قليلة هي الشخصيات الفلسطينية السياسية التي حققت الانتشار والاحترام التي تحظى بهما حنان عشراوي, فقد ظهرت استاذة الادب الانجليزي على الساحة الدولية عام 1991عندما شاركت كعضو في الوفد الفلسطيني في مؤتمر السلام الذي عقد في مدريد لتصبح احد اكثر الوجوه شهرة في وسائل الاعلام . في عام 1996 عينها ياسر عرفات وزيرة للتعليم العالي في السلطة الفلسطينية, الا انها رفضت مؤخرا منصبا وزاريا جديدا في الوزارة الفلسطينية الجديدة لأن عرفات احتفظ تقريبا بجميع الوزراء السابقين الذين طالما وجهت اليهم اصابع الاتهام بالرشوة والفساد الاداري. وقد اجرت مجلة (النيوزويك) حوارا مطولا مع عشراوي في منزلها في مدينة رام الله في الضفة الغربية وفيما يلي نصه: - لماذا قررت الاستقالة من منصبك كوزيرة؟ ــ اعتقد ان الاحتفاظ بأعضاء الحكومة السابقة يعني فيما يعنيه عدم احترام مطالب الشعب الفلسطيني والمجلس التشريعي للاصلاح, لقد اسقطنا من حسابنا واهملنا مبدأ المحاسبة الذي اعتبره في غاية الاهمية حتى يدرك الشعب ان مامن احد فوق القانون, فالاصلاح لا يقتصر على تشكيل حكومة جديدة او اضافة اعضاء جدد لها, ولكن الاصلاح لابد وان يكون عملية شاملة تطال جميع المؤسسات والهيئات التشريعية والادارية تبدأ باصلاح الذات لاننا في هذه المرحلة بالذات في غنى عن التغيير الذي لا يتخطى المظهر وكأنه عملية تجميل جراحية. - هل تعتقدين ان عرفات جاد في محاربة الفساد المستشري في اوساط السلطة الفلسطينية؟ ــ لقد اخبرني مرارا وتكرارا انه جاد. ولكن بدلا من انتهاز الفرصة التاريخية لاحداث اصلاح جوهري وشامل, جاءت خطوته الاخيرة لتزيد الطين بلة. - كوزيرة في السلطة الفلسطينية كنت دائما تنتقدين استراتيجية التفاوض الفلسطينية خلال المفاوضات مع اسرائيل, فما هي التغيرات التي تتمنين رؤيتها في هذه الاستراتيجية؟ ــ أنا أحبذ وادعو دائما الى اتخاذ موقف فلسطيني اكثر ثباتا واستراتيجية اكثر وضوحا وشفافية, فعملية السلام في وضعها الحالي اصبحت في حكم الميتة, ويحتم علينا الواجب الا نقبل بأن تكون جزءا من هذا الوهم, المؤسف اننا دخلنا الآن عرضا مسرحيا متواصلا للحفاظ على ما يشبه المفاوضات بالرغم من عدم توفر العناصر والمعطيات الضرورية لاقامة حوار بناء. ولم ننجح حتى الآن سوى باخراج الولايات المتحدة الامريكية من محنتها وذلك بموافقتنا للعودة الى المباحثات الثنائية مع الاسرائيليين ولنحاول ان نبيعهم اقتراحا امريكيا كانت واشنطن اصلا قد فشلت بتسويقه, فأنا اؤمن بضرورة تعزيز ثقتنا بأنفسنا والتصرف على هذا الاساس بحيث نتعامل مع الامريكيين على قدم المساواة, صحيح اننا لسنا قوة عظمى, ولكننا نحن مفتاح السلام, ويجب ان يدركوا انهم لا يستطيعوا الاستمرار بمعاملتنا وكأننا ملحق اضافي لعملية السلام. - كيف أصابك الامريكيون بخيبة أمل؟ ــ لقد نكثوا بوعدهم وتراجعوا عن الضمانات التي قدموها لعرفات ومرة تلو الاخرى, نجح الامريكيون بالحصول على تنازلات خطيرة من الفلسطينيين باجبارنا بشكل او بآخر لقبول مبادراتهم بدلا من ان يلتزموا بالقيام بما وعدوا القيام به لدفع عملية السلام, وعندما يفشلون باقناع اسرائيل بالمبادرات التي يتقدموا بها, لم يبادروا بالاعلان عنها كما وعدوا وبالتالي يتراجعون عن اتخاذ موقف حاسم, فاذا كانوا فعلا يريدون لعملية السلام ان تستمر وتنجح, فانهم لابد وان يتعاملوا معنا بجدية ويأخذوا حقوقنا كشعب بعين الاحترام والتقدير بعيدا عن المناورة والمماطلة ونقض العهود والتخلي عن الالتزامات. - بالرغم من انك لعبت دورا بارزا على مدى السنتين اللتين قضيتيهما في الوزارة, الا انك لم تكوني في يوم من الايام من المقربين من عرفات, كيف تصفين دورك في الحكومة؟ ــ لقد قبلت منصب وزيرة التعليم العالي بعد انتخاب بنيامين نتانياهو رئيسا للوزراء لأنني شعرت بضرورة تضافر الجهود والعمل الجماعي, لقد ادركت ان عملية السلام ستواجه مرحلة صعبة واننا بحاجة لاقامة جبهة قوية موحدة لمواجهة التحديات التي تفرضها حكومة يمينية جديدة في اسرائيل, ولكن ولسوء الحظ, مامن وزارة تستطيع ان تعمل وتنجز في معزل عن الوزارات الاخرى وفي غياب التنسيق بينها, ولذلك كنت دائما اشعر بالاحباط كلما حاولت العمل والتنسيق مع العديد من الوزارات الاخرى. - هل سبق لك وشعرت بأي ضغوط من عرفات لتعديل مواقفك او التخفيف من حدة ارائك وتصريحاتك؟ ــ لقد أخبرته انني بطبعي لا أميل للاعتذار عن تصرفات واخطاء الاخرين وانني سأستمر بالتعبير عن ارائي بكل صراحة ووضوح, وهذا موقف طالما احترمه عرفات وقدره. ربما اكتشف فيما بعد انني صعبة المراس, فقد رأى انني من ناحية صادقة ولا اتردد بالحديث عما اؤمن به, ولكن من الناحية الاخرى مثيرة للسخط والغضب, سأستمر بالتعبير عن ارائي بما يتفق وقناعاتي الشخصية ولن أعتذر عن الاخطاء التي ترتكبها الحكومة أو اجد لها المبررات. - ما مدى جدية وخطورة الضغوط التي يتعرض لها عرفات؟ ــ بعض هذه الضغوط اما امريكية او اسرائيلية, وبعضها جاء نتيجة لعملية السلام, وبعضها الاخر أفرزته المطالب الاسرائيلية التي لا تصدق لضمان امن الاسرائيليين في نفس الوقت الذي يتعرض فيه امن الفلسطينيين للتهميش والاهمال بشكل منهجي ومدروس ومخطط, فالاسرائيليون لم يتوقفوا يوما عن انتهاك الاتفاقيات, وخلق حقائق جديدة على الارض, وبناء المستعمرات, وتراهم يماطلون لكسب مزيد من الوقت والتهرب من تنفيذ الاتفاقيات التي وقعت مع الفلسطينيين وتحظى بضمانات دولية, ان سياستهم المنهجية لاذلال الشعب الفلسطيني وقيادته خلقت احساسا بالاحباط واليأس, وكأن القيادة الفلسطينية اصبحت عاجزة عن مقاومة الضغوط الاسرائيلية. - كيف تقيمين حالة الديمقراطية الفلسطينية في هذه المرحلة؟ ــ الديمقراطية الفلسطينية تمر بمرحلة صعبة جدا, الا انها لاتزال موجودة في فلسطين, ان الحوار القائم وما يتسم به من حيوية وفعالية ووجود خلاف واضح في وجهات النظر, والتوجهات تعتبر افضل دليل على التزام جماهير الشعب بالديمقراطية, ولكن يجب ان ندرك ان الديمقراطية لا تأتي هبة من السماء, وان القوى اللاديمقراطية وممارساتها لن تتوانى عن انتهاز الفرصة وتعبئة الفراغ, ان اسوأ ما يمكن ان يحدث للشعب الفلسطيني هو ان يصل الى مرحلة الصمت او عدم المبالاة, او ان يخضع للاكراه والتهديد. فطالما بقي الشعب الفلسطيني حريصا على التعبير عن رأيه ورافضا لكل اشكال التهديد والاكراه, طالما بقي الامل لاقامة ديمقراطية فاعلة تنبض بالحياة, ولكن لابد من الاستمرار بالكفاح وتقديم التضحيات لاقامة المجتمع الديمقراطي الفلسطيني. اعداد: سليمان عوض