صفارة انذار في الثانية. خلال يوم عيد الغفران تلقينا الخبر: اندلعت حرب. أسرع جنود وضباط الجيش الاسرائيلي الذين تواجدوا في مواقع الجيش على ضفة قناة السويس إلى الخنادق والأبراج . لم يعرف الكثيرون منهم أبدا نتيجة الحرب. لقد سقطوا قتلى في الساعات الأولى. في حرب من بين أكثر الحروب قسوة بالنسبة لاسرائيل. ألجمت الجيش الاسرائيل مفاجأة تامة. فقدت اسرائيل خلال الحرب المريرة الآلاف من أبنائها, وسقط المئات أسرى. هكذا كانت خلاصة الحرب وفقا لملحق دعائي قديم لصحيفة (يديعوت أحرونوت) أما أحدث التقارير الصحفية الاسرائيلية فقد كشفت لأول مرة: ان الجيش الاسرائيلي هزم على الرغم من علمه بنشوب الحرب(!) وكذلك أصعب اللحظات على القادة الاسرائيليين خلال الحرب ونهاية المطاف بالنسبة لكل منهم بعد الحرب. انها اعترافات كاملة بنصر مجيد حققه العرب. يوم الخامس من أكتوبر بعث المراسل العسكري لجريدة (معاريف) برقية مطولة من الخط الأمامي للجبهة الجنوبية يؤكد فيها حدوث تحركات مصرية مكثفة واعداد طرق صاعدة للمدرعات وتقريب صواريخ مضادة للطائرات واستعدادات عامة ولكن (الرقابة العسكرية) رفضت التقرير وشطبته باستثناء السطور التي تقول: الجيش الاسرائيلي يتابع ما يحدث على الجانب المصري من قناة السويس بيقظة بالغة حتى لا يفاجئ القوات الاسرائيلية بهجوم مباغت(!) وهي المعلومات التي أكدها من جانبه اللواء (أحمد فؤاد هويدي) رئيس قسم اسرائيل في المخابرات الحربية المصرية خلال حرب أكتوبر (في تصريحات نشرتها صحيفة معاريف) لقد عرفت اسرائيل يوم الخامس من أكتوبر موعد نشوب الحرب فقد وصل إليها معلومات في يوم الجمعة الخامس من أكتوبر 1973 بأن اسرائيل علمت الآن بموعد نشوب الحرب وأن ما يجري على الجبهة ليس مجرد تدريب تقوم به القوات المصرية. وعلى الفور أبلغت كبار القادة الذين كانوا مجتمعين في غرفة العمليات, لكن المشير (الجمسي) غضب مني حيث خشى انخافض الروح المعنوية في هذا الوقت الحاسم ــ 24 ساعة قبل العبور ــ لكن (هويدي) الذي كان عمره عندئذ 39 عاما أوضح للقادة بأنه لا داعي للقلق لانه حتى الغد لن يكون هناك وقت كاف لاستدعاء الاحتياطي الاسرائيلي أو لكي تصل تعزيزات مؤثرة للجبهة. وقد عرفت بالتحول بعد أن لاحظت ان قيادة المنطقة الجنوبية استيقظت من (سباتها) يوم الجمعة الخامس من أكتوبر. وأدركت ان الاسرائيليين علموا بموعد الحرب بعد أن وصلتني معلومات بأن وحدات احتياطية أرسلت بدون أن تتم عملية تجنيدهم المعتادة والتي تستغرق 48 ساعة, فعلمت ان اسرائيل عرفت بأنها أمام حرب شاملة وانها ستنشب قبل 48 ساعة, أيضا وصلتني معلومات بوصول بعض كبار القادة بشكل مفاجئ إلى مقر القيادة في بئر جفجافة وشوهدت تحركات لدبابات وتم تجهيز المحركات وفحصها. لقد قام الاسرائيليون باصدار ضوضاء كانت كافية لكي