تأثرت رؤية ثورة 23 يوليو(1952)للحياة السياسية والعمل السياسي؟ بخبرتها النقدية للحياة الحزبية قبل قيام الثورة ؟ ورفضها للفساد السياسي الذي عم معظم الاحزاب, وطال كل القيادات الحزبية التقليدية في (العهد البائد) كما اصطلح على تسمية فترة حكم الملك الراحل فاروق وحاشيته الفاسدة, وسيطرة المندوب السامي البريطاني على مقدرات وادوات صنع القرار في مصر. حددت الخريطة الحزبية السائدة الى حد بعيد اسلوب تعاطى قيادة ثورة يوليو مع العمل الحزبي, فلقد انقسم العمل السياسي قبل ثورة يوليو الى احزاب شرعية تضم حزب الاغلبية الوفد واحزاب الاقلية التي تتقاسم معه الحكم طبقا للعلاقة وموازين القوى بين القصر الملكي وقصر الدوبارة (المندوب السامي البريطاني..) ومن جهة اخرى كانت هناك قوى سياسية تتبنى العمل السري للتغيير في مقدمتها الشيوعيون والاخوان المسلمون. كان حزب الاغلبية الوفد يعاني حالة من الترهل والعجز والانقسام بين قيادة عاجزة شاخت ولم تعد تساير طموحات الشارع والقاعدة العريضة لعضوية الحزب, ولهذا باتت قيادته التاريخية (مصطفى النحاس) مجرد رمز معلق في الهواء مرهون بإرادة رموز اقطاعية ورأسمالية صاعدة (فؤاد سراج الدين) واخرون, وظهرت قيادة وفدية شابة مشحونة بالثورة والرغبة في التغيير, واصطدمت بقيادة الوفد, ولم تجد بدا من تأسيس تنظيمها الخاص والذي عرف بــ (الطليعة الوفدية) ومن رموزه الراحل مصطفى موسى. احزاب الاقلية كانت معظمها من صنائع القصر والانجليز, او نتاج انشقاقات عن حزب الوفد, باستثناء حزب واحد ظل احد الروافد الوطنية لكل دعاة الثورة والتغيير هو الحزب الوطني صاحب شعار (لا مفاوضات الا بعد الجلاء) ومن رموزه المفكر المناضل الراحل فتحي رضوان اول وزير ثقافة لثورة يوليو, والحزب الاشتراكي الذي كان من قادته ابراهيم شكري صاحب اول مشروع للاصلاح الزراعي. تأثرت قيادة ثورة يوليو بهذه الطبيعة السلبية والعاجزة والمتخمة بالفساد للاحزاب, وسعت الى خلق تنظيمات سياسية جماهيرية تحشد ابناء الشعب في منظمات تطوعية للعمل السياسي الوطني, دون صراعات حزبية على مغانم او مناصب, في عام 1953 اسست قيادة الثورة (هيئة التحرير) وكانت اقرب في طبيعة تكوينها واهدافها الى تنظيمات الكشافة التي اسسها الاخوان المسلمون في الثلاثينات. ولم تخرج اهداف هيئة التحرير عن حشد الشباب في معسكرات عمل او تدريبات رياضية وعسكرية وتلقى برامج توعية عامة باهداف الثورة الستة. كان الهدف الرئيسي لهيئة التحرير محاولة تذويب رواسب النعرات الحزبية السائدة وقتها والالتفاف حول هدف وطني عام, كما يتضح من شعارها (الاتحاد, النظام, العمل) . وبسبب نظرتها المثالية, وافتقارها لإطار تنظيمي, وغياب القيادات المتمرسة على العمل السياسي, لم تعمر الهيئة كثيرا وكان من نجومها الراحل علوي حافظ والدكتور ابراهيم الطحاوي سكرتير عام الشبان المسلمين. الاتحاد القومي (1957) وكسابقتها جاء الاتحاد القومي ثاني تنظيمات ثورة يوليو السياسية, كمحاولة يائسة لإقامة تنظيم سياسي للثورة, يجسد طبيعتها واهدافها في الشارع السياسي, الا ان المحاولة باءت بالفشل, لضبابية الرؤية التنظيمية وعدم وجود برنامج عمل أو إطار فكري قادر على استقطاب العناصر الفاعلة, وهكذا تحول الاتحاد القومي لتنظيم ورقى, تقاطر عليه الانتهازيون والراغبون في جني ثمرة الثورة, والصعود على جثث ضحايا خلافاتها ولهذا لم يعمر هو الاخر كثيرا, ولم يترك خلفه اي تراث او ميراث يعتد به. الاتحاد الاشتراكي العربي (62 ـ 1977) هو المحاولة الاكثر جدية والاقرب للمعايير التنظيمية والفكرية للاحزاب القائدة في حقبة الحرب الباردة, وجاء تدشينا لاختيار قيادة الثورة للنهج الاشتراكي طريقا للتنمية, وللحزب الواحد القائد أسلوبا للحكم, وتبنى الاتحاد الاشتراكي كحزب صيغة تحالف قوى الشعب العامل الاقرب للجبهة منها الى الحزب وهي العمال, الفلاحون, والمثقفون, والجنود, والرأسمالية الوطنية.