في الوقت الذي ينتظر الكثيرون ما قد تسفر عنه محادثات واي بلانتيشن بعد سعي رئيس الوزراء الاسرائيلي بأكثر من اسلوب لتبديد احتمالات وامكانيات نجاحها جاء منح جائزة السلام الدولية للسلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان من جانب 33 جامعة ومركزا للدراسات السياسية والاستراتيجية في الولايات المتحدة ليعبر ليس فقط عن الاقرار بقيمة وحيوية الاسهام الذي قام به قابوس بشكل شخصي ومباشر في دعم جهود السلام في المنطقة بمستوياتها ومجالاتها المختلفة والمتنوعة وهو ما كانت له اهمية خاصة في ظروف محددة, ولكن ليعبر كذلك عن شعور عميق ومتزايد بحاجة هذه المنطقة الحيوية الى السلام والعمل على تكريسه لصالح كل شعوب ودول المنطقة. على انه من الاهمية بمكان الاشارة الى نقطة على جانب كبير من الاهمية هي ان اختيار السلطان قابوس بن سعيد ليكون أول الفائزين بجائزة السلام الدولية التي بدأ تنظيمها هذا العام بمشاركة مجموعة متميزة من الجامعات ومراكز الابحاث ذات الوزن الثقيل على المستويين الامريكي والدولي استند على اعتبارات عديدة تتصل بالسياسات العمانية والمواقف التي تبناها العاهل العماني على امتداد اكثر من ربع قرن والتي تضافرت معاً لتؤدي في النهاية الى تحويل عمان من دولة معزولة تعيش في غياهب العصور الوسطى في عام 1970 وتعاني من مشكلات عديدة اقتصادية واجتماعية الى دولة نشطة اقتصاديا وسياسيا, والى مجتمع يعمل من اجل بناء قدراته الذاتية على مختلف المستويات, والاهم من ذلك انه تم اتباع اسلوب متكامل في تحقيق ذلك استند على العمل بكل السبل من اجل ايجاد مناخ محلي واقليمي ايجابي يساعد على تحقيق هذه الاهداف في النهاية عبر التعامل مع مختلف المعطيات التي احاطت بالمنطقة على امتداد السنوات الماضية. وفي هذا الاطار كان العمل من اجل تحقيق وتكريس السلام مفتاحاً اساسيا وركيزة تبناها السلطان قابوس بدءا من استعادة وتحقيق الوحدة الوطنية العمانية وحشد كل الجهود العمانية وراء هدف التنمية ولصالح كل العمانيين والوصول تدريجيا الى مرحلة اكتمال البناء المؤسسي في السلطنة تشريعيا وتنفيذيا وقضائيا, حيث يحدد النظام الاساسي للدولة كل ما يتصل بالحقوق والواجبات بدءا من السلطان كرئيس للدولة وحتى المواطن العادي الذي تم تأمين كل ضمانات الحرية له. ومع ذلك لم يغفل السلطان قابوس عن بناء قوة مسلحة قادرة على حماية هذا البناء والاضطلاع بواجباتها تحت كل الظروف باعتبار ان السلام والتنمية يحتاجان دوماً الى حمايتها وتأمينها. وفي الوقت الذي حرصت فيه عمان على القيام بدورها في تأمين الملاحة في الخليج والحفاظ على مضيق هرمز الحيوي مفتوحا امام الملاحة الدولية برغم ما مرت به المنطقة من تحديات ومواجهات مسلحة القت باعبائها احيانا على السلطات العمانية, اذ من المعروف ان الممرات الملاحية في مضيق هرمز تقع داخل المياه الاقليمية العمانية, فان السلطان قابوس استطاع كذلك ان يحدد الحدود العمانية بشكل واضح ومرسوم وموثق عبر اتفاقيات دولية مع مختلف جيران السلطنة وهو انجاز ضخم تتجلى اهميته في انه لم يغلق فقط ملف مشكلات الحدود بحساسياتها والآثار المترتبة عليها, ولكنه حول حدود السلطنة مع اشقائها واصدقائها الى جسور مفتوحة لتبادل المصالح بين شعوب المنطقة ومن ثم قدم نموذجا عمليا للتعامل الحضاري مع واحدة من اكثر المشكلات تعقيدا في المنطقة وهو ما ادى الى جعل سياسة حسن الجوار واحدة من اهم ملامح السياسة العمانية. وقد تواكب مع توفير المناخ السلمي والمواتي للتنمية في سلطنة عمان, اهتمام من جانب القيادة العمانية بالعمل على تطوير وتوثيق العلاقات مع مختلف القوى الدولية على امتداد العالم ولم تشترط عمان لذلك سوى مبادلتها الالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام السيادة والالتزام بالشرعية الدولية. ولذلك كان لمسقط علاقاتها الدبلوماسية مع الصين الشعبية منذ عام 1978م ومع الاتحاد السوفييتي بعد ذلك الى جانب علاقاتها مع الولايات المتحدة وبريطانيا . ولم يكن ذلك مصادفة بالطبع ولكنه كان استدعاء لخبرة التاريخ العماني من ناحية والرغبة في الحفاظ على علاقات متوازنة مع كل الاطراف الدولية من ناحية ثانية. وفي الكلمة التي وجهها السلطان قابوس خلال تقديم جائزة السلام الدولية له والتي تسلمها يوسف بن علوي بن عبد الله نيابة عنه, اعرب عن تطلعه فيما يقترب القرن الجديد بأن يعم السلام وان يحقق الفلسطينيون والاسرائيليون تطلعاتهم القومية وان يعيشوا معا بسلام بطريقة جديدة وعصر جديد كما اعرب عن دعمه لنتائج ناجحة تتمخض عنها محادثات واي بلانتيشن بين الفلسطينيين والاسرائيليين برعاية الرئيس كلينتون.