نلاحظها. لذا كتبت تقريرا في نفس اليوم أقول فيه: اسرائيل اكتشفت اننا اعتزمنا الهجوم. وكذلك عرفت حجم العبور ووقعت على التقرير. انتصار واعتراف لقد نجحت مصر في الانتصار على الجيش الاسرائيلي الذي ادعى انه لا يقهر على الرغم من علمه بموعد الحرب, كما انتصر ت مصر في حرب المخابرات وعلمت بالموقف على الجبهة الاسرائيلية وتغيراته بشكل دائم, كما أمنت الاتصال بالمصادر المصرية حتى خلال المعارك الطاحنة فكان النصر المجيد الذي عبرت عنه اعترافات القادة الاسرائيليين بأصعب اللحظات التي مرت بهم خلال الحرب حيث قال قائد سلاح الطيران الاسرائيلي في فترة الحرب (بين بيلد): أصعب لحظات الحرب بالنسبة لي عندما علمت بأنه صدر أمر بانسحاب كل القوات البرية والبحرية إلى منطقة الطور في جنوب سيناء, وبالفعل تم الانسحاب وبقيت وحدات الطيران الموجودة في منطقة رأس سدر وحدها لمدة 24 ساعة حتى عاد المنسحبون, الذين كانوا ينفذون خطة للانسحاب إلى خط دفاعي يبعد 40 كم عن القناة, وهذه هي الخطة التي قررت رئاسة الأركان اتخاذها على عجل عندما شعروا بأننا خسرنا وان هذا الانسحاب هو الحل الأمثل لمنع توغل المصريين إلى تل أبيب. وكذلك لحظة لقائي أنا ووزير الدفاع ظهيرة اليوم الثالث للحرب برؤساء تحرير الصحف الاسرائيلية, ففي هذا اللقاء رأيت بعيني حجم الخوف والرعب الكبيرين, إلى درجة البكاء, فقد كان الجميع محطمين, ومنهزمين بعد يومين فقط من القتال. وخشيت جدا لان هؤلاء هم الصحفيون الذين لهم تأثير كبير في تكوين الرأي العام في أي بلد. كذلك بالتأكيد اللحظة التي كنا نتوسل فيها للأمريكان لكي يرسلوا لنا جسرا جويا يحمل لنا الأسلحة والعتاد العسكري لأن مخازن أسلحتنا بعد عدة أيام أصبحت خاوية. أما بالنسبة لأصعب لحظة في حرب 73 على (يسرائيل تيل) نائب رئيس الأركان الاسرائيلي خلال الحرب فيقول: في اليوم الثالث من الحرب عندما فشل الهجوم المضاد على الجبهة المصرية, أدركت ان هذه الحرب هي حرب مصيرية بالنسبة لنا, وانها ربما تؤدي إلى نهاية اسرائيل. وفي السياق نفسه كشف السكرتير العسكري (لديان) : كان (موشيه ديان) ــ رمز الصهيونية المقاتلة في أعين الضباط الشبان في اسرائيل ــ أول من بدا عليه الانكسار وهو يحاول استيعاب حجم الضربة المصرية من الآخرين, مما أدى إلى شعور الجميع بالخطر.. فقد عاد من جولة لتفقد الجبهة المصرية ــ فور اندلاع الحرب ــ ليتحدث عن (انهيار اسرائيل) . وقد وصل اكتئاب وزير الدفاع لدرجة خطيرة حتى انه كان يطير للجبهة كثيرا ويكثر الاقتراب من خط المواجهة, حتى انتشرت الشائعات بأنه يحاول الانتحار بسبب الاكتئاب. هجوم فاشل أما (دافيد اليعازر) رئيس الأركان الاسرائيلي فقد كشف السكرتير العسكري (لديان) أيضا: في يوم التاسع من أكتوبر علم رئيس الأركان بفشل الهجوم المضاد (الذي بدأ في الثامن من