قد يظن المتلقي عن بعد لأخبار جماعة الاخوان المسلمين المصرية وعركة السلطة معها في السنوات الاخيرة ان اعلان الحرب عليها له علاقة باعلان الحرب على الجماعات الارهابية. وان المواجهة الامنية المسلحة مع الاخيرة اقتضت مواجهة قانونية مع الاولى باعتبار ان السلطة انتبهت الى ان الطرفين مشتركان في الخطاب السياسي. المعارض للحكومة المفارق للمجتمع . هو امر قد يبدو صحيحا. فبداية ودون الدخول في تفاصيل كثيرة يصف كل منهما نفسه بصفة الاسلام. ولو ان مخترع تسمية الجماعتين وكل من انضم اليهما يعتقد في غير ذلك, لاختار تسمية اخرى, كالاخوان (المتدينين) او الجماعة (المتدينة) تمييزا في الدرجة لا في النوع, ولدارت سجلات وجدل على مدى تاريخ كل منهما حول تعديل التسمية. ناهيك عن اتفاق كل منهما على مفهوم الحاكمية, العاري من المنطق السليم والذي يندرج تحت بند الديماجوجية السياسية, وكلا الجماعتين ترفضان اي نظام للحكم وتنكران شرعيته, حسبما جاء على لسان المستشار مأمون الهضيبي نائب المرشد العام للاخوان, في حوار حديث معه, في معرض الكلام عن (حسنات) ثورة يوليو 1952. ناهيك ايضا عن النظرة الضيقة للآخرين اصحاب الديانات الاخرى, وتحديدا اقباط مصر كما جاءت على لسان المرشد العام مصطفى مشهور في صحيفة (الاهرام ويكلي) منذ شهور. واثارت زوبعة اضطرته للتكذيب اولا, ثم الاعتذار بعدم القصد ثانيا, بعد ان اشهر الصحفي الذي اجرى الحوار معه شريط التسجيل. اما مواقف (الجماعات الارهابية) فلا تحتاج الى تدليل, فهم يكفرون السلطة والمجتمع ويستحلون اموال الناس, ويبررون قتل الابرياء اثناء حربهم ضد السلطة ورجال الشرطة. قد تغري منطقية التشابه في خطاب الاخوان والجامعات بتصديق انها هي السبب في التضييق على الاخوان, بنصب سيرك المحاكم العسكرية, ولكن الامر الذي لا يخلوا من دعابات السياسة يحتاج الى تمحيص ومراجعة. اولا ان التشابه في الخطاب معروف ومرصود منذ البداية, بل هو قرين الجماعتين منذ نشأتهما, والاسماء قبل الافعال. خير دليل, ثانيا ان جماعة الاخوان كلما ورد ذكرها في صحيفة رسمية ذيلت بتعبير المحظورة قانونا او المنحلة. وقد سبق ان ورد على لسان مسؤول مصري كبير تعبير: (لا يوجد شيء اسمه الاخوان المسلمون) فكيف هي اذن موجودة وغير محظورة وغير منحلة! اي كيف ان لها مكتباً عاما اسمه (مكتب الارشاد) ولها قيادة معروفة وعنوان معروف. بدأ التضييق على الاخوان والتيار الاسلامي في النقابات المهنية المحامين ثم المهندسين فالاطباء في عام 1993 عندما ثبت للحكومة بما لا يدع مجالا للشك انهم قوة لا يستهان بها في منفذ عمل عام له بالتأكيد طابعه السياسي, بعد ان كانت الحكومة قد اغلقت من قبل منافذ العمل السياسي المباشر (الاحزاب) (بالضبة والمفتاح) وبمساعدة اعوانهامن بقايا الخطاب السياسي للاربعينات والخمسينات في كل من (الوفد الجديد) الامتداد الشائخ للوفد القديم (العمل) الامتداد المترهل عصر الفتاة (التجمع) الامتداد المشوه للحركة الشيوعية المصرية (الناصري) الامتداد غير الشرعي للحركة الناصرية المولودة بعد موت عبدالناصر. لم يرد (الاخوان) استعراض قوتهم في النقابات. وانما قادتهم حماقة العاب الانتخابات واشياء اخرى الى ان يبدو بهذا الشكل في نقابة المحامين مثلا استهدفوا اربعة مواقع فرشحوا لها تسعة اسماء, ولضرب التيارات الاخرى وتكسير الاصوات رشحوا ثمانية آخرين, وكانت المفاجأة نجاح الـ 17 من المنتمين للاخوان (او التيار الاسلامي بشكل عام, فانتفضت الحكومة وطورت اساليب التضييق حتى اغلقت نقابة المحامين وفرضت عليها الحراسة. أما خطيئة الإخوان الكبرى ــ في حق نفسها ــ فكانت قرار الترشيح في 150 دائرة لانتخابات ,1995 وكان يعني تجاوز الخط شديد الاحمرار بالنسبة للسلطة. قبيل رحلة الإغلاق والتقفيل على التيار الإسلامي والإخواني في النقابات والمجلس, كانت رحلة أخرى قد بدأت واستمرت بالتوازي معها, هي رحلة تفتيت الأموال التي جمعت وغلفت تحت مسمى (توظيف الأموال) وبشعارات إسلامية تبدأ باللحية ولا تنتهي بالمسبحة, كالريان والسعد والشريف إلى آخر القائمة, فالسلطة كانت تخشى إلتقاء (بنزين) الأموال مع (كبريت) حركة سياسية إسلامية سلمية, نضجت في ساحة خالية من منافسين أقوياء, وفي مناخ عام من الفساد وسيادة نزعات الأنانية والفردية المفرطة والصعود الاجتماعي عبر طرق غير مشروعة, وانهزام شرائح اجتماعية من الطبقة الوسطى أمام سلطات المتغيرات الاقتصادية السريعة - مما أعطى مشروعية ومنطقاً في البحث عن خطاب (قيمي أخلاقي) يغلب الجماعي على الفردي, ويستند الى (مزاج تديني) ساد في السبعينات ثم الثمانينات لأسباب عدة, وإلى (ميل تديني) أعمق لدى المصريين عبر سنوات طويلة. أثناء الرحلتين المتوازيتين حدث ما اعتبره البعض قشة قصمت ظهر العلاقة المسكوت عنها بين الحكومة والإخوان, ودفعت بالأمور إلى حافة الهاوية, اتصالات بين الأمريكان والإخوان, وهي مسألة لو صح حدوثها لكان غضب السلطة منطقياً.