكفاح مستمراً وثابتاً على المدى الطويل بحيث لا يكون هناك توقف للعمل ضد الارهابيين والهيكل الخاص بهم. وفي نقطة اخرى ينص الاتفاق على: يعتقل الجانب الفلسطيني الافراد المحددين المشتبه في قيامهم بالاعداد لاعمال عنف وارهاب من اجل اجراء مزيد من التحقيقات والمقاضاة ومعاقبة كافة الاشخاص المتورطين في اعمال عنف وارهاب. ليس ذلك فقط بل تضمن الاتفاق النص على اجتماع (نصف اسبوعي) بين لجنة امريكية فلسطينية لمراجعة الخطوات التي يرى اتخاذها للقضاء على الخلايا الارهابية ـ الفلسطينية بالطبع ـ في حين انه لم يتم النص على نفس الامر مع الجانب الاسرائيلي. قيود أمنية لقد كبل الاتفاق السلطة بشروط امنية من المنتظر ان تنتهي بها الى مواجهات امنية مع كافة فصائل الشعب الفلسطيني ما يجعلها تلعب بحق دورا شبيها بدور (ميلشيا لحد) . ومن المفارقات العجيبة هنا انه في حين تتمتع ميلشيا لحد بنبذ عربي يصفها في مرتبة العملية لاسرائيل, فان (الميلشيا) الفلسطينية لا ينطبق عليها نفس الامر!. ولا تكتفى الاتفاقية بكل هذه القيود وانما تفرض على السلطة الفلسطينية قيودا اخرى تحت عنوان (منع التحريض) الى جانب نصه على تقديم السلطة لقائمة باسماء رجال شرطتها للجانب الاسرائيلي لتحديد العدد المناسب باتفاق الطرفين وفقا لاتفاقيات سابقة! وقد جاءت كل هذه القيود مقابل الموافقة الاسرائيلية على اعادة الانتشار من 13% (10% بمعنى اصح) من الضفة, وهي عملية لن يعود بمقتضاها الى السلطة فعلياً سوى 1% سوف تنتقل الى المنطقة (أ) التي تخضع بشكل كامل للحكم الفلسطيني في حين ان الــ 12% الباقية سوف تكون ضمن المنطقة (ب) التي تحتفظ اسرائيل بالسلطة الامنية فيها. ويلاحظ على الاتفاق انه لم يتطرق بأي شكل من الاشكال الى موضوع المستوطنات الاسرائيلية واكتفى بالنص في صياغة عامة على امتناع الجانبين عن الشروع في اتخاذ اية خطوة من شأنها ان تغير الوضع في الضفة الغربية وقطاع غزة طبقا للاتفاق, وهي صياغة ضعيفة, يمكن ان تفسر بوجوه عدة, ومن الواضح ان الطرف الاسرائيلي لا يعتبرها تنطبق على المستوطنات وهو ما يشير اليه حديث نتانياهو امس الاول عن اعتزام الشروع في إقامة مستوطنة جديدة, واذا احتج الفلسطينيون بان هذا يمثل خرقاً للاتفاق, فان هذا في حد ذاته يشير الى هشاشة ما تم التوصل اليه في (واي بلانتيشن) . تأجيل الممر الآمن ويأتي بعد ذلك الحديث عن الممر الآمن وهو موضوع حظى بكثير من الجدل ومن الغريب ان الاتفاق لم يحسم امر هذا الجانب حيث تقرر بدء مفاوضات بالنسبة لما يسمى بالممر الجنوبي يبذل خلالها الطرفان كل ما في وسعهم للوصول الى اتفاق في مدة اسبوع من دخول المذكرة حيز التنفيذ. اما بالنسبة للممر الشمالي فتستمر المفاوضات بغية الوصول الى اتفاق بشأنه في اقرب وقت ممكن. وهكذا يتضح ان كل القضايا معلقة وان كل ما تم الاتفاق عليه في واي بلانتيشن هو (الاتفاق على التفاوض بشأن كل القضايا) ومعنى ذلك ان الاتفاق لم يأت بجديد سوى فرض مزيد من الالتزامات على السلطة الفلسطينية وهي التي تحدثنا عنها في سطور سابقة. وتتعزز هذه الصورة بتأكيد بند عام في الاتفاق على تسريع الجهود عبر اللجنة القانونية لمعالجة القضايا القانونية البارزة بغية وضع حلول لهذه القضايا في اقرب وقت ممكن. اي انه حتى مثل هذه القضايا لم يتم التوصل بشأنها الى اتفاق. اما بالنسبة للمعتقلين فرغم ان نصوص اتفاق اوسلو تقضى بضرورة الافراج عنهم ومن المفترض ان يكون ذلك قد تم الآن فان السجون والمعتقلات الاسرائيلية تمتلأ بالفلسطينيين الذين لم يجر اتفاق بشأنهم في واي بلانتيشن ورغم كافة النصوص العديدة التي تؤكد على توسيع عمليات الاعتقال الفلسطيني لعناصر المقاومة فلم يرد ما يشير الى الافراج عن هؤلاء المعتقلين لدى اسرائيل وتردد في هذا الصدد انه سيتم اطلاق سراح (750) شخصا وهو أمر غير مؤكد حتى الآن. وبنظرة مجملة فان واي بلانتيشن لم يفرض التزامات على اسرائيل باستثناء اعادة الانتشار من 13% منها 3% محمية طبيعية وهي نسبة تقل بكثير عما هو منصوص عليه في اتفاقات سابقة, في ذات الوقت الذي فرضت فيه التزامات عديدة على الجانب الفلسطيني, وعلقت قضايا اخرى عديدة الى مفاوضات مقبلة. وبهذا يكون الاتفاق لبى كافة الرغبات.. فقد سهل لنتانياهو مهمته في تنفيس قدر من الضغط الدولي على اسرائيل واتهامها بعرقلة عملية السلام في ذات الوقت الذي يمكن له فيه ان يتراجع عن تنفيذ بنوده حسبما يحلو له اذا ما رأى ان التوازنات الاسرائيلية تتطلب ذلك وهو ما بدت مؤشراته في تجميد نتانياهو امس الاول للاتفاق بتأجيل اجتماع مجلس وزرائه الذي كان مقررا الاربعاء للموافقة على (واي بلانتيشن) وذلك بحجة مكافحة ما اسماه بالارهاب. في ذات الوقت فقد لبى الاتفاق حاجة نفسية لدى مفاوض السلطة, هي الاحساس بأن هناك شيء ما في عملية السلام يتحرك بغض النظر عن وجهة هذا التحرك انطلاقا من القناعة بان (شيء افضل من لا شيء) وهي القناعة التي اسفرت عن كل هذا الكم الهائل من التنازلات. اما كلينتون فقد حقق له الاتفاق ما كان يحلم به بالتغطية على مشاكله الداخلية وتوجيه دفة الاهتمام نحو (انجازاته) المزعومة في عملية السلام بالشرق الاوسط وهي العملية المزمنة التي حار في حلها مختلف الرؤساء الامريكيين. وبعد ان انفض السامر فقد راحت واشنطن ذاتها تتبرأ ــ حسب آخر الانباء ــ من الاتفاق معلنة انه غير ملزم قانونيا لافتقاره الى آلية اجبار الطرفين على تنفيذه. وبعد ذلك نتساءل عن الحكمة اذن في ابرامه اذا كان الأمر كذلك.. حسبما يروج نتانياهو وتزعم واشنطن.. ولا نجد اجابة سوى انه اتفاق اعلامي لصالح اسرائيل والولايات المتحدة واتفاق اذعان تنازل فيه الطرف الفلسطيني عن أبسط حقوقه وهو ما يدعو الى اثارة الشكوك حول مستقبل القضية الفلسطينية برمتها!