أكتوبر) وسقوط عشرات القتلى. رغم انه كان يعتقد بأن قوات الاحتياط ستغير مسار القتال فور وصولها وهو ما لم يحدث. وخاصة بعد استيلاء القوات السورية على موقع (الحربون) الاستراتيجي. وهو الوضع الذي وصفه رئيس الأركان بنفسه: في الجولان أستطيع التنفس, لكنني لا أستطيع أن آخذ نفسي في سيناء. من جانبه قال الجنرال (افراهام برن) قائد القطاع الشمالي من سيناء أثناء الحرب: كانت أصعب لحظة عندما لم يلتزم (اريل شارون) قائد القطاع الأوسط من سيناء بخطة هيئة الأركان بالقيام بهجوم مضاد من خلال قوات القطاع الشمالي بينما تبقى قوات شارون كاحتياطي لها ثم تهاجم قوات شارون بعدها وتكون قوات القطاع الجنوبي احتياطية لها لكن شارون ترك مكانه كقوات احتياطية لي وقام بالعبور تاركا قوات قطاع الشمال الاسرائيلية (عارية) الأمر الذي كاد أن يؤدي إلى كارثة ولم يلتفت شارون لاعتراض بقية ضباط قطاعه كما انه انسحب من أربعة مواقع وادعى ان قائد القطاع الشمالي هو الذي تركهم. وقد أقرت اللجنة بالرغم من كل هذا انه (أخطأ) في هذا الأمر لكنها لم تدنه. وإذا انتقلنا من القادة لاعترافات الجنود, تروي إحدى المجندات في السرب رقم واحد في سلاح الطيران الاسرائيلي وهو أفضل سرب في سلاح الطيران ــ انه في أول أيام الحرب كانت في غرفة العمليات بالسرب وكانت هناك مستطيلات مغناطيسية محفور عليها أسماء الطيارين وكانت مثبتة على لوحة كبيرة... مستطيل عليه اسم طيار بجوار مستطيل آخر عليه اسم ملاح, لكن قائد غرفة العمليات تلقى تلفونيا من برج المراقبة: فأر ,3 وكلب ,1 وغزال ,1 2 عادوا وهبطوا في القاعدة كانت هذه هي الأسماء الكودية للطائرات المقاتلة في هذا السرب. وكانت صدمة بالنسبة لي فبقية الطائرات لم تعد. وتضيف المجندة: استدعاني قائد غرفة العمليات وقال لي: فلتشطبي من اللوحة المستطيلة التي تحمل الأسماء التي سأقولها لك: (شلي) , (عمانوئيل) , (رام) , (يهف) . واستمر مكملا: (شموك) , (ليف) , (إسحق) , (جربر) .. امتلأت يداي بالمستطيلات وعندئذ قال لي: افتحي أحد الأدراج وضعي ما في قبضتك فيه. وقد تكررت تلك العملية كثيرا على مدى الاسبوعين التاليين مع موعد كل طلعة جوية. فكنت أحصد تلك المستطيلات باستمرار حتى أصبحت أقوم بهذه المهمة بلا مبالاة تامة كأي عمل آخر. حتى ان قائد هذا السرب في أحد لقاءاته مع الطيارين قال ساخرا من تناقص عددهم أمامه: انكم بالفعل كثيرون, وضحك الجميع.. فقد فقدوا أكثر من نصف السرب! اتهام ولجنة من ناحية أخرى كان مصير قادة الهزيمة في اسرائيل مأساوية لأقصى درجة ويعبر عن نجاح المصريين بشكل كامل, فقد اتهمت لجنة التحقيقات الرسمية التي شكلت بعد الحرب رئيس أركان الجيش الاسرائيلي (دافيد اليعازر) بأنه يتحمل مسؤولية ما حدث عشية حرب أكتوبر بشكل شخصي لعدم تقديره بشكل صحيح أو اخفاقه في مجال استعداد الجيش الاسرائيلي. اللجنة أضافت جملة توضح مكانة هذا الرجل الذي تحول في لحظة من النقيض للنقيض في أعين الاسرائيليين. فقال: (نحن نقر اتهامه بحزن وأسى فقد كان رئيس الأركان يتمتع بثقة كبيرة لدينا ولدى الاسرائيليين ولكن لانه لم يصمد وارتكب أخطاء كثيرة. فنحن نوصي بانهاء خدمته كرئيس للأركان) !! وفي نفس اليوم أعلن رئيس الأركان اعتزاله الحياة العامة ثم توفى اثر أزمة قلبية بعد عامين من تقديم هذا التقرير الذي أدانه. وعن رئيس المخابرات العسكرية (إيلي زعيرا) ذكرت اللجنة: (لقد تبنى بشدة قناعة خاطئة أوقفت أي استعدادات مطلوبة للجيش الاسرائيلي وتعامل مع الأمور باستبداد دون الأخذ بمشورة الآخرين وهو الأمر النابع من ثقة بالنفس جعلته صاحب القرار الأخير في الأمور الاستخباراتية. ورأينا انه ازاء فشله الخطير فإن الجنرال (زعيرا) لا يستطيع الاستمرار في عمله كرئيس للمخابرات العسكرية) ! وعن (شموئيل جورديش) قائد قطاع الجبهة المصرية أصدرت اللجنة توصيتها (بأنه لم يقم بمتطلبات منصبه كما ينبغي وانه يتحمل بشكل كبير مسؤولية (الوضع الخطير) الذي وضعت فيه القوات الاسرائيلية ولم يكن مستعدا للمعركة بشكل أساسي واتخذ بشكل متسرع قرارات هامة. وقاد قواته من خارج مناطق القتال ومن خلال المكاتب) . رفض وطعن الجنرال (جورديش) رفض قرار اللجنة وتقدم بطعن رفض بعد عام فأدار في افريقيا تجارة في الماس من أجل توفير تمويل يكفي لإدارة أبحاث تدين لجنة التحقيق(!) وهكذا أطاحت لجنة التحقيق في ملابسات هزيمة اسرائيل في حرب أكتوبر (والتي يتم نشر تقريرها النهائي تباعا في اسرائيل) بعدد لا بأس به من رؤوس الجنرالات الذين تميزوا بالصلف والغرور ثم جاءت ردود أفعال الاسرائيليين الذين شعروا بمرارة الهزيمة لتقيل الساسة الذين حاولت اللجنة تبرئتهم. فاندلعت مظاهرات ضخمة ضد (جولدا مائير) (التي أصبحت بعد الحرب تدخن بشراهة ثماني علب من السجائر يوميا!) قام بها بشكل رئيسي جنود الاحتياط الاسرائيليون تعبيرا عن احباطهم من مرارة الهزيمة كما نظموا اضرابات عن الطعام. وهاجموا (موشيه ديان) كذلك بشدة. مما اضطر (جولدا) و(ديان) للاستقالة. وتم تشكيل حكومة جديدة برئاسة إسحاق رابين. وعلى الصعيد الشعبي تصاعدت بين الاسرائيليين كثيرا من النكات التي تعري الجيش الاسرائيلي وتسخر من هزيمته في حرب 1973. التي لها أهمية كبرى فهي وان كانت أغلبها لا تثير الضحك فهي تكشف بصدق حجم التناقض بين رؤية الاسرائيلي لجيشه الذي (لا يقهر) قبل حرب أكتوبر وبعدها لذا نقدمها بدون رتوش: * ماذا تبقى من خط بارليف بعد حرب أكتوبر؟ ــ القصور التي شيدها المقاولون الذين بنوه. ونكتة أخرى تقول: * لماذا لم تعد كلمة (بارليف) تكتب بالعبرية؟ (بار ــ ليف) كما كانت من قبل؟ ــ لانه لم يعد هناك (خط) في بارليف. القاهرة ــ أحمد فؤاد